معادن التحوّل الأخضر وخرائط النفوذ العالمي 1: من يملك الخام؟
عروة درويش عروة درويش

معادن التحوّل الأخضر وخرائط النفوذ العالمي 1: من يملك الخام؟

يشهد التحوّل العالمي نحو الطاقة النظيفة طلباً غير مسبوق على المعادن الحرجة، مثل: النحاس والليثيوم والنيكل والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة. فعلى سبيل المثال:
تتوقّع «وكالة الطاقة الدولية» أن يتضاعف الطلب على معادن انتقال الطاقة ثلاث مرات بحلول عام 2030 وأربع مرات بحلول عام 2040 في ظل أهداف المناخ. كما أنّ بطاريات المركبات الكهربائية وحدها قد تتطلّب ليثيوماً أكثر بنسبة 454% وكوبالتاً أكثر بنسبة 115% بحلول عام 2030 مقارنةً باليوم. وتتوفر هذه المعادن في عدد محدود من البلدان الغنية بالموارد، وهي دول باتت الآن في قلب مسار إزالة الكربون العالمي. ومع ذلك، يبقى هناك تناقض صارخ قائماً: فالدول الأثرى بهذه المواد الخام لا تزال، إلى حدّ كبير، مُصدِّرةً للسلع غير المُعالَجة، لا مُصنِّعةً للتقنيات الخضراء التي تُمكّنها هذه المعادن. وعلى مدى عقود، عاشت كثير من البلدان النامية الغنية بالمعادن واقعاً مفارقاً: «ثروة هائلة تحت الأرض مقرونة بفقر فوقها». تغادر الخامات الموانئ الأفريقية وأمريكا اللاتينية، وتعود البطاريات والسيارات الكهربائية المُنجزة على هيئة واردات. ولا تنال الاقتصادات المحلية سوى القليل من القيمة المضافة، إذ تقع المراحل عالية التقنية من سلسلة الإمداد- التكرير الكيميائي، وتصنيع المكوّنات، وتجميع البطاريات- في أماكن أخرى. وبالفعل، تشير الأمم المتحدة إلى أنّ معظم الأرباح في سلسلة قيمة بطاريات الليثيوم تأتي من هذه المراحل اللاحقة، التي تهيمن عليها شركات في الصين وكوريا واليابان وغيرها من الدول الصناعية. وأكبر 10 مُصنّعين للبطاريات وفق الحصة السوقية يتخذون من آسيا مقراً لهم، بما يبرز الفجوة بين توفير المواد الخام وإنتاج التكنولوجيا.

وهذا يطرح معضلةً مركزية: كيف يمكن للدول الغنية بالموارد أن تنتقل من هامش سلاسل الإمداد العالمية- بوصفها مجرّد مورّد للخام- إلى مواقع إنتاج ذات قيمة مضافة في الاقتصاد الأخضر؟ بعبارة أخرى، هل تستطيع تشيلي القفز من تصدير كاثودات النحاس إلى إنتاج محرّكات المركبات الكهربائية وأسلاكها؟ وهل تستطيع جمهورية الكونغو الديمقراطية ألا تكتفي باستخراج الكوبالت، بل تنقّيه أيضاً إلى مواد كيميائية جاهزة للبطاريات؟ وهل ستكتفي إندونيسيا بشحن النيكل المُعتَّم، أم ستُصنّع كذلك بطاريات المركبات الكهربائية التي تحتاج إلى النيكل؟ حتى الآن، يبدو النمط مُحبِطاً. إذ يحذّر محللو «البنك الدولي» من أنّ التاريخ يُوشك أن يعيد نفسه في انتقال الطاقة: استخراج يتجاوز الاقتصادات المحلية ويُعمّق اللامساواة. ومن دون فعلٍ متعمّد، قد تبقى الدول الغنية بالمعادن عالقةً بوصفها اقتصادات «ريعية» نيواستخراجية، بينما تستورد التقنيات الخضراء التي تجعلها معادنها ممكنة. إنّ الرهانات هائلة- اقتصادياً وجيوسياسياً- أمام كبار حائزي المعادن في العالم النامي، إذا أرادوا الإفلات من فخ تصدير المواد الخام.


