غوف وكيربي وكوبر غوف وكيربي وكوبر

بريكزت المحافظين: انتصارٌ للرأسمال الكبير على الأعمال المتوسطة والكبرى

بعد العمليّة الطويلة والشاقّة، غادرت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي. إنّها اليوم خارج السوق المشتركة والاتحاد الجمركي، واتفاقية التعاون والتجارة TCA تشكّل الأساس للعلاقة الجديدة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. تداولت الكثير من وسائل الإعلام هذه العملية الطويلة بوصفها انقلاباً من حزب المحافظين على مصالح «الشركات البريطانيّة». وفقاً لهذه التغطية للأحداث: فإنّ حزب المحافظين قد سيطرت عليه زمرة من الرجعيين الخياليين الذين يسيطر عليهم الحنين لمجد الإمبراطورية البريطانية القديمة، غير القادرين على فهم احتياجات رأس المال البريطاني والعالمي المعاصر. لكنّ مثل هذا التحليل يسيء قراءة الوضع الحالي، ففي واقع الحال هناك دلائل على أنّ صفقة المحافظين الخاصة ببريكزت مصممة لنفع الشركات الكبرى.

مصالح رأس المال المتناقضة

من المهم أن ندرك بأنّ آثار بريكزت تتنوع بين مختلف مجالات رأس المال. فرأس المال الذي يتخذ من بريطانيا مقراً له، سواء المملوك بريطانياً أو أجنبياً، لديه مواقف مختلفة اليوم من الوضع، وخاصة رأس المال الدولي المستثمر في مدينة لندن.
فأولاً وقبل كلّ شيء – وربّما هو الأكثر تناقضاً – لدينا مسألة التجارة. حوالي 45% من صادرات وواردات المملكة المتحدة هي مع الاتحاد الأوروبي. الإتجار بالبضائع كان حراً من أيّة عوائق جمركية وغير جمركية، بشرط تلبية كلّ منتج لحدّ أدنى من المواصفات الأوروبيّة النوعية، وأن تكون تشريعات العمل واللوائح البيئية متطابقة، وألّا يكون الدعم المقدّم من الدولة «غير تنافسي».
إطار العمل هذا حاسم بالنسبة للإنتاج التصنيعي داخل بريطانيا. لا يمكن بسهولة تغيير أو إعادة توجيه سلاسل التوريد التي تطورت عبر عقود من هذا من التطابق. ففي حينّ أنّ اتفاقية «TCA» تتجنّب الرسوم الجمركية «في الوقت الحالي»، فالكثير من القطاعات التصنيعية الفرعية اعتمدت على التعاون مع بقيّة أوروبا في مجال البحث والإنتاج عالي التقنية، وستتأثر سلباً بسبب عدم التوافق في التشريعات بعد الآن.
لكنّ هذا السيناريو لا ينسحب بالضرورة على كامل رأس المال. منذ 2016، سعت الكثير من الشركات العابرة للوطنية إلى تعويض تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من خلال نقل الإنتاج أو الاستثمار من بريطانيا إلى مواقع قائمة أو جديدة في الاتحاد الأوروبي. ينطبق هذا بشكل خاص على صناعة المركبات. شركة إنيوس كمثال، تبني مصنعاً مستنسخاً من لاند روفر في فرنسا. العديد من المصانع المملوكة بريطانياً أعادت تركيب مصانعها خارج الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لا تعير اهتماماً لما يحدث بشأن الاتحاد الجمركي. مثال: منذ 2002 تنتج شركة دايسون بضائعها الكهربائية المنزلية في ماليزيا. هدّأت عولمة الإنتاج هذه من معارضة الرأسمال الصناعي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
