كيف تحول الإضراب إلى تنظيم؟

كيف تحول الإضراب إلى تنظيم؟

ليست أهمية البيان الأخير الصادر عن لجنة المتابعة في معمل زنوبيا أنه أعلن ما نُفذ من الاتفاق وما لم يُنفذ فقط، بل لأنه، أولاً: أكد من جديد على دور لجنة المتابعة، وبأنها ما زالت قائمة من حيث الهيكل والدور، وهي تجتمع بشكل دوري، وتصدر بياناً عن كل اجتماع، موجهاً للعمال الذين يمثلونهم بشكل مباشر. ثانياً: البيان أكد أيضاً أن الإضراب لم يكن نهاية المطاف، وإنما بداية مرحلة جديدة، عنوانها تنظيم العمال لأنفسهم ومتابعة حقوقهم بصورة جماعية.

في كثير من الأحيان، تنتهي الإضرابات بانتهاء التفاوض، ويعود كل طرف إلى موقعه السابق، لكن ما يجري في زنوبيا يختلف. فالاتفاق الذي أُبرم برعاية وضمانة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لم يُترك ليواجه مصيره، بل تشكلت لجنة متابعة تراقب التنفيذ، وتبلغ العمال أولاً بأول بما تحقق وما لم يتحقق، وتقترح خطوات عملية لاستكمال تنفيذ البنود المتبقية.

والأهم من ذلك، أن اللجنة لم تحصر اهتمامها بالأجور والتعويضات، على أهميتهما، بل وضعت في صدارة أولوياتها شروط السلامة المهنية، وتأمين الخدمات الصحية داخل المعمل، وهي حقوق لا تقل أهمية عن الأجر، لأنها تمس حياة العامل وكرامته بشكل مباشر.

أما ما جاء بالبيان بما يخص للتنظيم النقابي، فهو يُعتبر الخطوة الأكثر دلالة، فالدعوة إلى انتساب العمال للنقابة، والعمل على تثبيت اللجان النقابية داخل الشركة، خطوة بالغة الأهمية وفي الاتجاه الصحيح، بغض النظر عن الوضع الحالي للمنظمة النقابية غير الجيد من ناحية الوزن والدور والاستقلالية، إلا أن ذلك بالحد الأدنى سينعش العمل النقابي، ويقوي موقف العمال في آن معاً. فالتجارب العمالية، في سورية كما في غيرها، تؤكد أن الحقوق التي تُنتزع بالنضال الجماعي تحتاج دائماً إلى تنظيم يحميها ويمنع الالتفاف عليها. فاللجنة قد تنجح في متابعة تنفيذ اتفاق محدد، أما التنظيم النقابي فيمنح العمال إطاراً دائماً للدفاع عن مصالحهم.

ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من تجربة زنوبيا، هو أن قوة العمال لا تكمن في الإضراب بحد ذاته، بل في قدرتهم على التنظيم، ووحدة صفوفهم، واستمرارهم في المتابعة بعد انتهاء الاحتجاج. فالإضراب لحظة، أما التنظيم فهو عملية مستمرة.

إن الحركة العمالية السورية بحاجة اليوم إلى مثل هذه التجارب، ليس لأنها تحقق مطالب آنية فحسب، بل لأنها تُعيد الاعتبار لفكرة العمل الجماعي المنظم، بوصفه الوسيلة الأكثر قدرة على حماية الحقوق وانتزاعها. فحين يتحول الإضراب إلى تنظيم، يتحول الإنجاز من مكسب مؤقت إلى خطوة على طريق بناء قوة عمالية أكثر حضوراً وتأثيراً.

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1286