عمال المياومة.. رجال في الظل
إلياس زيتون إلياس زيتون

عمال المياومة.. رجال في الظل

لم يعد مشهد تجمعات عمال المياومة في ساحات دمشق وأطرافها استثناءً أو ظاهرة موسمية، بل أصبح جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي للمدينة. عشرات العمال، بل مئات في بعض المواقع، بين مراهق وبالغ وشيخ، ينتظرون منذ ساعات الصباح الأولى وصول مهندس أو متعهد أو حتى أحد الأهالي ممن يحتاج إلى يد عاملة ليوم واحد، أو ربما لساعات قليلة. ينتظرون فرصة عمل قد تأتي وقد لا تأتي، فيما يبقى الأجر اليومي هو الفاصل بين القدرة على شراء الطعام وبين العودة خالي الوفاض.

هذه الفئة ليست كتلة اجتماعية واحدة. فإلى جانب من امتهنوا هذا النوع من العمل منذ سنوات طويلة، انضم خلال العامين الأخيرين آلاف العمال الجدد: بعضهم قدم من وظائف حكومية بعد إنهاء عقودهم أو تسريحهم ولا يملكون مهنة أو حرفة يعملون بها، وآخرون عادوا من لبنان نتيجة الحرب الجارية وكانوا مستقرين هناك لمدة من الزمن ليست بقليلة، وغيرهم عاد من تركيا أو مصر، وآخرين غادروا أرياف المحافظات بحثاً عن أي فرصة عمل.
وفي ظل الانكماش الذي أصاب النشاط الإنتاجي والتجاري في معظم البلاد، والمطَّرد مع ارتفاع كلف المعيشة المتسارع، بقيت دمشق، رغم أزماتها، الوجهة الأكثر احتمالاً للحصول على عمل، ولو كان مؤقتاً.
يعمل هؤلاء في كل ما يطلب منهم تقريباً؛ رفع الردم، والعتالة، ومساعدة ورشات البناء والديكور، وأعمال الكهرباء والتمديدات الصحية، وجلي البلاط، وصيانة الحدائق والمزارع، ونقل الأثاث، وغيرها من الأعمال التي تحتاج إلى جهد عضلي أكثر مما تحتاج إلى مهارة متخصصة. كما يعتمد عليهم المتعهدون والمهندسون لتأمين العمالة المساندة للمشروعات الصغيرة، بينما يلجأ إليهم الأهالي عند الحاجة إلى أعمال النقل والخدمات المختلفة.


تقشّف وإهمال من أجل العائلة


أما الأجور فتتراوح بين خمسين ألفاً ومئتي ألف ليرة يومياً، بحسب طبيعة العمل ومدته، ولساعات لا تقل غالباً عن سبع ساعات. وهي أجور قد تبدو متفاوتة ظاهرياً، لكنها في جميع الأحوال تبقى عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة في ظل مستويات الأسعار الحالية، خصوصاً أن العامل لا يضمن عملاً يومياً، بل قد تمر أيام كاملة دون أن يجد فرصة واحدة.
ولا تقل ظروف السكن قسوة عن ظروف العمل. فالكثير منهم يقطنون في غرف جماعية ضمن الأحياء العشوائية أو القرى الفقيرة المحيطة بدمشق، حيث يتشارك عشرة عمال أو أكثر في غرفة أو غرفتين لتخفيض كلفة الإيجار. أما من يملك صلة اجتماعية أو قريباً ما في العاصمة أو ريفها فيعتبر نفسه أوفر حظاً، إذ يتجنب استنزاف جزء كبير من دخله المحدود في السكن.
ويعكس الواقع الصحي لهؤلاء صورة أكثر قسوة. سوء التغذية، والإجهاد الجسدي، وغياب أي تأمين صحي أو ضمان اجتماعي، جميعها تجعلهم من أكثر الفئات هشاشة. فهم يقتصدون في الطعام واللباس والعلاج إلى أقصى الحدود، لأن الأولوية بالنسبة لمعظمهم ليست تحسين ظروفهم الشخصية، بل ادخار ما أمكن من المال لإرساله إلى أسرهم في المحافظات أو حمله معهم عند العودة. فغاية الكثيرين لا تتجاوز توفير مئة دولار أو مئتين بعد أشهر من العمل الشاق، علّها تسد جزءاً من احتياجات عائلاتهم.


العرض والطلب يزيد البؤس بؤساً


ومع تزايد أعداد الباحثين عن العمل، ازدادت المنافسة بينهم وانخفضت قدرتهم على التفاوض على أجورهم، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام أشكال مختلفة من الاستغلال. فلا عقود عمل، ولا جهة تضمن الحقوق، ولا نقابات حاضرة لتنظيم هذا النمط من العمالة أو الدفاع عن أصحابها. كما اضطر جزء منهم، في الأيام التي لا يجد فيها عملاً، إلى البحث عن مصدر دخل آخر في جمع وفرز الخردة، باعتبارها الملاذ الأخير للحصول على بضعة آلاف من الليرات. ورغم غياب الإحصاءات، فإن بعض التقارير تشير إلى أن إصابات العمل أكثر ما تصيب هذا النوع من العمالة، لغياب أي أنواع من الصحة والسلامة المهنية.
إنَّ اتساع ظاهرة عمال المياومة ليس مجرد انعكاس للفقر، بل هو مؤشر على التحولات التي أصابت سوق العمل السوري خلال السنوات الأخيرة. فجزء كبير من هؤلاء خرج من القطاع العام بعد توقف منشآت أو إنهاء عقود، وجزء آخر جاء من القطاع الخاص الذي فقدت أجوره قيمتها الفعلية، بينما دفعت الحروب والهجرة والركود الاقتصادي بآلاف آخرين إلى سوق عمل غير منظم، يعيش بالكامل تقريباً في اقتصاد الظل.
إنها قوة عمل حقيقية، وهي وإن كانت ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، إلا أنها تعمل خارج أي حماية قانونية أو اجتماعية، وتتحمل كغيرها كلفة السياسات الاقتصادية الجارية، وإن كانت بنسبة أعلى وأشد. لذلك لم يعد تنظيم هذا القطاع، وإخضاعه لقواعد تضمن الحد الأدنى من الأجور والحماية الاجتماعية والتأمينات، قضية تخص العمال وحدهم، بل أصبحت جزءاً من أي سياسة جادة لإعادة تنظيم سوق العمل والحد من اتساع اقتصاد الظل الذي يبتلع يوماً بعد آخر مزيداً من اليد العاملة السورية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285