موظفون مؤقتون واستغلال دائم
ما إن دخلنا شهر رمضان حتى أصبح من السهل رصد حجم الطلب على موظفي مبيعات الألبسة والجلديات بشكل كبير وواضح. وهذه الظاهرة ليست بجديدة، بل أصبحت روتينية ودورية ومفهومة الأسباب، وهي ستعود للظهور مرة أخرى قبل عيد الأضحى بأسبوعين أو ثلاثة، وإن بنسبة ووتيرة أقل، وهي مرتبطة بنشاط أسواق هذه المنتجات في الأعياد. ودائماً ما يجري السباق المحموم على استقطاب اليد العاملة الموسمية المؤقتة بين أصحاب المحلات.
وهذا التنافس الموسمي بينهم يكون غالباً على العمالة غير المؤهلة والمتوفرة بين صفوف الطلاب الجامعيين بكثرة. وتلجأ نسبة كبيرة من أرباب العمل حينها إلى الخداع، معتمدين على قلة معرفة طالبي العمل بالوضع العام للمصلحة من جهة، وعلى احتياجهم لهذا العمل من جهة أخرى، خاصة مع اقتراب الأعياد. وللعلم، فإن أصحاب المحلات لا يطلبون موظفين موسميين أو مؤقتين، ولن تجد إعلاناً واحداً يدل على ذلك، بل يوهمون الباحثات والباحثين عن العمل بأنها وظيفة دائمة، وبأنه سيتم استثمارهم في موسم الأعياد من أجل صقل مهاراتهم وتدريبهم. فتُجرى المقابلة، ويُحدد الراتب وساعات الدوام ونظام العمل... إلخ، لتبدأ الرحلة المؤقتة لهؤلاء العمال الجدد، المليئة بالجهد الكبير والاستغلال المضاعف.
غالباً ما تبدأ مباشرة العمل للعمال الجدد في الأسبوع الثاني من رمضان، ليتم تعليمهم وتدريبهم المكثف خلاله، ليكون الأسبوع الثالث موعدهم الأول مع ضغط العمل الشاق والمجهد، حيث يتم خلاله تجهيز المحل بشكل كامل وتعبئته بالبضائع المتدفقة بكميات كبيرة. وتتوزع المهام بين النقل والتحميل والتفريغ وترتيب البضائع الجديدة على الرفوف و«الستاندات» وتنسيقها وفرزها وفق أرقام الموديلات والقياسات والألوان، بجانب مهمة البيع ومتابعة الزبائن. ويتغير عدد ساعات العمل التي كانت 8 ساعات من العاشرة صباحاً وحتى السادسة مساءً، فتُضاف فترة دوام جديدة تبدأ بعد الإفطار من الساعة الثامنة مساءً حتى الواحدة ليلاً، أي 5 ساعات عمل جديدة، ليصبح مجموع ساعات العمل في اليوم الواحد 13 ساعة. وبذلك على الموظف أن يذهب للفطور ويعود إلى عمله خلال ساعتين فقط، مع ما يحمله ذلك من مشقة الطريق المزدحم وأجور المواصلات. وتُفضل نسبة منهم البقاء والإفطار في عملها على حسابها الشخصي، أو مما تحمله من بيتها من طعام وشراب، اتقاءً لهذه المشقة والمصاريف.
أجور شحيحة وغياب للمعايير
لا تتجاوز أجور موظفي المبيعات الجدد حاجز 10 آلاف ليرة سورية (فئة جديدة) في الأسواق الرئيسة ضمن العاصمة كالشعلان والصالحية والحميدية والحمراء والجسر الأبيض، في حين تنخفض إلى حدود 7500 ليرة بالعملة نفسها في أسواق الريف أو المدن المحيطة كجرمانا وصحنايا وقطنا وداريا وعين ترما. مع العلم أن أجور المواصلات تستنزف 10% منها كحد أدنى، وهذه الأجور يحددها رب العمل في المقابلة الأولى دون أن يذكر أو يحدد ساعات العمل الإضافي التي سيرتفع عددها كلما اقترب اليوم الأول للعيد، مما يجعل العامل مغيباً عن حقوقه فيها، ولا يملك معياراً مفهوماً لها.
لا يتعامل أرباب العمل مع موضوع ساعات العمل الإضافي بطريقة واحدة، فبعضهم «ينام على السيرة»، والبعض الآخر يكتفي بنسبة على المبيعات «من الجمل أذنه» أو «عيدية يوم الوقفة»، وهناك من يقوم بحساب الساعة بساعة ونصف، ونادراً ما نجد من يضرب الساعة بساعتين كحق بديهي لها «إن خليت بليت». وفي اليوم الأخير من رمضان، ومع صباحية أول أيام العيد، وتوزيع الأجور على العاملين الجدد، ومع هول الصدمة التي تصيبهم من قيمة الأجر المقبوض، فإن النسبة الأكبر منهم ستترك العمل بشكل مباشر ولن تعود بعد العيد. وأما البقية، فسيتعين على رب العمل صرفهم بالطريقة التي يختارها، فحاجته لهم انتهت بانتهاء الموسم، لتتبعثر آمالهم بعمل دائم في الهواء.
لا تختلف أوضاع هذه الشريحة العمالية عن غيرها من الشرائح في القطاع غير المنظم، الذي يُعتبر من أكبر القطاعات وأكثرها بؤساً. فلا عقود عمل موقعة تؤطر علاقتهم برب العمل، ولا مظلة قانونية تحمي حقوقهم، مما يوسع هامش الاستغلال وتتكاثر أدواته ووسائله، وعلى رأسها الخلل الكبير في ميزان العرض والطلب على اليد العاملة، مع غياب شبه تام لدور الدولة في ذلك، وكذلك النقابات التي من المفترض أن تدخل إلى هذا القطاع الكبير والهام، والذي تتعدد وتتنوع فيه ظواهر الاستغلال الجائر.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1269