بصراحة معيار الأجر العادل... ونسبته من الأرباح
في عام 2015 قام 23 عاملاً- في أحد معامل الجوارب القطنية في مجمع الزبلطاني- بالدخول إلى مكتب صاحب العمل، مطالبين بزيادة على الأجور، بسبب استمرار تآكل قيمتها وسوء حالهم المعيشي، فاستقبلهم رب العمل وسمع مطلبهم وأقر به واستطرد قائلاً (سأفتح لكم دفتر الحسابات وأطلعكم عليه صفحة صفحة، وشهراً شهراً، فإن كانت أرباحي تفوق ثلاثة أضعاف أجر عامل منكم، سأعطيكم زيادة ترضيكم، وإن لم تكن كذلك، فالخيار لكم إما أن تستمروا بالعمل، أو أن تجدوا عملاً بأجر أعلى عند غيري)
يتكرر مع كل حراك عمالي تقريباً التحذير نفسه: «رفع الأجور سيؤدي إلى إغلاق المعامل». وبات هذا الخطاب يستخدم كحجة جاهزة في مواجهة أي مطالبة بتحسين أجور العمال، أو تسجيلهم في التأمينات الاجتماعية، وكأن العلاقة بين الأجور واستمرار المنشآت حقيقة محسومة لا تقبل النقاش.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: على أي بيانات يستند هذا الادعاء؟
في الواقع، تفتقر كبرى منشآت القطاع الخاص إلى الحد الأدنى من الشفافية فيما يتعلق ببياناتها المالية، فلا أحد يعلم حجم الأرباح الحقيقية، ولا هوامشها الربحية، ولا نسبة ما تشكله الأجور من إجمالي التكاليف، ولا مقدار ما يمكن أن تتحمله المنشأة من زيادة في كتلة الأجور دون أن تتعرض للخسارة، وفي غياب هذه البيانات، يصبح الحديث عن استحالة زيادة الأجور مجرد ادعاء لا يستند إلى وقائع يمكن التحقق منها، وقد لا يكون الأمر متعلقاً بالخسارة أصلاً، بل بانخفاض هامش الأرباح الذي استساغه أرباب العمل.
إن جزءاً من الأرباح الذي قد ينتقل إلى بند الأجور ليس خسارة بالمعنى الاقتصادي، بل هو إعادة توزيع أكثر عدالة للعائد المتحقق من العملية الإنتاجية، فالعمال ليسوا عنصراً هامشياً في الإنتاج، بل هم صانعو القيمة الأساسية، ومن حقهم أن تنعكس مساهمتهم على مستوى أجورهم، بما يضمن لهم حياة كريمة تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
ولا يمكن الحديث بجدية عن تهديد بإغلاق منشأة بسبب زيادة الأجور، إلا إذا ثبت بالأرقام أن هذه الزيادة تستنفد كامل الأرباح أو تتجاوزها، بحيث تصبح المنشأة عاجزة فعلاً عن الاستمرار، أما إذا كانت الزيادة المقترحة لا تؤدي إلا إلى تخفيض جزء من الأرباح، فإن الحديث عن الإغلاق لا يعدو كونه وسيلة للضغط على العمال وثنيهم عن المطالبة بحقوقهم.
إن المطلوب اليوم، ليس الاكتفاء بتبادل التصريحات، بل إرساء قواعد واضحة للشفافية المالية في المنشآت الكبرى، بحيث تصبح أي مناقشة للأجور، أو للإنتاج، أو لاستمرار المنشآت قائمة على أرقام وحقائق، لا على تقديرات ومواقف مسبقة. فحقوق العمال لا ينبغي أن تبقى رهينة ادعاءات لا يمكن التحقق منها، كما أن مستقبل الصناعة الوطنية يستحق نقاشاً يستند إلى الوقائع لا إلى التخويف.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1284