رسم خريطة الجغرافيا العالمية للموارد


رفعت ثورة الطاقة النظيفة الأهمية الاستراتيجية لعددٍ من الدول التي تهيمن على احتياطيات وإنتاج المعادن الحرجة. ويُظهر مسح سريع لخريطة الموارد العالمية، في آنٍ واحد، إمكانات هذه الدول ومأزقها:


عمالقة النحاس- تشيلي وبيرو والكونغو الديمقراطية


تشيلي هي أكبر منتج للنحاس في العالم، إذ استخرجت 5.3 ملايين طن متري في عام 2024- نحو 23% من الإنتاج العالمي. وأنتجت بيرو المجاورة نحو 2.6 مليون طن في عام 2024 - نحو 9% من الإنتاج العالمي، بينما قفز إنتاج جمهورية الكونغو الديمقراطية من النحاس إلى 3.3 ملايين طن- 11% من إمدادات العالم- بعدما دخلت مشاريع جديدة مثل: «كاموا-كاكولا» حيّز التشغيل. معاً، تُشكّل تشيلي وبيرو وحدهما ما يقارب 40% من إنتاج النحاس العالمي. أما جمهورية الكونغو الديمقراطية فهي تُنافس الآن على المركز الثاني عالمياً. وتقع هذه الدول الثلاث فوق بعض أغنى رواسب النحاس على الكوكب- وهو معدنٌ أساسي لأسلاك الكهرباء وملفّاتها وبنى الشبكات- ما يجعلها ركائز لا غنى عنها في مستقبلٍ مُكهرب. غير أنّ أياً منها لا يُصنّع، على نطاق واسع، معدات كهربائية أو مركبات كهربائية؛ إذ يظل دورها قائماً على استخراج النحاس وتصديره.
مثلث الليثيوم- بوليفيا والأرجنتين وتشيلي
في المسطحات الملحية المرتفعة في جبال الأنديز، يقع نحو 56 إلى 60% من موارد الليثيوم المُعرّفة في العالم. وتملك بوليفيا وحدها ما يُقدّر بـ 21 مليون طن، مع 19.3 مليون طن للأرجنتين ونحو 9.6 ملايين طن لتشيلي. وقد استفادت تشيلي من الليثيوم لتصبح ثاني أكبر منتج في العالم، حيث تُزوّد نحو 26% من الليثيوم العالمي في السنوات الأخيرة. وتُوسّع الأرجنتين إنتاجها بسرعة عبر عدة مشاريع جديدة للبرك الملحية- نحو 6% من الليثيوم العالمي حالياً، بينما لم تتمكّن بوليفيا- على الرغم من امتلاكها أكبر مورد- من الوصول إلى إنتاجٍ تجاري واسع النطاق حتى الآن.
ويُجسّد هذا «المثلث» مفارقة المواد الخام: فأمريكا اللاتينية تملك مفاتيح الليثيوم الجيولوجية لاقتصاد أيونات الليثيوم، لكنها تلتقط قيمةً ضئيلةً خارج الاستخراج. فمع أنّ أكثر من نصف الليثيوم العالمي يقع تحت المسطحات الملحية لهذه الدول الثلاث، فإن تصنيع البطاريات تهيمن عليه دول أخرى بالكامل. فعلى سبيل المثال، أعلنت الصين واليابان وأمريكا والاتحاد الأوروبي الليثيوم معدناً استراتيجياً، وتسعى كلها لتأمين الإمدادات، لكن حكومات أمريكا اللاتينية لا تزال تحاول فهم كيفية ترجمة وفرة الليثيوم إلى صناعات محلية.


إندونيسيا- قوة النيكل


تحوّلت إندونيسيا بسرعة إلى لاعب لا يمكن الاستغناء عنه في النيكل، وهو معدنٌ حاسم لمعظم كيميائيات بطاريات المركبات الكهربائية. فمن خلال حظر تصدير خام النيكل غير المعالج عام 2020 وإجبار الشركات الأجنبية على بناء المصاهر محلياً، قفزت حصة إندونيسيا من إنتاج النيكل العالمي من 16% في عام 2019 إلى نحو 43% في عام 2024. وتشير بعض التقديرات إلى أنّ إندونيسيا تمثل الآن أكثر من ثلثي إمدادات النيكل العالمية بحلول عام 2025- وهو تحوّل مدهش. وبدعمٍ من 30 مليار دولار من الاستثمارات- معظمها صيني- لبناء 43 مصهراً جديداً، قفزت إندونيسيا من مُصدّر لخام منخفض النوعية، إلى مُنتِج رائد لمنتجات نيكل مُكرّرة «فيرونيكل، ونيكل مُعتَّم، وغيرها». وقد جعلها ذلك عقدةً محورية في سلسلة إمداد بطاريات المركبات الكهربائية، ومنح جاكرتا نفوذاً كبيراً. غير أنّ هذا الصعود يأتي مع محاذير: فجزء كبير من طاقة التكرير مملوك أو مشترك الملكية مع شركات صينية، ولا تزال الأسئلة قائمة حول مقدار القيمة عالية التقنية- مثل إنتاج خلايا البطاريات- التي ستبقى في إندونيسيا مقابل تصديرها في صورة شبه مُعالجة.


