العمالة الماهرة في سورية.. هل هي نادرة حقاً؟ ولماذا لا ترتفع أجورها؟
هاشم اليعقوبي هاشم اليعقوبي

العمالة الماهرة في سورية.. هل هي نادرة حقاً؟ ولماذا لا ترتفع أجورها؟

تكاد لا تخلو جلسة تجمع لصناعيين أو أصحاب ورشات ومهن حرفية من الشكوى ذاتها: «لا نجد عمالاً مهرة». وتكاد هذه العبارة تتحول شيئاً فشيئاً إلى واحدة من أكثر العبارات تداولاً في سوق العمل السوري خلال السنوات الأخيرة، سواء في قطاع الصناعات الغذائية أو النسيجية أو الهندسية، أو في ورشات البناء والنجارة والحدادة والكهرباء والتمديدات الصحية وغيرها.

لكن خلف هذه الشكوى يبرز سؤالان لا يقلان أهمية:
هل العمالة الماهرة نادرة فعلاً في سورية؟ وإذا كانت نادرة إلى هذا الحد، فلماذا لا ترتفع أجورها بالشكل الذي يفترضه منطق السوق؟
في الظروف الطبيعية، تؤدي ندرة أي سلعة أو خدمة إلى ارتفاع قيمتها. وحين يقل عدد العمال المهرة يفترض أن يتنافس أصحاب العمل على استقطابهم من خلال تحسين الأجور وشروط العمل. إلا أن الواقع السوري يبدو أكثر تعقيداً من هذه المعادلة البسيطة، ما يستدعي النظر إلى المسألة من زاوية أوسع من مجرد العرض والطلب.


أين ذهبت العمالة الماهرة؟


لا يمكن إنكار أن سورية فقدت خلال السنوات الطويلة الماضية جزءاً مهماً من كوادرها المهنية والفنية. فالهجرة لم تشمل أصحاب الشهادات الجامعية فقط، بل طالت أيضاً فئات واسعة من العمال المهرة والحرفيين والفنيين الذين اكتسبوا خبراتهم عبر سنوات طويلة من العمل، فكثير من فنيي الكهرباء والميكانيك والخراطة واللحام والنجارة والصيانة وجدوا في أسواق العمل الخارجية فرصاً أفضل من حيث الأجر والاستقرار المعيشي. وبعضهم انتقل إلى دول الجوار، فيما توجه آخرون إلى أسواق أبعد بحثاً عن ظروف أكثر ملاءمة، لكن الهجرة وحدها لا تفسر الظاهرة بالكامل. فجزء مهم من العمالة الماهرة ما يزال داخل البلاد، إلا أنه لم يعد يعمل في المهن التي اكتسب خبرته فيها. فهناك من ترك المهنة واتجه إلى التجارة أو العمل الحر، وهناك من انتقل إلى أنشطة أخرى تحقق دخلاً أعلى أو أكثر استقراراً، حتى وإن كانت أقل ارتباطاً بتخصصه الأصلي، وبمعنى آخر، فإن المشكلة لا تكمن دائماً في اختفاء العامل الماهر، بل في خروجه من موقعه الإنتاجي التقليدي، نتيجة تراجع الجدوى الاقتصادية للاستمرار فيه.


هل العمالة الماهرة نادرة فعلاً؟


إذا كان المقصود بالندرة غياب الأشخاص القادرين على أداء العمل، فإن الواقع لا يشير بالضرورة إلى ذلك. أما إذا كان المقصود نقص العمال المهرة المستعدين للعمل بالأجور السائدة حالياً، فإن الصورة تختلف كثيراً.
فالعامل الماهر اليوم لا يقارن فقط بين فرصة عمل وأخرى، بل يقارن بين قيمة مهارته وبين العائد الذي يحصل عليه مقابلها. وعندما تصبح المهنة التي احتاج تعلمها وإتقانها سنوات طويلة غير قادرة على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، يصبح البحث عن بدائل أمراً منطقياً.
لذلك يمكن القول: إن ما تعانيه السوق السورية ليس نقصاً مطلقاً في العمالة الماهرة بقدر ما هو نقص في العمالة الماهرة الراغبة بالبقاء في ظروف العمل والأجور الحالية، وهذه نقطة جوهرية غالباً ما تغيب عن النقاش.


