قطاع الدواجن يواصل مراكمة الأزمات... هل من حلول خارج دائرة التخبط؟
فرح شرف فرح شرف

قطاع الدواجن يواصل مراكمة الأزمات... هل من حلول خارج دائرة التخبط؟

يواصل قطاع الدواجن التخبط بين قرارات سياسية متضاربة، وأزمات إنتاجية، والدوران في حلقة مفرغة تتيح لقلة من حيتان السوق التحكم بملف الاستيراد، والضغط لجني أرباح سريعة.

وبينما يُفترض أن يكون هذا القطاع رافعة تصديرية واعدة، تحول إلى ساحة لتجربة السياسات الارتجالية، التي تارة تفتح أبواب الاستيراد، وتارة تغلقها، تاركة المنتج المحلي في حالة من العجز عن التخطيط طويل الأمد، ومهددة وجود آلاف الأسر العاملة فيه بالخروج النهائي من السوق.


عام يترنح وخاص يتخبط


يكشف النظر إلى القطاع عن غياب تام للتكامل بين القطاعين العام والخاص؛ فالقطاع العام الذي يُفترض به أن يؤدي دوراً تعويضياً وداعماً يضمن استقرار السوق، لا زال يعاني من ضعف في الكفاءة الإنتاجية وغياب للبيانات، علماً أنه كان يغطي ما بين 30 إلى 40% من الاحتياج المحلي قبل عام 2011.
أما القطاع الخاص، فيعمل في بيئة غير مستقرة، تتسم بارتفاع مهول في تكاليف الإنتاج، ويعيش حالة من التشرذم، ولا سيما أن التقديرات تشير إلى أن 40-50% من المربين يعملون بعيداً عن الرقابة التنظيمية، كما أن أكثر من نصفهم يمتلك طاقة إنتاجية أقل من 10 آلاف طير، ما يجعل الإنتاج ضعيفاً أمام تقلبات السوق.


الاستيراد


عند فتح الاستيراد يجد المربون أنفسهم في مواجهة منتج مجمد بسعر إغراق، ما يدفعهم إلى إيقاف دورات الإنتاج، أو بيع الإنتاج بأسعار خاسرة، فيما يستفيد من هذه السياسة حصراً كبار المستوردين والتجار الذين يسيطرون على مفاصل السوق.
وعند إغلاقه يرتفع السعر المحلي، خاصة وأن البنية التحتية المحلية غير جاهزة لتعويض النقص، فتتحول أزمة الاستيراد إلى أزمة تضخم تطال المستهلك مباشرة.
وهنا تكمن المسألة؛ إذ كيف يمكن لمنتج محلي – يعاني من ارتفاع مهول في تكاليف الإنتاج – التخطيط لإنتاج عام كامل أو دورة إنتاجية وهو لا يعرف ما إذا كان قرار الغد سيغرق سوقه ببضائع مستوردة؟


مدخلات الإنتاج


رغم اعتماد النشرة التأشيرية الأسبوعية في 18 حزيران، والتي حددت سعر الطن عند 2000 دولار، قفز سعر الفروج الريش خلال الأيام الماضية إلى 2300 دولار نتيجة موجات حر قاسية ونقص المعروض مع تصاعد الطلب.
ورغم تحذير مديرية حماية المستهلك المسالخ والمطاعم بضرورة التقيد بالنشرة تحت طائلة المسؤولية، إلا أن السوق وضوحاً يخضع بالكامل لآلية العرض والطلب، مع عجز الجهات الرقابية عن فرض قراراتها.
ما دفع مجدداً بمطالبات بإعادة فتح باب الاستيراد. وعوضاً عن تحديد نشرة أسعار لا تواكب الارتفاع اليومي في مدخلات الإنتاج إلّا لحظياً، ألا يصبح دعم المدخلات أكثر فاعلية واستدامة؟!
فتخفيض كلف العلف والطاقة والأدوية ستؤدي حتماً إلى انخفاض سعر المنتج النهائي في السوق بشكل طبيعي ومستدام. وهذا الدعم سيعزز قدرة المنتج المحلي، ويحفّز المربين، وينهي الاعتماد أو اللجوء إلى الاستيراد، ويضمن استدامة الإنتاج من دون المساس بجيب المواطن.


من التشتت إلى التكامل


ولتجاوز نطاق سياسات «رد الفعل»، لا بد من الانتقال إلى نموذج يراعي سلسلة الإنتاج المتكاملة. ولا يعني هذا مجرد بناء مدجنة هنا أو مزرعة هناك، بقدر ما يعني ربط جميع حلقات الإنتاج في نظام موحد يبدأ من المدخلات الأساسية وحتى التوزيع النهائي عبر الآتي...
- حلقة الأعلاف، وهي أكبر تحدٍّ، بما أنها تمثل ما نسبته 80% من إجمالي التكلفة. فالاعتماد على استيراد الذرة الصفراء وكسبة الصويا بأسعار متقلبة يجعل القطاع رهينة للأسواق العالمية، والأجدى هو التعاقد الزراعي طويل الأمد مع الفلاحين، وإنشاء مصانع علف محلية قادرة على توفير الاحتياجات بثبات.
- الصحة الحيوانية؛ عبر توفير الأدوية البيطرية واللقاحات في الوقت المناسب، وتطوير أنظمة التدفئة والتهوية التي تقلل النفوق وتحسن المؤشرات الإنتاجية.
- ولا يمكن تجاهل دور حلقات ما بعد الإنتاج، فالمسالخ الحديثة، والتبريد، والنقل، ومراكز الفرز، تحمي جودة المنتج وتقلل الفاقد.
- تحويل القطاع من نقطة ضعف إلى قوة تصديرية.


العمود الفقري الغائب


ولأن المربي الفرد لا يملك قدرة تفاوضية تُذكر في مواجهة موردي الأعلاف أو شركات الأدوية، كما أنه أعزل أمام قرارات الاستيراد الكبيرة، يأتي دور التعاونيات كركيزة أساسية لإنقاذ المربين، بالأخص الصغار منهم.
بحيث تصبح التعاونيات صوتاً جماعياً قادراً على التفاوض لتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مخفّضة وبكميات تضمن استمرارية العملية الإنتاجية؛ وإدارة صندوق تأمين مشتركة تحمي المربين من خسائر النفوق؛ والدفاع عن مصالح المربين عبر المشاركة الفعلية في قرارات كالاستيراد وغيره.
بحيث ينتقل المربي من حالة الترقب إلى حالة التخطيط الإنتاجي، والتوقف عن الخروج من السوق مع كل «خضة».


الفاتورة الاجتماعية


لا يمكن بأي حال فصل هذا الملف عن أبعاده الاجتماعية؛ فقطاع الدواجن أكبر من أرقام في «نشرات تأشيرية»، ويجب النظر إليه باعتباره سلسلة تشغيلية تمتد من المزرعة إلى المائدة، وتوفر فرص عمل لآلاف السوريين.
وكل هزة في هذا القطاع تعني بشكل مباشر ارتفاعاً في البطالة، وتهديداً للأمن الغذائي للفئات الأكثر فقراً.
فاستمرار النهج الحالي يعني استمرار معاناة المربين، وارتفاع الأسعار على المستهلكين، ومزيد من التبعية وانهيار الإنتاج المحلي لصالح الاحتكار، وبالمحصلة ضياع فرصة حقيقية لتعزيز الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1289