إضاءة على تقرير إعلامي يتناول موضوعة النقابات
نشر تلفزيون سورية عبر موقعه الإلكتروني الرسمي تقريراً صحفياً للكاتب طارق صبح بتاريخ 25 شباط 2026، تناول فيه موضوعة النقابات والاتحادات المهنية والطلابية في سورية، واضعاً سؤالاً مركزياً هو: هل تستطيع النقابات في سوريا اليوم أن تستعيد دورها وتتحول إلى شريك فعلي في بناء المجتمع الجديد؟ أم أن المرحلة الانتقالية ستتجاوزها، أو تعيد توظيفها ضمن منطق السلطة ذاته؟ ونظراً لأهمية التقرير ومحاوره، وغناه بالأسئلة التي أجاب عنها التقرير والتي تحتاج إلى إغناء ونقاش أوسع، ينبع من استيعاب الواقع الحالي الذي تعيشه البلاد والنقابات ضمناً، أفردنا هذه المساحة للإضاءة على أهم ما جاء به، خاصة أنه من الموضوعات التي لا تحظى بالاهتمام الإعلامي والبحثي الكافي.
يطرح التقرير سؤاله الأول: هل تتجه النقابات في المرحلة الجديدة نحو إعادة تمكين المجتمع، أم ستكتفي بإعادة إنتاج أشكال الضبط القديمة بأدوات مختلفة؟ كونها تتجاوز الأطر المهنية، وهي مؤشر مبكر على اتجاه المرحلة الجديدة، بعد إرث طويل من التسييس والتدجين، ومحاولات خجولة أو متعثرة لإعادة التفعيل، لتبرز أسئلة أخرى ملحة حول واقع النقابات في سوريا: من يمثلها فعلاً؟ من يمارس العمل النقابي؟ وهل هي قادرة على استعادة دورها التاريخي كقوة اجتماعية مستقلة، أم أنها ستبقى هياكل فارغة في مشهد سياسي يُعاد تشكيله بحذر وقلق؟
إدارة الخلاف وتنظيمه
ويجيب الكاتب عن سؤاله: لماذا النقابات في المرحلة الانتقالية؟ بأنه في المراحل الانتقالية، لا تُقاس التحولات السياسية فقط بتبدُّل النخب أو تغيير الدساتير، بل بقدرة المجتمع على تنظيم نفسه خارج منطق الوصاية. ومن هنا، تبرز النقابات والاتحادات المهنية كأحد أعمدة أي انتقال ديمقراطي حقيقي، كونها تشكل إحدى المساحات القليلة التي تتيح تعلُّم السياسة اليومية عملياً: الانتخاب، والاختلاف، والتمثيل، والمساءلة. وهذا ما يجعلها تكتسب أهمية خاصة لأنها تقوم على أساس مهني ومصلحي، لا على أساس أيديولوجي أو سياسي أو هوياتي. ففي بلد خرج من عقود طويلة من الاستقطاب والقمع، تصبح الحاجة ملحة إلى أطر تنظيمية تسمح للناس بالالتقاء والعمل المشترك رغم اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الثقافية والاجتماعية. والنقابة، في هذا المعنى، ليست مساحة لتوحيد الآراء أو فرض الاصطفافات، بل إطاراً لإدارة الاختلاف وتنظيمه ضمن قواعد واضحة ومشتركة.
يوضح الكاتب في محور آخر بأن النقابات تمثل جسراً مباشراً بين الحياة اليومية للناس ومسارات التحول السياسي الأوسع. فحقوق العمل، والأجور، وشروط المهنة، والتأمين الصحي، والتعليم والتدريب، هي قضايا تمس شرائح واسعة من السوريين، بغض النظر عن مواقفهم السياسية أو خلفياتهم الاجتماعية. ووفق رأي الكاتب، أنه خلال الاشتغال على هذه الملفات الملموسة، يمكن للنقابات أن تستعيد تدريجياً ثقة قواعدها، وأن تسهم في إعادة بناء ثقافة المشاركة والمسؤولية الجماعية، بعيداً عن منطق التعبئة أو الإقصاء. وفي سوريا اليوم، تكتسب هذه الأهمية بعداً مضاعفاً، نظراً إلى تدمير المجال العام على مدى عقود، وتجريف أي شكل من أشكال التنظيم المستقل. إذ تحولت النقابات، التي يفترض أن تدافع عن حقوق أعضائها وتشارك في صياغة السياسات العامة المرتبطة بالعمل والتعليم والاقتصاد – في ظل النظام المخلوع – إلى أدوات ضبط وتعبئة، ما أفقدها ثقة قطاعات واسعة من المجتمع. ولا يُنتظر من النقابات أن تكون بديلاً عن السياسة، بل أن تشكل أحد مساراتها الاجتماعية الهادئة، وأن تلعب دوراً في إعادة وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع. فنجاحها في تمثيل أعضائها بعدالة وشفافية قد يكون من أوضح المؤشرات المبكرة على قدرة المرحلة الانتقالية في سوريا على إنتاج نظام أكثر انفتاحاً وتعدداً.
ضرورة استمرار النقاش وتفعيل الحوار
يسرد المقال بعض المحطات التاريخية للحركة النقابية والاتحادات بشكل عام والعمالية بشكل خاص، ليصل إلى خلاصة مفادها أن هذا الإرث جعل من إعادة بناء العمل النقابي بعد سقوط سلطة نظام الأسد تحدياً مضاعفاً، لا يقتصر على تغيير القوانين والهياكل، بل يمتد إلى تفكيك دورها القمعي السابق، واستعادة الثقة، وإعادة تعريف النقابة بوصفها أداة تمثيل وحماية، لا ذراعاً من أذرع السلطة، وبأن النقابات اليوم في سوريا لم تبدأ من فراغ، لكنها لم تبدأ أيضاً من موقعٍ سليم.
تعتبر هذه التقارير الإعلامية محفزاً إضافياً للقوى المجتمعية والنقابية والسياسية للانخراط في نقاش الموضوعات ذات الصلة والتي تغطي طبقات وشرائح واسعة من السوريين. وسواء اتفقنا أو اختلفنا عليها، تبقى ضمن إطار الدعوة للحوار والنقاش التي ما زلنا نطالب القوى بها، وعلى رأسها الاتحاد العام الحالي، منطلقين من مصلحة الطبقة العاملة والحركة النقابية السورية الوطنية. وللحديث صلة...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1269