مهن متعددة والجوع واحد

مهن متعددة والجوع واحد

تنتشر المعامل الصغيرة والمشاغل والورشات ضمن الأحياء العشوائية في نهر عيشة وتتعدد مجالات إنتاجها وإن كانت الصناعات النسيجية كالخياطة والجوارب تتصدر تلك الصناعات والمهن فإن صناعة الجلديات والمواد الغذائية والكيماوية والصناعات المعدنية لا تقل أهمية عنها لا من حيث الكم ولا من حيث عدد العمال العاملين في هذه الصناعات وأوضاعهم الصعبة ومعيشتهم الشاقة، كيف لا وهم المحرومون مع أقرانهم في القطاع الخاص غير المنظم من أدنى حقوقهم التي تحجب عنهم فهم عنها غافلون.

أجور العمال من الجمل أذنه؟؟؟

يعمل جميع العمال البالغ عددهم 8 عمال بحدود 11 ساعة تبدأ من الثامنة صباحا ويبلغ متوسط أجرهم 120000 ألف ليرة أسبوعياً في حين تعمل العاملات 9 ساعات بمتوسط أجور 60000 ألف ليرة أسبوعياً ويحصل الفتية العمال على 35000 ألفاً أسبوعياً ويعاني العاملون من عدم وجود أدنى شروط الصحة كون المشغل في قبو رطب لا يتمتع بالتهوية المطلوبة علماً أن صناعة الأحذية تعتمد بشكل أساسي وكبير على المادة اللاصقة (الآجو) ذات الرائحة المؤذية للجهاز التنفسي ولن تمنع الكمامة الطبية الأذى الصحي عنهم، بل تؤخره حسب قول العمال هناك، وحين سألناهم عن نسبة أجورهم بالمقارنة مع أرباح صاحب العمل حسب خبرتهم ومعرفتهم بالسوق أكدوا لنا بأنها لا تتجاوز 25% حيث أخبرنا تيسير(عامل خبير وصاحب ورشة سابقاً) بأن زوج الأحذية الذي يبيعه صاحب العمل للسوق بالجملة بمبلغ20000 ألفاً يربح 4000 ليرة صافية في حين تبلغ كلفة الأجر التي يدفعها صاحب العمل لمجمل العمل في إنتاج حذاء واحد 700 ليرة فقط.

الأطفال والسلامة المهنية؟؟

تنتشر معامل صغيرة تنتج مواد تنظيف من مسحوق الغسيل لمواد الجلي لتعبئة الكلور ويستغرب تواجد هكذا صناعات تعتمد بشكل أساسي على مواد كيماوية بين البيوت السكنية كما يستغرب عمل الأطفال بها حيث رصدنا خلال زيارتنا لأحد هذه المشاغل الصغيرة مجموعة من الأطفال والفتية يضعون الكمامات الطبية و يحملون الرفوش ليخلطوا تلة من المواد الكيماوية مع بعضها البعض لمدة لا تقل عن ربع الساعة ليتم تعبئتها في أكياس شفافة تباع كمسحوق غسيل للمحلات التي تبيعه بدورها (فرط) للمستهلك بالكيلو لتتكرر العملية لمرات عديدة وأكد لنا أحد الفتية العمال بأن عمله شاق والرائحة تؤثر عليه كثيراً لكنه بدأ يعتاد الأمر وعليه أن يتحمل، فالأجر الذي يأخذه يبلغ 7500 ليرة في اليوم، وهو لن يجد عملاً في مهنة أخرى تؤمن له هذا الأجر في حين تعمل العاملات في تعبئة مادة الكلور بعبوات مختلفة الحجم وخلف آلات مزج سائل الجلي والصابون السائل ومجمل تلك المواد ويبلغ أجر الساعة للعاملات نحو 940 ليرة وهي أجر أعلى بالمقارنة مع الأجور في مهن أخرى.
قصدنا أحد معامل تشكيل المعادن (أراكيل وصوانٍ ودلات نحاسية وستانلس) حيث (المخارط) الكبيرة والمتوسطة و(المكابس) هنا تختلط الأصوات المرتفعة للآلات بضجيج المولدة الضخمة التي تعمل على المازوت في هذا المكان نجد كل شرائح العمال من رجال ونساء وأطفال وفتية كل له اختصاصه ففي حين يعمل الشبان الذين يتمتعون بالبنية البدنية القوية خلف المخارط والمكابس يشتغل العمال الفتية حولهم في تطبيق القطع وتجهيز المواد الأولية لهم وقسم آخر من العمال يشتغلون في قسم (التلحيم) فيما تشتغل النساء في التلميع والتغليف ويسهل مشاهدة درجة التنظيم العالية في هذا المشغل والانضباط والسرعة بتنفيذ العمل ولاحظنا انتشار (الشفاطات الهوائية) الكبيرة والمراوح السقفية التي تؤمن جريان الهواء بصورة جيدة ضمن المكان ومن خلال الحوار الذي دار تبين لنا التفاوت الكبير بالأجور بين عمال (البلص والخراطة) وباقي العمال والعاملات فمتوسط أجور (البليصة والخراطين) يتجاوز 150000 ألفاً أسبوعياً وعمال اللحام 75000 ألفاً والعاملات 30000ألفاً ولا تتجاوز ساعات العمل 9 ساعات يومياً وحين سألنا عن سبب التفاوت جاءتنا الإجابة بأن هناك نقص واضح بالعمالة المهنية والفنية مما رفع أجورهم التي لطالما كانت أعلى من العمالة العادية بضعف على الأقل كونها مهنة صعبة وخطرة وشاقة وكون الإنتاج مؤمن التصريف في الأسواق المحلية واللبنانية وحتى الخليجية.

دردشة عمال

عامل تشكيل معادن (بلص) يقول: «صحيح أجرنا أحسن من غيرنا بكتير بس كمان ما بكفي شو يعني يطلعلي 600000 ألف بالشهر شو بساووا؟» علماً أن الحد الأدنى للمعيشة لأسرة من خمسة أشخاص يبلغ حوالي 2,000,000 ليرة. وأضاف العامل: شغلتنا صعبة كتير وبدها أكل منيح وأدوية وفيتامينات يعني إذا مو كل يوم باكل وقيتين لحمة أو دجاج ما بقدر اشتغل وإذا غلطت غلطة صغيرة أو شردت أنا وعم اشتغل عالمكنة بروح فيها وبقعد بلا شغل وبلا أكل.
عاملة في معمل الأحذية: «تبهدلنا آخر هالعمر نزحت من السبينة عالمخيم ومن المخيم على الدحاديل ما بقدر اشتغل وين ما كان بس الله بعتلي هالشغل والله ما عم نلحق شي بيتنا آجار وعنا ولاد عم تدرس جوزي عم يشتغل عالتكسي ليل نهار وأنا بهالمعمل ومو شبعانين اللقمة, بدنا نرجع على بيتنا ما بدنا نبقى بالآجار والله اتعبنا وهالحكومة مو راحمتنا لك سكر ورز ما عاد عطونا وصاحب البيت ما عم يرحمنا كل شوي بيرفع الأجرة وصاحب الشغل هون مو راحمني بدو شغله يمشي بدون ما يدفع حقنا بدك الدغري يا ابني كلون عم يسرقونا ويمصوا دمنا مشان اللي ما مات بقنص أو بقصف يموت من الجوع والحسرة».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1093
آخر تعديل على الأحد, 23 تشرين1/أكتوير 2022 23:14