الاقتصاد السوري بعد سقوط السلطة: إعادة تشكُّل البنية الطبقية واتجاهات الاقتصاد
ميلاد شوقي ميلاد شوقي

الاقتصاد السوري بعد سقوط السلطة: إعادة تشكُّل البنية الطبقية واتجاهات الاقتصاد

يشكِّل سقوط نظام بشار الأسد لحظة تاريخية فارقة في مسار الاقتصاد السوري، ليس بوصفه تحوُّلاً سياسياً في بنية السلطة، بل باعتباره حدثاً يعيد فتح مسألة البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تشكَّلت خلال العقود الماضية. فمن منظور الاقتصاد السياسي، لا يمكن فهم التحولات السياسية بمعزل عن الأساس المادي للمجتمع، أي نمط الإنتاج وشكل الملكية وطبيعة الطبقات الاجتماعية التي تتصارع داخل المجتمع.

لقد دخلت سورية قبل سقوط سلطة الأسد بسنوات طويلة في أزمة اقتصادية عميقة ناجمة عن التناقض بين بنية اقتصاد متآكلة وعلاقات ملكية غير متوازنة. فالنظام الذي تأسس في عهد حافظ الأسد قام على صيغة من الاقتصاد المختلط، حيث لعب القطاع العام دوراً مركزياً في الصناعة والبنية التحتية إلى جانب دور محدود للقطاع الخاص. غير أن هذه الصيغة بدأت تتآكل تدريجياً منذ تسعينيات القرن الماضي، وتسارعت عملية تفكيكها مع بداية الألفية الجديدة تحت شعار «اقتصاد السوق الاجتماعي».
في الواقع، لم تكن تلك السياسات انتقالاً حقيقياً إلى السوق بقدر ما كانت إعادة توزيع للثروة داخل الطبقة الحاكمة نفسها. فقد ظهرت طبقة من الرأسماليين الجدد المرتبطين بالأجهزة الأمنية والبيروقراطية، تحوَّلوا إلى وسطاء اقتصاديين يحتكرون التجارة والاستيراد والقطاعات الريعية. وبهذا المعنى، تعزّزت في سورية مواقع تلك الصيغة الرأسمالية التي لا تقوم على الإنتاج، بل على الامتيازات والاحتكارات.


الحرب كآلية لإعادة تشكيل الاقتصاد


مع انفجار الأزمة السورية، لم يَنهَر الاقتصاد فحسب، بل أُعيد تشكيله وفق شروط جديدة. فالحرب ليست مجرد كارثة إنسانية، بل هي أيضاً عملية عنيفة لإعادة توزيع الثروة والملكية. فالعديد من القطاعات الإنتاجية، خصوصاً الصناعة والزراعة، تعرَّضت للتدمير أو التفكيك، في حين ازدهرت أنماط اقتصادية بديلة مثل اقتصاد الحرب والتهريب واقتصاد المساعدات الدولية.
وفي هذا السياق، ظهرت شبكات اقتصادية جديدة مرتبطة بالقوى العسكرية المحلية والإقليمية. فقد أصبحت الموارد الاقتصادية، من النفط إلى المعابر التجارية، مرتبطة بموازين القوى العسكرية أكثر من ارتباطها بمنطق السوق أو الإنتاج.


سقوط السلطة وبداية مرحلة إعادة الهيكلة


إن سقوط السلطة لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة الاقتصادية، بل يفتح مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة الاقتصادية. ففي التجارب التاريخية للدول الخارجة من الحروب أو من الأنظمة السلطوية، غالباً ما تندفع الحكومات الانتقالية نحو تبني سياسات اقتصادية ليبرالية تحت ضغط المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. تتمثل هذه السياسات عادةً في تحرير الأسعار، وخصخصة القطاع العام، وتقليص الدعم الاجتماعي، وفتح الاقتصاد أمام رأس المال الأجنبي.
هذه الإجراءات تُقدَّم غالباً بوصفها شرطاً لإعادة الإعمار، لكنها في الواقع تعيد تشكيل الاقتصاد وفق مصالح قوى رأس المال العالمي. وفي الحالة السورية، قد تتحول إعادة الإعمار نفسها إلى مجال واسع للاستثمار الأجنبي والشركات الدولية، ما يجعل الاقتصاد الوطني تابعاً لشبكات رأس المال الإقليمية والعالمية.