أستراليا- متنوّعة و«منخرطة غربياً»


تتميّز أستراليا بكونها عملاق موارد متقدم ومرتفع الدخل يتمتع بتنوّع واسع من المعادن الحرجة. فهي أكبر منتج لليثيوم في العالم، وهي منتج كبير للنيكل، وتمتلك احتياطيات معتبرة من العناصر الأرضية النادرة والكوبالت والمنغنيز وغيرها. وبخلاف الآخرين، تملك أستراليا تحالفات قوية مع أمريكا وأوروبا، وتستثمر تلك الروابط للاندماج في سلاسل إمداد «صديقة التوطين». فعلى سبيل المثال: وقّعت أستراليا وأمريكا شراكةً للمعادن الحرجة لتمويل مشاريع جديدة، وضمان الإمدادات لصناعات الغرب. كما تسعى «استراتيجية المعادن الحرجة» الأسترالية لعام 2023 بوضوح إلى نقل أستراليا من مُصدّر للمواد الخام إلى مُعالج ذي قيمة مضافة، عبر «الاستحواذ على قدرات المعالجة والتكرير والتصنيع التي تخلينا عنها تاريخياً للآخرين»، كما يقول أحد خبراء السياسات.
على أرض الواقع، تستثمر أستراليا في تكرير مواد البطاريات محلياً وتُقيم شراكات مع حلفائها لإقامة سلاسل إمداد غير صينية. غير أنّ ارتفاع كلفة العمل ومعايير البيئة الصارمة في أستراليا يعني أنها ستُركّز، على الأرجح، على المعالجة في منتصف السلسلة أكثر من تصنيع خلايا البطاريات على نطاق واسع في المدى القريب. والأهم، أنّ قدرة الدولة على الفعل والتحالفات تمنح أستراليا قوة تفاوضية أكبر: فهي تستطيع فرض معايير بيئية واجتماعية أعلى مع الاستمرار في جذب الاستثمار بفضل الاستقرار وثراء الرواسب.
تشغل كلٌ من هذه الدول عقدةً حاسمة في سلاسل الإمداد الناشئة للتقنيات الخضراء، لكنها تختلف اختلافاً كبيراً في الحوكمة، وقدرة الدولة، ووزنها التفاوضي. فكلٌّ من تشيلي وأستراليا تتمتعان بقدرة مؤسسية أعلى نسبياً واستقرار سياساتي- إذ تملك تشيلي، مثلاً، خبرة تكنوقراطية متراكمة عبر وكالات مثل: «كورفو»، ما يمنحهما يداً أقوى في التفاوض مع الشركات متعددة الجنسيات. وإندونيسيا- رغم كونها اقتصاداً ناشئاً بمؤسسات أضعف من تشيلي- أظهرت قومية موارد حازمة: إذ كانت مستعدة لتحدّي «منظمة التجارة العالمية» وشركاء كبار
عبر حظر الصادرات كي تصعد في سلسلة القيمة، مستندةً إلى قوة سلعتها.
في المقابل، تتمتع دول، مثل: الكونغو أو بوليفيا بنفوذ تفاوضي أضعف: فضعف الدولة في الكونغو وتاريخ الصراع يجعلانها معتمدةً بقوة على رأس المال الأجنبي بشروط محلية محدودة، بينما أخافت القوميةُ الموارديةُ الصارمةُ في بوليفيا بعض المستثمرين في أوقاتٍ عدة. كما تتباين الأنظمة السياسية: فالديمقراطية التشيلية مضطرة لموازنة التنمية مع مطالب البيئة العامة، والنظام الإندونيسي المركزي لكنه تعددي يسمح بسياسة صناعية حاسمة، في حين تكافح الحوكمة الهشّة في الكونغو الديمقراطية لفرض أي رؤية شاملة. هذه الفوارق تصوغ كيفية تعاطي كل دولة مع تحدّي الانتقال من الخام إلى الغنى: فبعضها قد تنجح في التفاوض على شروط أفضل، أو في بناء صناعات محلية، بينما قد تبقى بعضها الآخر أطرافاً دائمة رغم ثروتها المعدنية.


