مسودة تعديل قانون العمل رقم 17 لعام 2010... الإصلاح الحقيقي يبدأ بحماية العامل لا بإضعافه
تثير مسودة تعديل قانون العمل رقم 17 لعام 2010 في سورية نقاشاً واسعاً بين الأوساط العمالية والاقتصادية، باعتبارها تمس أحد أهم التشريعات التي تنظم العلاقة بين أصحاب العمل والعمال، فقانون العمل ليس مجرد نصوص قانونية تنظم عقداً بين طرفين، بل هو قانون اجتماعي واقتصادي يرتبط مباشرة بحياة ملايين السوريين، لأن الأغلبية الساحقة من أبناء المجتمع تعتمد في معيشتها على بيع قوة عملها لقاء أجر، وبالتالي فإن أي تعديل يمس هذا القانون ستكون له آثار مباشرة على مستوى المعيشة والاستقرار الاجتماعي والإنتاج الوطني.
وفي الوقت الذي تركز فيه بعض الطروحات على ضرورة توفير بيئة جاذبة للاستثمار وزيادة مرونة سوق العمل، فإن هذا الهدف لا ينبغي أن يتحقق على حساب الحقوق الأساسية للعمال، فالتوازن بين حقوق العامل ومصلحة صاحب العمل هو أساس أي اقتصاد منتج ومستقر، أما اختلال هذا التوازن لصالح طرف على حساب الآخر فإنه يؤدي في النهاية إلى نتائج سلبية على المجتمع والاقتصاد معاً.
لقد تناولت بعض التصريحات المرافقة للمسودة موضوع العقود النظامية، والتأمينات الاجتماعية، والتحول نحو الاقتصاد الرقمي، والتدريب المهني، وهي جميعها موضوعات مهمة تستحق الدعم، إلا أن هذه الإصلاحات لن تحقق أهدافها إذا جاءت مترافقة مع إضعاف الضمانات القانونية للعمال أو منح أصحاب العمل صلاحيات أوسع للتخلص من العامل دون رقابة قضائية فعالة.
المطلب الأول إلغاء التسريح التعسفي
إن أخطر ما يمكن أن يمس علاقة العمل هو التسريح التعسفي الذي سمح به القانون الحالي للأسف، فالعامل لا يملك رأس مال ولا أدوات إنتاج، وإنما يملك مصدر رزق واحداً هو عمله، وعندما يفقد هذا العمل بصورة تعسفية فإنه لا يخسر راتبه فقط، بل قد تخسر أسرته مصدر دخلها الوحيد، وقد يجد نفسه عاجزاً عن تأمين الغذاء والدواء والتعليم والسكن، ولهذا جاءت قوانين العمل الحديثة في مختلف دول العالم لتضع قيوداً واضحة على إنهاء علاقة العمل، وتجعل الفصل التعسفي استثناءً لا قاعدة.
إن أي تعديل يسمح بتسهيل إنهاء خدمات العمال أو عدم منح الحماية القانونية للعامل لن يؤدي إلى تشجيع الاستثمار كما يعتقد البعض، بل سيؤدي إلى خلق بيئة عمل يسودها الخوف وعدم الاستقرار، الأمر الذي ينعكس سلباً على الإنتاجية والولاء للمؤسسة وجودة العمل، فالعامل الذي يشعر بأن مستقبله الوظيفي مهدد في أي لحظة لن يكون قادراً على الإبداع أو التطوير أو الانتماء الحقيقي لمكان عمله.
ثانياً: تفعيل المحاكم العمالية وتسريع عملية التقاضي
ولا يقل أهمية عن ذلك تفعيل المحكمة العمالية وتسريع الفصل في القضايا العمالية. فوجود نصوص قانونية جيدة لا يكفي إذا بقي العامل ينتظر سنوات للحصول على حكم يعيد له حقه، فالعدالة البطيئة قد تتحول إلى إنكار للعدالة، ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتخصيص دوائر عمالية متخصصة، وتبسيط الإجراءات، وتحديد مدد زمنية واضحة للفصل في النزاعات العمالية، بما يضمن إعادة الحقوق إلى أصحابها في الوقت المناسب.
الاعتماد على النصوص الآمرة
كما أن إلزام أصحاب العمل بتنفيذ حقوق العمال الواردة في القانون يجب أن يبقى قائماً على نصوص آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، فالعلاقة بين العامل وصاحب العمل ليست علاقة متكافئة من حيث القوة الاقتصادية أو القدرة على التفاوض، ولذلك تدخّل المشرع لحماية الطرف الأضعف من خلال قواعد ملزمة تمنع التنازل عن الحد الأدنى من الحقوق. ولو تُركت هذه الحقوق للاتفاق الفردي فقط، لاضطر كثير من العمال إلى القبول بشروط مجحفة تحت ضغط الحاجة إلى العمل.