إعادة الإعمار كفرصة وكآلية للهيمنة


تُعد عملية إعادة الإعمار أحد أهم القطاعات الاقتصادية في المرحلة القادمة. فالبنية التحتية السورية تعرَّضت لدمار هائل، وتشير التقديرات إلى أن تكلفة إعادة الإعمار قد تصل إلى مئات مليارات الدولارات.
لكن إعادة الإعمار ليست تقنية محايدة، بل هي ساحة للصراع الاقتصادي والسياسي. فالدول الإقليمية مثل تركيا ودول الخليج قد تسعى إلى توسيع نفوذها الاقتصادي داخل سورية عبر الاستثمار في مشاريع البنية التحتية والطاقة والعقارات. وفي كثير من الأحوال، تتحول إعادة الإعمار إلى عملية إعادة توزيع الأراضي والثروة، حيث تُنقل الملكية من السكان المتضررين إلى شركات استثمارية أو تحالفات اقتصادية جديدة.


تحولات الطبقات الاجتماعية


من منظور الاقتصاد السياسي، فإن أهم ما ستنتجه التحولات الاقتصادية في سورية هو إعادة تشكيل البنية الطبقية للمجتمع.
أولاً: صعود رأسمالية جديدة، حيث من المرجح أن تظهر طبقة جديدة من رجال الأعمال المرتبطين بعملية إعادة الإعمار والاستثمار الأجنبي. هذه الطبقة قد لا تختلف كثيراً عن الرأسمالية الطفيلية السابقة، لكنها ستتشكل في سياق سياسي جديد وتحت تحالفات إقليمية مختلفة.
ثانياً: زيادة تآكل ما تبقى من الشريحة الوسطى التي كانت تعتمد قبل الحرب، إلى حد كبير، على الوظائف الحكومية والمهن الحرة والتعليم. لكن انهيار الاقتصاد وتدمير المؤسسات الإنتاجية أديا إلى تآكل هذه الطبقة بشكل كبير، ومن المرجح أن تستمر هذه العملية في المرحلة القادمة، خصوصاً مع تقليص دور الدولة الاقتصادي واتباع سياسة تسريح العمال والموظفين.
ثالثاً: سيؤدي اقتصاد إعادة الإعمار والخدمات إلى خلق فرص عمل، لكن معظمها سيكون في قطاعات منخفضة الأجور وغير مستقرة مثل البناء والخدمات. وهذا يعني توسع ما يمكن تسميته بالطبقة العاملة الهشة التي تعيش في ظروف عمل غير مستقرة ودون حماية اجتماعية كافية.


التفاوت الاقتصادي وتحدي العدالة الاقتصادية


أحد أخطر نتائج التحولات الاقتصادية المحتملة هو اتساع الفوارق الطبقية. ففي الاقتصادات الخارجة من الحروب، غالباً ما تتراكم الثروة بسرعة لدى فئة محدودة تستفيد من الاستثمار والعقارات والاحتكارات التجارية، في حين تبقى الأغلبية تعاني من البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة.
وهذا التفاوت قد يخلق توترات اجتماعية جديدة، خاصة إذا شعر السكان بأن التضحيات التي دفعوها خلال الحرب لم تؤدِّ إلى نظام اقتصادي أكثر عدلاً.


الدولة ودورها في الاقتصاد الجديد


يبقى السؤال الأساسي: ما هو الدور الذي ستلعبه الدولة في الاقتصاد السوري الجديد؟
إذا اتجهت الدولة نحو نموذج ليبرالي كامل، فإن دورها قد يقتصر على «تيسير» آليات السوق الرأسمالية المتوحشة وتوفير البيئة الاستثمارية. لكن هذا الخيار سيفاقم التفاوت الاجتماعي ويضعف قدرة الاقتصاد على تحقيق إنتاجية حقيقية.
أما إذا تبنَّت الدولة سياسة اقتصادية تنموية تقوم على دعم الصناعة والزراعة وإعادة بناء القطاع العام، فقد تتمكن من خلق نموذج اقتصادي أكثر توازناً واستقلالية.
إن مستقبل الاقتصاد السوري بعد سقوط السلطة السابقة لن يتحدد فقط بقرارات الحكومة أو خطط إعادة الإعمار، بل بميزان القوى بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. فإذا بقيت عملية إعادة البناء الاقتصادي خاضعة لمصالح رأس المال الطفيلي وتحالفاته الخارجية، فإن الأزمة الاجتماعية التي عاشها السوريون قد يُعاد إنتاجها بشكل جديد.
أما إذا نجحت القوى الاجتماعية في فرض نموذج اقتصادي أكثر عدالة، يقوم على الإنتاج الحقيقي وتوزيع الثروة بشكل يحقّق نمواً حقيقياً أعلى وعدالة اجتماعية عميقة، فقد تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء المجتمع على أسس مختلفة.
وفي نهاية المطاف، فإن الصراع حول الاقتصاد السوري ليس مجرد صراع على الموارد، بل هو صراع على شكل المجتمع نفسه، وعلى طبيعة العلاقات الاجتماعية التي ستحدد مستقبل سورية لعقود قادمة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269