لماذا يصعب على مُصدّري المواد الخام الصعود في سلسلة القيمة؟


تواجه الدول الغنية بالموارد مجموعةً مشتركة من العوائق البنيوية التي تجعل التقدّم أبعد من تصدير المواد الخام أمراً بالغ الصعوبة. و «فخ التنمية» هذا له جذور اقتصادية وسياسية وتاريخية يتعيّن على كل مُصدّر للمعادن تقريباً أن يتعامل معها:


ضعف السياسة الصناعية أو تناقضها


تتطلب التصنيع الناجح عادةً استراتيجية حكومية طويلة الأمد ومتماسكة- وهو ما تفتقده كثير من الاقتصادات المعتمدة على السلع. فقد تذبذبت بين التدخلية وترك السوق، أو غيّرت مساراتها مع كل إدارة. فعلى سبيل المثال: تتعامل الأرجنتين مع الليثيوم بوصفه مجالاً للقطاع الخاص إلى حدّ كبير من دون استراتيجية وطنية، بينما أعلنت بوليفيا الليثيوم مورداً استراتيجياً، لكنها عجزت عن تنفيذ خطة تصنيع قابلة للحياة. والنتيجة جهودٌ متقطعة أو غير مترابطة لا تُراكم صناعات لاحقة قادرة على المنافسة. وحتى تشيلي- رغم امتلاكها دولة عالية القدرة- لم تُطلق «استراتيجية وطنية لليثيوم» إلا حديثاً- عام 2023- بعد سنوات من التخبّط السياساتي في قطاع الليثيوم. وفي الدول الأضعف، يعني غياب الرؤية الصناعية الهادية أنّ شركات التعدين الأجنبية تعمل من دون ضغطٍ يُذكر لنقل التكنولوجيا، أو تطوير سلاسل قيمة محلية.

----2_result


أنظمة استخراج مملوكة للأجانب واقتصادات جيب


في معظم البلدان النامية، تملك المناجم الكبرى وتديرها شركاتٌ متعددة الجنسيات، وتذهب الأرباح غالباً إلى الخارج، بينما لا تحصد الاقتصادات المحلية سوى روابط محدودة. تتحوّل المناجم إلى «جيوب تصديرية»، تُسهم في الناتج المحلي وإتاوات الدولة، لكنها تُحدث تسريبات محدودة في الاقتصاد الأوسع. ومن دون سياسات متعمّدة، يبقى المآل الافتراضي هو استمرار الدول الغنية بالموارد مُزوّداً للمدخلات الخام، فيما تُضاف القيمة في مصانع أجنبية.


غياب الاستقلال التكنولوجي


تتطلب الأنشطة الأعلى قيمة تقنيات متقدمة، ومعرفةً غالباً لم تُطوّرها الدول المصدِّرة للموارد. وغالباً ما تكون التكنولوجيا مُلكية: تحتكرها قلة من الشركات العالمية أو الشركاء الأجانب، فتخلق عائقاً للدخول. وكما تلاحظ «الأونكتاد UNCTAD»، تأتي القيمة المضافة في سلاسل إمداد البطاريات من خطوات كثيفة المعرفة يصعب على الدول النامية اختراقها. فعلى سبيل المثال: تحويل كربونات الليثيوم إلى مواد كاثود جاهزة للبطاريات يتطلب عمليات متخصصة تُتقنها شركات في الصين واليابان وكوريا.
وقد أقرت تشيلي بأن تصنيع البطاريات كاملاً سيكون صعباً إذا أقدمت عليه وحدها، لذا تركّز استراتيجيتها الآن على منتجات وسيطة، مثل: مواد الكاثود، عبر مشروعات مشتركة مع شركات أجنبية تمتلك الخبرة. وفي دول مثل: بوليفيا، التي حاولت تطوير تكنولوجيا معالجة الليثيوم داخلياً عبر البحث والتطوير الحكومي، تبيّن أنّ الوصول إلى حجم تنافسي وجودة مستقرة من دون شركاء تقنيين أجانب مهمة شاقة. هذا الاعتماد التكنولوجي يُبقي مُصدّري المعادن «عالقين»: يستطيعون استخراج الخام، لكنهم يرسلونَه إلى الخارج لتحويله إلى منتجات عالية التقنية، لأنهم يفتقرون إلى القدرات المحلية اللازمة.