من ناحية أخرى، للعديد من قطاعات الاقتصاد مصلحة كبيرة في الهروب من لوائح الاتحاد الأوروبي وتشريعاته. لنأخذ مثالاً: شركة إنيوس والتي تعمل بشكل رئيسيّ في النفط والغاز والتكسير، ومالكها جيم راتكليف المؤيّد المتحمّس لبريكزت بسبب «البيروقراطية الأوروبية والتدخل في شؤون الأعمال». أغلقت إنيوس مصنعها في مدينة ميدلزبره في عام 2019 بسبب «التكاليف المفرطة» المطلوبة لتطبيق القواعد الأوروبية الخاصة بتلويث المياه. يمكننا أن نشهد ذات نمط التفكير لدى العديد من ساحات رأس المال الخدمي العامل في بريطانيا حالياً، مثل: البيع بالتجزئة والفندقة والترفيه.
منذ حدوث استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي وحزب المحافظين يتعرّض لضغوط متناقضة. فمن جهة هناك قطاعات الزراعة والتصنيع التي تريد الإبقاء على صلات وثيقة بالاتحاد الأوروبي، ومن جهة أخرى رأس المال المالي والخدمي الذي يريد الخروج من المدار التنظيمي للاتحاد الأوروبي. حاول كلّ من ماي وجونسون حلّ هذه المعضلة عبر المطالبة باتفاق يسمح لبريطانيا بالوصول إلى الأسواق الأوروبية دون التقيّد بشروط «الفرص المتكافئة»، لكنّ الاتحاد الأوروبي تصلّب في الموافقة على هذه المطالب. بحلول خريف 2020، وفي الوقت الذي تمّ فيه إغلاق قدر كبير من القدرات التصنيعية في بريطانيا أو نقلها خارجاً، واجه من بقي ضرورة الإتجار مع الاتحاد الأوروبي وفقاً لشروط منظمة التجارة العالمية. سيؤدي هذا على المدى المتوسط والطويل إلى خسارة ثلاثة أرباع مليون وظيفة.
تمّ إجبار جونسون على وضع مصالح رأس المال الصناعي العاجلة فوق مصالح رأس مال الخدمات والنفط والإنشاءات طويلة الأجل. ولهذا يمكن أن نعتبر اتفاقية 23 كانون الثاني مع الاتحاد الأوروبي بمثابة استسلام غير مشروط من قِبل جونسون، وذلك رغم التهليل لانتصار «للسيادة» بعد عدم منح محكمة العدل الأوروبية أيّ دور في بريطانيا. ولكن وكي يتم الحفاظ على التجارة في السلع دون فرض تعريفات أو حصص نسبية، ستستمر بريطانيا بتطبيق معايير دنيا مساوية لمعايير الاتحاد الأوروبي فيما يخص سوق العمل والتنظيم البيئي، والأهم، عدم مساعدة الدولة للصناعة إلّا بشروط. سيبقى التعاون في بعض المجالات، مثل: الصناعات عالية التقنية وبرنامج «الأفق» البحثي. لم يحقق مؤيدو الخروج البريطاني في هذا الإطار أيّة زيادة في «السيادة».

