العمال والصناعيون بين موضوعية التناقض وضرورة التحالف
إلياس زيتون إلياس زيتون

العمال والصناعيون بين موضوعية التناقض وضرورة التحالف

لم يعد الحراك العمالي الذي يشهده القطاع الخاص حدثاً مطلبياً معزولاً، بل بات مؤشراً على أزمة اقتصادية أعمق تتجاوز حدود العلاقة التقليدية بين العامل ورب العمل، لتصل إلى جوهر النموذج الاقتصادي السائد، فالإضرابات والتحركات التي شهدتها منشآت القطاع الخاص خلال الفترة الأخيرة كانت انعكاساً مباشراً لسياسات اقتصادية نيوليبرالية متوحشة وفوضوية، دفعت أطراف العملية الإنتاجية جميعها إلى حافة الاختناق.

عند تناول الرأسمالية كنظام اقتصادي اجتماعي، يكون التناقض الأساسي فيها بين رأس المال والعمل، وهذا توصيف موضوعي لا يمكن نفيه، ولكن في حال عالجنا الوضع الاقتصادي الاجتماعي السياسي السوري كظاهرة، سيبرز تناقض أوسع اليوم، هو تناقض بين ناهبين ومنهوبين، فالسياسات الاقتصادية القائمة لا تستهدف الطبقة العاملة وحدها، بل تطال مختلف الفئات المرتبطة بالإنتاج الحقيقي، من عمال وفلاحين وصناعيين وحرفيين، مقابل استفادة شريحة ضيقة راكمت مصالحها على حساب الاقتصاد والبلاد والعباد.
ومن هنا يصبح السؤال الأساسي: أين يكمن جوهر الأزمة؟
إن القاسم المشترك بين الأزمات التي تعيشها مختلف القطاعات يتمثل في النموذج الاقتصادي نفسه، وليس في أطراف العملية الإنتاجية. فالصناعة الوطنية والعمال يشكلان معاً ركيزتي الإنتاج، وأي سياسة تستهدف أحدهما ستنعكس بالضرورة على الآخر، لتدخل العملية الإنتاجية برمتها في دائرة التراجع.


دور الحراك العمالي والمطلبي في إبراز أهمية التحالف الوطني


لقد أكد الحراك العمالي الأخير في القطاع الخاص، ضرورة وحدة العمال في الدفاع عن حقوقهم، وفي مقدمتها الحق في العمل اللائق، والأجر العادل، والضمانات الاجتماعية. وهذه الضرورة ليست وليدة اللحظة، بل رافقت نشوء الطبقة العاملة نفسها منذ تشكل النظام الرأسمالي. إلا أن الظروف الراهنة تطرح سؤالاً جديداً حول إمكانية توسيع هذا النضال ليشمل الدفاع عن نموذج اقتصادي يخدم الإنتاج الوطني بأكمله.
ولا يمكن فصل ما يجري في القطاع الخاص عن الحراك المطلبي الذي سبق أن شهده القطاع العام، بدءاً من قرارات الفصل وإنهاء العقود والإجازات المأجورة، وصولاً إلى قضية الأجور المتآكلة. كما لا يمكن عزله عن الحراك الفلاحي الذي فرضته السياسات نفسها. فمع استمرار النهج الاقتصادي الحالي، تتجه مختلف القوى المنتجة موضوعياً نحو التقاء مصالحها في مواجهة السياسات التي تستهدفها جميعاً.
إن انتقال الحركة العمالية إلى مرحلة أكثر تقدماً من النشاط، سيعني بالضرورة توسيع دائرة مطالبها لتشمل مجمل السياسات الاقتصادية، وهو ما يضعها في مساحة مشتركة مع الفلاحين والصناعيين والحرفيين، ليس لأن التناقضات بينهم قد زالت، بل لأنهم جميعاً باتوا يدفعون ثمن نموذج اقتصادي لا يخدم سوى مصالح أقلية محدودة.

ولعل ما يجري داخل الأوساط الصناعية خير دليل على ذلك، فقد بدأ الحديث يتزايد عن احتمال إيقاف عدد من المعامل أو تقليص إنتاجها، ولا سيما المنشآت التي شهدت إضرابات، أو تتوقع تصاعد النشاط العمالي فيها، ويستند أصحاب هذه المنشآت إلى ارتفاع التكاليف والكساد الناتج عن ضعف المبيعات، في ظل غياب الدعم الحكومي للصناعة الوطنية وانعدام الحماية الفعلية للمنتج المحلي.
ولا شك أن ارتفاع تكاليف الإنتاج حقيقة موضوعية، كما أن الصناعيين يتعرضون لخسائر حقيقية نتيجة السياسات الحكومية الحالية. لكن هذه الحقيقة لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لحرمان العمال من حقوقهم المشروعة، سواء في زيادة الأجور، أو التسجيل في التأمينات الاجتماعية، ولا لتبرير إغلاق منشآت يعمل فيها مئات آلاف السوريين وتعتمد عليها آلاف الأسر في معيشتها.


وحدة وصراع الأضداد


لقد وضعت السياسات الاقتصادية الحالية طرفي العملية الإنتاجية، العامل والصناعي، في مواجهة شديدة مع بعضهما البعض تضر بكلا الطرفين موضوعياً، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في مكان آخر. فغياب الدعم للإنتاج، ورفع الحماية عن الصناعة الوطنية، واستمرار التشريعات غير المحفزة للاستثمار الإنتاجي، كلها عوامل دفعت الصناعي إلى التهديد بالإغلاق، والعامل إلى الإضراب، في وقت يخسر فيه الاقتصاد الوطني بأكمله.
ومن هنا، إن أي معالجة جدية لهذه الأزمة لا يمكن أن تنطلق من تحميل أحد طرفي الإنتاج مسؤولية ما يجري، بل من مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية والتشريعية. المطلوب اليوم ليس دعم الصناعي على حساب العامل، ولا حماية العامل على حساب استمرار المنشآت، بل بناء سياسة اقتصادية متكاملة تعيد الاعتبار للإنتاج الوطني، وتحمي الصناعة السورية، وتضمن في الوقت نفسه الأمن الاجتماعي للطبقة العاملة، عبر أجور عادلة، وتأمينات اجتماعية، وحقوق عمل مصانة.
إن استمرار النهج الاقتصادي الحالي لن يؤدي إلّا إلى اتساع رقعة الاحتجاجات المطلبية، وانضمام المزيد من الفئات المنتجة إليها. فالحراك الذي بدأ في القطاع العام، ثم انتقل إلى القطاع الخاص، وتلاه الحراك الفلاحي، مع سلسلة غير منتهية من الحراك المطلبي، مرشح لأن يمتد إلى مختلف القطاعات المرتبطة بالإنتاج الحقيقي، وعندها لن يكون الصراع مجرد نزاعات مطلبية متفرقة، بل تعبيراً عن رفض واسع للنموذج الاقتصادي القائم، وولادة تحالف اجتماعي واسع ضد السياسات التي أوصلت الاقتصاد السوري إلى هذه المرحلة من التراجع، هذا التحالف الذي لم ولن يمنع استمرار التناقض ما بين رأس المال والعمل، وسائر التناقضات الطبقية الأخرى، بل سيجعله أحد عناصر تطور الحياة الاقتصادية والسياسية في البلاد، والتي ستعزل الفساد، وتحاصر الناهبين في مساحات ضيقة وواضحة، يبصرها الجميع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1284