تقلّب أسعار السلع ودورات الازدهار والانكماش


إن الاعتماد الشديد على تصدير السلع الخام يعرّض الدول لتقلّبات حادة في الأسعار تقوّض التخطيط الصناعي طويل الأمد. وقد يؤدي انهيار الأسعار إلى إفلاس شركات تعدين محلية أو إلى عزوف المستثمرين عن مشاريع القيمة المضافة. شهدنا ذلك في محاولات تشيلي الحديثة في تعميق صناعة الليثيوم: فبعد قفزة أسعار الليثيوم في عام 2022 ثم هبوطها الحاد في عام 2023، انسحبت شركتا «بي واي دي» و«تسينغشان» من بناء مصانع كاثود الليثيوم في تشيلي، مسببتين ذلك «بالهبوط الحاد في الأسعار» الذي جعل الاستثمارات أقل جاذبية.
بالمثل، انهارت محاولة تشيلي في عام 2018 لتحفيز معالجة الليثيوم عبر أسعار مخفّضة عندما تغيّرت ظروف السوق
وانسحبت الشركات المختارة. تُظهر هذه الأمثلة كيف يمكن لدورات السلع أن تُفشل مشاريع القيمة المضافة: حين تكون الأسعار مرتفعة، تفضّل الشركات تصدير المعادن الخام لتحقيق أرباح سريعة، وحين تكون منخفضة، تُقلّص خطط التوسع، وفي
كلتا الحالتين، غالباً ما يكون الاستثمار في المعالجة المحلية أول ما يُضحّى به. ويجعل هذا اللايقين الحكومات مترددةً في ضخ مليارات في منشآت قد تصبح غير اقتصادية إذا تبدّلت الأسعار أو تذبذب الطلب العالمي.
ضغوط القوى الكبرى الساعية إلى أمن الإمدادات
في سباق المعادن الحرجة، تمارس الدول الصناعية الكبرى ضغوطاً- مباشرة أو غير مباشرة- على حائزي الموارد، كي يعطوا الأولوية لحجم التصدير وموثوقية الإمدادات على حساب تعميق القيمة محلياً. فالدول المستوردة تريد وصولاً آمناً للمواد الخام، وقد تُعارض سياسات مثل: حظر التصدير، أو متطلبات المحتوى المحلي المرتفعة. مثال: أثار حظر إندونيسيا تصدير خام النيكل، رغم نجاحه في نهاية المطاف، تحديات قانونية من الاتحاد الأوروبي في «منظمة التجارة العالمية» وولّد شكاوى من مستهلكين لاحقين. كما تروّج حكومات غربية أحياناً «لشراكات استراتيجية» تعد بالاستثمار والمساعدة، لكنها تتوقع ضمنياً أن تظل الدول الشريكة مزوداً للمدخلات الخام لسلاسل إمداد الغرب.
هناك كذلك إرث تأثير نيواستعماري، ووصفات سياسة نيوليبرالية حاضرة: ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بشكل خاص، دفعت مؤسسات مثل «صندوق النقد الدولي» ببرامج «التكيف الهيكلي» التي اشترطت غالباً خصخصة المناجم والانفتاح أمام المستثمرين الأجانب، ما رسّخ نموذجاً ريعياً يجمع فيه القطاع الخاص، أو حتّى الدولة في كثير من الأحيان، الإتاوات من دون بناء صناعات مملوكة للدولة. ولا يزال هذا الإرث قائماً: فقد نُصحت دول أفريقية وأمريكية لاتينية كثيرة بـ «ترك التصنيع للسوق»، وهو ما كرّس دورها كمصدّر للسلع. وهكذا يمكن للجيوسياسة أن تعزّز الفخ: فالقوى الكبرى تريد المواد الخام لصناعاتها، وإذا لم تُنسّق الدول الغنية بالموارد أو تُقاوم، فإنها تتنافس على التصدير بدل التعاون على بناء قدرات لاحقة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1256