تجاهل الضرائب المنخفضة

مع ذلك، فهذا لا يعني بأنّ الخروج البريطاني لم يسفر عن أيّة مكاسب لليمين المحافظ أو لرأس المال.
مكّن بريكزت رأس المال من تحقيق مكاسب هائلة فيما يخص ضرائب الشركات. تتمتع بريطانيا بمعدلات منخفضة جداً من ضرائب الشركات لدرجة وصفها بالملاذ الضريبي، كما أنّ الضرائب على الشركات في أرخبيلها في أعالي البحار هو صفر. منذ الانهيار المالي في 2008 والأزمة اللاحقة لليورو، قادت ألمانيا وفرنسا حملة لإقرار سياسة ضريبية موحدة بين دول أوروبا. فباستثناء منطقة اليورو، لا تزال مسألة معدلات الضرائب في الوقت الحالي تخص الحكومات الوطنية فقط، ومع ذلك هناك اتجاه قوي نحو السياسات الضريبية المشتركة.
ولهذا فتضييق الاتحاد الأوروبي على الملاذات الضريبية قيد التنفيذ بالفعل، وهذا يؤثر بشكل مباشر على بريطانيا والقطاع المصرفي المستمتع بهذه الملاذات. مثال: في شباط 2020 تمّ وضع جزر كايمان البريطانيّة ضمن القائمة السوداء. تجري في الوقت الحالي مناقشة الحدّ الأدنى من الضرائب المشتركة أوروبياً على الأعمال الإلكترونية، ولا سيما الشركات الأربع الكبرى التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، علماً أنّ الأمر بات قيد التطبيق في فرنسا. بالنسبة للرأسمال البريطاني، فالهدف الرئيس من بريكزت هو تجنّب أية زيادة في الضرائب المفروضة على الشركات. يتم تقاسم هذا الهدف من قبل كامل رأس المال العامل في، ومن، وعبر بريطانيا. ومن الغريب أنّ هذا الهدف غاب بشكل كلي عن التعليقات على بريكزت.
يرتبط إهمال هذه القضيّة بإخفاء مستفيد رئيسيّ آخر من بريكزت: الشركات التي تتخذ من بريطانيا مقراً لها «أي: المملوكة بريطانياً»، والتي يكون إنتاجها بالكامل خارج بريطانيا والاتحاد الأوروبي. يشمل هذا شركات صناعية كبرى، وشركات عقارية، وشركات إنشاء وهندسة كبرى تعمل في الخارج، وخاصة في الشرق الأوسط، وشركات تعدين ونفط وغاز، ومنتجين زراعيين استوائيين، مثل: شركتي Tate وLyle. تشكّل هذه الشركات مجتمعة نسبة كبيرة من رأس المال الذي يتخذ من بريطانيا مقراً. ليس لهذه الشركات أي اهتمام بالعلاقة التجارية البريطانية- الأوروبية ولا بمن يتضرر منها، فهمّهم مصلحتهم القويّة في معدلات الضرائب المنخفضة في بريطانيا.
المكسب الكبير الآخر لرأس المال، هو التشريعات المتعلقة بالتمويل وخدمات الأعمال، رغم أنّ ذلك لا يأتي دون تناقضات. وفقاً للتقارير المتاحة، فالاتحاد الأوروبي يسعى إلى الحدّ من التداول في المشتقات والأصول الأخرى عالية المخاطر من أجل منع حدوث انهيار مالي آخر. وإحدى الوسائل للوصول لذلك– رغم أنّها ليست الوحيدة، هي فرض ضريبة على المعاملات المالية «ضريبة توبين». كما يرغب الاتحاد الأوروبي أيضاً في تشريع وتنظيم وتضييق الخناق على التدفق الداخلي لأموال الحكّام الفاسدين، ومافيا رأس المال «مافيا رأس المال تشكّل لوحدها ما يقرب من 15% من رأس المال العالمي». مدينة لندن هي المركز العالمي لكلّ من تداول المشتقات وغسيل الأموال، وبالتالي لديها أسباباً ودوافع قويّة لدعم بريكزت.
بعد مواجهة حالة عدم اليقين بشأن نتائج الخروج البريطاني، قررت أكثر المؤسسات المتمركزة في لندن ألّا تعتمد على حصيلة المناقشات البرلمانية، أو أيّة صفقة تجاريّة تالية لبريكزت. منذ عام 2018 بدأت بإنشاء مراكز لعملياتها في مدن، مثل: دبلن ولوكسمبورغ وباريس وفرانكفورت وأمستردام «بالتوازي مع نقل التصنيع إلى الاتحاد الأوروبي». قدّر بأنّ أكثر من 250 شركة متمركزة في لندن قامت بإنشاء أو تعزيز مكاتبها في بلدان الاتحاد الأوروبي الـ 27 في عام 2018 وحده، بهدف إتمام عملها بحريّة في الاتحاد الأوروبي بعد بريكزت. لم يتغيّر شيء بالنسبة للرأسمال الموجود في مدينة لندن، فهي مستمرة بأساليب المخاطر المرتفعة وبغسيل أموال. في النهاية، لا يمكنك السير في طريقين في آن واحد.
إذاً، هناك مجالان مهمان تحقق فيهما بريكزت مزايا مهمة لرأس المال: التهرّب من زيادة الضرائب على الشركات، واستمرار حرية حركة رأس المال الناجم عن التمويل والجريمة. يؤثّر هذا على قطاعات متمايزة عن بعضها من رأس المال، ولكنها متداخلة بعضها ببعض. يجعل هذا من مقولة أنّ بريكزت هدفه خلق سنغافورة جديدة على نهر التايمز «مركز مالي» ضيقة الأفق، فليس المستفيد الوحيد من بريكزت صناديق التحوّط أو المؤسسات المالية، بل قطاعات أكبر وأعقد من رأس المال.

1005-5

تقوية الأعمال المحلية!