تفعيل اللجنة الوطنية للأجور
ومن أبرز النقاط التي ينبغي أن تحظى بالأولوية أيضاً تفعيل اللجنة الوطنية للأجور بصورة حقيقية ودورية، بحيث تقوم بدراسة تكاليف المعيشة ومستويات التضخم والإنتاجية وتحدد الحد الأدنى للأجور على أسس واقعية، فالمشكلة اليوم ليست في وجود حد أدنى للأجر فحسب، وإنما في مدى قدرته على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، ولا يمكن الحديث عن استقرار سوق العمل إذا بقيت الأجور بعيدة عن الواقع المعيشي الذي يتصدى له العامل السوري.
إلزام أرباب العمل بتسجيل عمالهم بمؤسسة التأمينات
وفي السياق ذاته، فإن إلزام أصحاب العمل بتسجيل جميع العمال في التأمينات الاجتماعية يجب أن يكون من أولويات أي تعديل تشريعي، فالتأمينات الاجتماعية ليست عبئاً مالياً كما يعتقد البعض، وإنما هي ضمانة للعامل عند المرض وإصابات العمل والشيخوخة والعجز والوفاة، كما أنها تحمي أسرته من الانهيار الاقتصادي في الظروف الطارئة، ولذلك فإن مكافحة التهرب من تسجيل العمال يجب أن تتم من خلال رقابة فعالة وعقوبات رادعة، مع تبسيط الإجراءات الإدارية بما يشجع أصحاب العمل الملتزمين على الامتثال للقانون.
خطط وطنية لتأهيل العمال
إن الحديث عن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والأتمتة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتقليص فرص العمل أو الانتقاص من الحقوق العمالية، فالتحول التكنولوجي ضرورة لا يمكن تجاهلها، لكنه يجب أن يترافق مع خطط وطنية لإعادة تأهيل العمال وتدريبهم واكتسابهم المهارات الجديدة، بحيث يصبح التطور التقني وسيلة لرفع كفاءة العامل لا لاستبعاده من سوق العمل.
الحاجة إلى تشريعات واضحة وقضاء سريع وعادل
ومن الضروري أيضاً أن تدرك الجهات المعنية أن الاستقرار الاجتماعي يشكل أحد أهم عناصر نجاح الاستثمار، فالمستثمر الحقيقي يحتاج إلى سوق مستقرة، وقوة عمل مؤهلة، وتشريعات واضحة، وقضاء سريع وعادل، أكثر مما يحتاج إلى عمالة رخيصة فاقدة للحقوق، وتجارب الدول الصناعية الكبرى تؤكد أن الاقتصادات الأكثر إنتاجية ليست تلك التي أضعفت حقوق العمال، وإنما تلك التي نجحت في تحقيق توازن بين حماية العامل وتشجيع الاستثمار.
إن أي تعديل ينتقص من حقوق العمال أو لا يغير من جوهر قانون العمل القائم، سواء من خلال إلغاء التسريح التعسفي، أو الحد من فعالية القضاء العمالي، أو التهاون في إلزام أصحاب العمل بالتأمينات الاجتماعية وتشريع حق الإضراب للطبقة العاملة، أو تحويل الحقوق الآمرة إلى حقوق قابلة للتفاوض، ستكون له نتائج كارثية على العمال وعائلاتهم، وسينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والإنتاج الوطني، فالعمال هم القوة المنتجة الأساسية في المجتمع، وأمنهم الوظيفي جزء من الأمن الاجتماعي للدولة بأكملها.
الهدف من التعديل؟
إن الإصلاح التشريعي الحقيقي لا يقاس بمدى منح التسهيلات لطرف واحد، وإنما بقدرته على تحقيق العدالة والاستقرار والتنمية معاً، وهناك حاجة فعلية إلى تعديل قانون العمل الحالي، ويجب الانطلاق من معالجة الثغرات القانونية في القانون، وتعزيز الرقابة على تنفيذ القانون، وتطوير آليات التقاضي، وتحديث منظومة التدريب المهني، وتحسين مستويات الأجور، وتوسيع مظلة التأمينات الاجتماعية.
وفي النهاية، يبقى قانون العمل من أكثر القوانين التصاقاً بالحياة اليومية للمواطن، لأنه ينظم العلاقة التي تقوم عليها معيشة أغلبية الشعب، ولهذا فإن أي تعديل يجب أن يخضع لحوار وطني واسع تشارك فيه النقابات، والعمال، وأصحاب الأعمال، والخبراء القانونيون والاقتصاديون، حتى يأتي القانون معبراً عن التوازن الحقيقي بين متطلبات التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، فحماية العامل ليست عائقاً أمام الإنتاج، بل هي أحد أهم شروط استدامته، وحماية الأسرة العاملة هي في النهاية حماية للمجتمع السوري بأسره.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1284
ميلاد شوقي