لجنة متابعة عمال زنوبيا تُصدر بيانها وتُعلن حضورها
على مبدأ "لا يموت حق وراه مطالب" أصدرت لجنة المتابعة الخاصة بعمال شركة زنوبيا في الخامس عشر من الشهر الجاري بياناً موجهاً إلى عمال الشركة، استعرضت فيه نتائج اجتماعها الدوري الرابع، الذي يأتي ضمن الآلية التي أقرتها اللجنة عقب انتهاء الإضراب العمالي، والتوصل إلى اتفاق مع صاحب العمل برعاية وضمانة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، علماً أن لجنة المتابعة تضم مجموعة من عمال زنوبيا اختارهم العمال ومنحوهم الثقة التفويض، وهي بذلك الابن الشرعي للإضرابات السابقة وامتداد لها.
وأوضح البيان، أن عدداً من بنود الاتفاق قد نُفذ بالفعل، وفي مقدمتها الزيادة على الرواتب، وصرف التعويض المتفق عليه، في حين ما تزال بنود أخرى بانتظار التنفيذ، تشمل وضع سيارة الإسعاف في الخدمة، وتفريغ طبيب للعمل داخل المعمل، واستكمال تجهيزات الوقاية والسلامة المهنية. كما اقترحت اللجنة مخاطبة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بعد انقضاء الشهر الأول من الاتفاق، لإحاطتها علماً بما لم يُنفذ، إضافة إلى التنسيق مع النقابات المختصة لتسهيل انتساب العمال، وتثبيت اللجان النقابية داخل الشركة.
قد يبدو البيان للوهلة الأولى مجرد تقرير دوري عن تنفيذ بنود اتفاق، لكنه في الواقع يكشف عن تطور بالغ الأهمية في مسار الحراك العمالي. ففي العادة تنتهي الإضرابات بمجرد توقيع الاتفاق، ويعود كل طرف إلى موقعه بانتظار جولة جديدة من الخلافات. أما في زنوبيا، فقد انتهى الإضراب، وعاد العمال إلى خطوط الإنتاج، لكن العمل الجماعي لم يتوقف، بل انتقل إلى مرحلة أكثر أهمية، هي مرحلة متابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
تكامل البيان ورسائله الواضحة
إن تشكيل لجنة متابعة بعد انتهاء الإضراب ليس إجراءً تنظيمياً فحسب، بل هو اعتراف عملي بأن الحقوق لا تُصان بالتوقيع وحده، وإنما بالرقابة والمتابعة واستمرار التنظيم. فالعديد من الاتفاقات العمالية تعثرت، أو فقدت قيمتها، لأن أحداً لم يتابع تنفيذها، أو لأن العمال عادوا أفراداً بعد أن كانوا قوة جماعية موحدة. أما لجنة المتابعة، فهي تحافظ على هذه الوحدة، وتحول الاتفاق من وثيقة مكتوبة إلى التزام قابل للمساءلة.
وتبرز أهمية البيان أيضاً في أنه لم يحصر اهتمامه بالأجور، رغم أنها كانت الشرارة الأولى للحراك، بل أولى اهتماماً واضحاً بالصحة والسلامة المهنية، وهي حقوق لا تقل أهمية عن الأجر، لأنها تتعلق بحياة العامل وبيئة عمله. وهذا يعكس فهماً متقدماً لمعنى الحقوق العمالية، بوصفها منظومة متكاملة لا تقتصر على الراتب وحده، وهذا لا يعني بأن الزيادة التي أقرها الاتفاق كافية ومرضية، فما زال الأجر الذي يتقاضاه العمال لا يغطي ربع تكاليف المعيشة للعائلة العمالية الواحدة.
وكان من اللافت إدراج مسألة الانتساب النقابي، وتثبيت اللجان النقابية ضمن أولويات المرحلة المقبلة. وهذه ليست إضافة شكلية، بل تمثل الانتقال من رد الفعل إلى بناء أدوات دائمة للدفاع عن الحقوق. فالإضراب وسيلة نضالية، لكنه بطبيعته مؤقت، أما التنظيم النقابي فهو الإطار الذي يضمن استمرار الدفاع عن مصالح العمال، سواء في أوقات الخلاف أو الاستقرار، وتشهد المعامل نشاطاً متصاعداً في هذا الاتجاه.
من فعلٍ احتجاجي إلى فعل تنظيمي
إن تجربة زنوبيا تقدم درساً مهماً للحركة العمالية السورية. فالمكسب الحقيقي لم يكن في زيادة الأجور وحدها، ولا في توقيع اتفاق برعاية حكومية، وإنما في نجاح العمال في الحفاظ على تنظيمهم بعد انتهاء الإضراب، وتحويله إلى أداة لمراقبة التنفيذ، والدفاع عن المكتسبات، والاستعداد لما هو أبعد من الاتفاق نفسه.
فالحقوق العمالية لا تحميها النوايا الحسنة، ولا قوة النصوص وحدها، وإنما يحميها تنظيم العمال، ووحدتهم، واستمرارهم في ممارسة دورهم الجماعي. ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي حملها بيان لجنة متابعة عمال زنوبيا، وهي رسالة تستحق أن تتحول إلى ثقافة عمل في كل موقع إنتاجي يشهد حراكاً عمالياً في المستقبل.
ان درجة اهتمامنا ومتابعتنا لأي تطور هناك، موضوعي وضروري في الوقت عينه، لأنه يمثل تطوراً نوعياً في الحركة العمالية السورية، حيث بدأت بوادر نجاح انتقال الإضراب من فعل احتجاجي إلى فعل تنظيمي تظهر تباعاً. فلم تعد اللجنة تكتفي بالمطالبة، بل أصبحت تراقب التنفيذ، وتصدر تقارير للعمال، وتحدد ما نُفذ وما لم يُنفذ، متسلحة بشرعيتها العمالية ووعيها الكبير والنفس الاستراتيجي الطويل.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286
إلياس زيتون