حاجج النائب عن المحافظين جون ريدوود مؤخراً بأنّ مشاكل التجارة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي تظهر فرصاً جديدة «لاستبدال الواردات». فتبعاً لريدوود، يجب على المنتجين البريطانيين أن ينظروا إلى زيادة تكاليف الواردات من الاتحاد الأوروبي بوصفها فرصة لبيع المزيد من منتجاتهم في السوق المحلية. هذه لفتة مثيرة للاهتمام من تيار «تاتشريّ» متشدد يؤيد بوضوح «التجارة الحرّة». لكن رغم كونها علامة مثيرة للاهتمام للدلالة على حدّة التغيرات التي تحدث في الخطاب السياسي، لا يجب على اليسار أن ينخدع فيجد نفسه يؤيد هذا الاتجاه. لا يجب أن ينظر إلى الصفقات التجارية ضمن أطر العبارات البسيطة «مع» أو «ضد» التجارة الحرة. يجب الحكم على الاتفاقيات بناء على النموذج الاقتصادي الذي تسعى إليه، مثل: منح الأولوية للرفاه الاجتماعي والاستدامة البيئية والاقتصاد الديمقراطي وغيرها من الاحتياجات الإنسانية.
بريكزت المحافظين لا يلبي أيّاً من هذه المعايير. إنّه محاولة معيبة لتحرير الشركات ودعمها بقوة ضمن مبدأ «المحسوبية». يُستخدم الخطاب القومي لإخفاء أنّ هذه الصفقة لن تؤدي أو تسمح بسلوك طريق تقدمي. الحديث عن التعزيز المحلي واستبدال الواردات ليس واقعياً، فالقطاع الصناعي القادر على تزويد البريطانيين بفرص عمل، ضعيف أمام التغييرات الناجمة عن الخروج من السوق المشتركة الأوروبية، وقد تحققت منافع قطاع الخدمات المالية المتمركز في لندن على حساب القطاع الصناعي.
يعني هذا بأنّ جميع الشركات الصناعية الكبرى التي نقلت إنتاجها إلى الاتحاد الأوروبي وخارج القارة مع بقاء مقراتها في بريطانيا بهدف الاستفادة من الضرائب المنخفضة، لن تعاني ولن تتأثر، بينما الشركات الصناعية الصغرى والمتوسطة فهي من تتلقى الصفعة. مثال: عنت إعادة تفعيل الإدارة الجمركية البريطانية وجوب تسجيل جميع البضائع المتبادلة ذهاباً أو إياباً مع الاتحاد الأوروبي في نظام CHIEF الإداري. إنّها منصّة معقدة تشترك فيها بعض الشركات لأوّل مرة. يتطلب النظام دفع اشتراك شهري بقيمة 157 إسترليني مقابل الحصول على تقييم للمبالغ التي يجب دفعها كرسوم، وهذه الخدمة تتم عبر البريد الإلكتروني خلال خمسة أيام عمل. علاوة على أنّ المستوردين عليهم دفع رسوم جمركية مسبقة دون إعفاء، ثم عليهم الرجوع بعد ذلك إلى النظام المعقد لاستخراج ورقة منشأ، وبعدها المطالبة باسترجاع ما دفعوه. الشركات الكبرى لن تعاني من مثل هذه المشكلة لأنّ لديها منصات مختصة من ناحية، ولأنّ فروعها الأوروبية والدولية ستسمح لها بالقفز عن هذا النظام.
الأمر الآخر يخصّ قدرة الدولة التدخلية التي يحاول المحافظون التسويق لتحقيقها. لكن إذا أغفلنا أنّ النظام الذي يبنيه المحافظون يفضّل الشركات وليس الشعب في موضوع تقديم المساعدات الحكومية، وأنّه يفضّل الشركات الكبرى على الصغرى والمتوسطة بسبب شروط الائتمان والتشغيل، يبقى لدينا أنّ اتفاق المحافظين مع أوروبا ينصّ على أنّ البضائع البريطانية التي لا تخضع للرسوم الجمركية الأوروبية هي التي توافق تشريعات «المنافسة الحرة» الأوروبية، والتي تمنع التدخل لدعم الشركات الوطنية ضمن حدود معينة.
قطّاع الطعام البحري البريطاني مثالٌ آخر، فبعد عدم قدرة المحافظين على حمل الاتحاد الأوروبي على القبول بصادرات القطاع السمكي دون الالتزام بتشريعات الاتحاد، كان واضحاً بأنّ هذا القطاع المعتمد بشدّة على البيع للأسواق الفرنسية والإسبانية لم يعد قابلاً للحياة. اضطرّ هذا الحكومة لتخصيص مبلغ 23 مليون جنيه إسترليني نقداً لدعمه، الأمر الذي يضع مخاطر مستقبلية على كامل القطاع، بما فيه من عمالة وملحقاتها.

بتصرّف: Where now on Brexit?
How business benefits from Brexit

معلومات إضافية

العدد رقم:
1005
آخر تعديل على الثلاثاء, 16 شباط/فبراير 2021 13:40
(0 أصوات)
No Internet Connection