بصراحة اقتصاد الظل يبتلع سوق العمل وحقوق العمال

بصراحة اقتصاد الظل يبتلع سوق العمل وحقوق العمال

اقتصاد الظل ليس خياراً للعمال ولا مسؤوليتهم، بل هو وجه من وجوه النموذج الاقتصادي السائد. فالعامل لا يبحث عن عمل بلا عقد، ولا عن أجر بلا تأمينات اجتماعية، ولا عن وظيفة يمكن أن يفقدها في نهاية كل يوم. ما يبحث عنه هو الاستقرار، لأن الأمن الوظيفي ليس امتيازاً، بل أحد أهم أركان الأمن الاجتماعي.
تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن أكثر من 60% من العمال في العالم يعملون في الاقتصاد غير المنظم، حيث تغيب الحماية القانونية والاجتماعية. أما في سورية، فقد اتسعت هذه الظاهرة بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع النشاط الإنتاجي، وتقلص فرص العمل النظامية، وتراجع قدرة القطاعين العام والخاص على استيعاب اليد العاملة. وهكذا وجد آلاف العمال أنفسهم خارج سوق العمل المنظم، لا لأنهم أرادوا ذلك، بل هروباً من البطالة.
وغالباً ما يُنظر إلى اقتصاد الظل باعتباره مشكلة عمالية، بينما هو في الحقيقة مشكلة اقتصادية وطنية. فكل عامل يعمل خارج المظلة القانونية يعني حقوقاً عمالية مهدورة، وتأمينات اجتماعية غير محصَّلة، وإيرادات ضريبية مفقودة، ومنافسة غير متكافئة بين المنشآت. وكلما اتسعت هذه الدائرة، تراجعت قدرة الدولة على تنظيم سوق العمل، وازدادت هشاشة الاقتصاد المنتِج.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن بقاء هذا النمط من التشغيل يخدم مصالح جزء من أصحاب رؤوس الأموال، لأنه يتيح تخفيض كلفة العمل عبر التهرب من التأمينات الاجتماعية والالتزامات القانونية، ويمنح حرية أكبر في الاستغناء عن العمال أو الضغط على أجورهم. لذلك فإن اتساع اقتصاد الظل ليس مجرد نتيجة للأزمة، بل أصبح أيضاً أحد أدوات تعميقها وإعادة إنتاجها.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تبدأ بملاحقة العمال، فهم أول ضحاياها، بل بإعادة الاعتبار للاقتصاد الإنتاجي الحقيقي، وإيجاد فرص عمل مستقرة، وإصلاح التشريعات الناظمة لسوق العمل، وتطبيقها على الجميع دون استثناء. فكل عامل ينتقل من اقتصاد الظل إلى الاقتصاد المنظم لا يستعيد حقه في عقد عمل وتأمين اجتماعي فحسب، بل يساهم أيضاً في توسيع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز موارد الدولة، وترسيخ المنافسة العادلة.
إن اقتصاد الظل لا يبتلع سوق العمل وحده، بل يبتلع معه جزءاً من الاقتصاد الوطني نفسه. لذلك فإن الحد من توسعه لا يكون بإجراءات جزئية، وإنما بتغيير النهج الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من العمال إلى الهامش، بدلاً من أن يضعهم في قلب عملية الإنتاج. فحين يصبح الإنتاج الحقيقي، ومصلحة الطبقة العاملة، أساساً للسياسات الاقتصادية، يصبح اقتصاد الظل استثناءً يتراجع، لا قاعدة تتوسع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285