المفارقة الأكثر أهمية:لماذا لا ترتفع الأجور؟


إذا كانت اليد العاملة الماهرة نادرة، فلماذا لا ترتفع أجورها؟ الجواب التقليدي الذي يطرحه كثير من أصحاب العمل، يتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف القدرة على تحمل زيادات إضافية في الأجور. ولا شك أن جزءاً من هذا الكلام صحيح، خاصة في ظل ما تعانيه قطاعات واسعة من الصناعة السورية من ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتمويل والمواد الأولية، إضافة إلى حالة الركود وضعف الطلب في الأسواق، فالكثير من المنشآت تعمل اليوم في ظروف صعبة، وبعضها يكافح للحفاظ على استمراريته أساساً. وبالتالي، فإن قدرتها على زيادة الأجور تبقى محدودة مقارنة بما كانت عليه في فترات سابقة، لكن هذا ليس سوى جزء من الصورة.
والجزء الآخر يتعلق بطريقة توزيع القيمة الناتجة عن العملية الإنتاجية نفسها. إذ لا يمكن التعامل مع كل المنشآت باعتبارها في الوضع ذاته، كما لا يمكن اعتبار أي تراجع في الأرباح خسارة بالمعنى الاقتصادي.
وفي حالات كثيرة، لا يكون الخلاف الحقيقي حول قدرة المنشأة على دفع أجور أعلى، بل حول حجم الأرباح التي يرغب أصحاب العمل بالحفاظ عليها. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل المطلوب حماية الأرباح مهما كان الثمن، أم تحقيق توازن أكثر عدالة بين عوائد رأس المال وعوائد العمل؟
فالعمال المهرة لا يطالبون بأجور استثنائية، بل بأجور تسمح لهم بالعيش الكريم وتتناسب مع قيمة المهارات والخبرات التي يمتلكونها.


أزمة تعليم أم أزمة اقتصاد؟


يُطرح التعليم المهني عادة كأحد أسباب المشكلة، وهو طرح يحمل جانباً من الصحة، فخلال العقدين السابقين تراجع الاهتمام بالتعليم المهني والتقني، كما تراجعت قدرة هذا القطاع على رفد سوق العمل بما تحتاجه من كوادر فنية مؤهلة. وأصبح كثير من الشباب ينظرون إلى التعليم المهني باعتباره خياراً ثانوياً مقارنة بالتعليم الجامعي، رغم أن أسواق العمل الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على المهارات التقنية والمهنية، لكن حتى لو نجحنا في تخريج آلاف الفنيين الجدد، فهل سيبقون في هذه المهن؟ هنا تكمن المعضلة الحقيقية
فالتعليم المهني يستطيع إنتاج المهارات، لكنه لا يستطيع الاحتفاظ بها أما الاحتفاظ بها فيرتبط بوجود اقتصاد قادر على مكافأتها وتوفير بيئة عمل مستقرة ومحفزة لها ولهذا فإن أزمة العمالة الماهرة ليست أزمة تعليم فقط، بل أزمة اقتصادية وإنتاجية بالدرجة الأولى.


علاقة الإنتاج بالمهارة


لا يمكن فصل واقع العمالة الماهرة عن واقع الاقتصاد الإنتاجي ككل، فالاقتصاد الذي تتراجع فيه الصناعة والزراعة والحرف المنظمة، يفقد تدريجياً قدرته على إنتاج المهارات وإعادة إنتاجها، والعامل الماهر لا يولد من فراغ، بل يتشكل داخل منشآت إنتاجية حقيقية، ويتطور عبر سنوات من التدريب والخبرة والتراكم المهني، وعندما تتراجع هذه البيئة الإنتاجية، تصبح عملية إنتاج المهارات أكثر صعوبة، كما يصبح الاحتفاظ بالخبرات الموجودة أكثر تعقيداً، ومن هنا فإن مشكلة العمالة الماهرة ليست مشكلة تخص أصحاب العمل وحدهم، ولا العمال وحدهم، بل تمس الاقتصاد الوطني بأكمله. لأن أي مشروع لإعادة تنشيط الإنتاج الصناعي أو الزراعي أو الخدمي يحتاج قبل كل شيء إلى قوة عمل مدربة ومؤهلة.


أزمةٌ أعمق من سوق العمل!


في جوهرها، لا تعكس ندرة العمالة الماهرة وانخفاض أجورها خللاً في سوق العمل فقط، بل تعكس خللاً أعمق في النموذج الاقتصادي نفسه، فحين يصبح العامل الماهر غير قادر على العيش من مهنته، وحين تتحول الخبرة الطويلة إلى ميزة لا تجد انعكاسها في الأجر، وحين يصبح ترك المهنة أو الهجرة منها خياراً أكثر جدوى من الاستمرار فيها، فإن المشكلة لا تكون في العامل، ولا في المهنة، بل في البيئة الاقتصادية التي لم تعد تكافئ الإنتاج والمهارة كما ينبغي.
ولهذا فإن معالجة أزمة العمالة الماهرة لا تبدأ فقط بتوسيع التعليم المهني، أو المطالبة ببقاء العمال داخل البلاد، بل بإعادة الاعتبار للعمل المنتج نفسه، ورفع قيمة الأجور، وتحسين شروط العمل، وربط التنمية الاقتصادية بمصالح القوى المنتجة التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد وطني حقيقي، فالعمالة الماهرة المحلية ليست مورداً ينضب من تلقاء نفسه، لكنها تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالبقاء والتطور. وعندما تغيب هذه البيئة، تصبح الهجرة، أو تغيير المهنة، أو الخروج من الإنتاج، نتيجة طبيعية لا استثناء. وربما يكون هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم:
كيف نُعيد جعل المهارة خياراً مجدياً لأصحابها، لا عبئاً يدفعهم للبحث عن مستقبلهم في مكان آخر؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1287