صمودٌ على جدار...
ينظر الغزاويون إلى الحرب من خلال ما يبقى ثابتاً في الأوقات الصعبة، ومن التجربة الإنسانية المشتركة، والرغبة في التواصل، والقدرة على تخيّل مستقبل يتجاوز الموت واللحظة الراهنة.
ثمة تركيز على القدرة على الصمود والإبداع والاستمرار، رغم حالة عدم اليقين التي يعيشونها، يُحولون الجداريات إلى وسيلة لإيصال رسائل إلى الجمهور داخل قطاع غزة وخارجه، خاصة عبر تداول صورها على منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي منحها بعداً توثيقياً وإنسانياً يتجاوز حدود المكان. تحوّلت الجداريات من تناول قضايا اجتماعية وثقافية إلى توثيق الدمار، والحفاظ على ذاكرة الأماكن، وسرد قصص العائلات التي فقدت منازلها.
لوحات مفتوحة لفناني الجرافيت، تتشكل على الجدران المتصدّعة وبقايا المنازل المدمّرة في أنحاء متفرّقة من قطاع غزة، يجد فيها الفن وسيلة للتعبير عن تجارب السكان خلال الحرب، واستحضار الذاكرة الجماعية، وإيصال رسائل تتعلّق بالأمل والتضامن.
الأملُ باقٍ
يرى فنانون فلسطينيون، أنّ العدوان على غزة لم يُغيّر فقط الأماكن التي يرسمون عليها، وإنما أعاد تشكيل مضمون أعمالهم. ففي حيّ تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة، تجلس فنانة فلسطينية فوق ركام منزل تعرّض للدمار، بينما ترسم على قطعة إسمنت كبيرة خيمة يعلوها العلم الفلسطيني، وإلى جانبها عبارة باللغة العربية «الأملُ باقٍ». بالنسبة لها بقايا المنازل ليست مجرد ركام، وإنما أماكن كانت تحتضن حياة كاملة، مشيرة إلى أنّ الرسم عليها يبعث برسالة مفادها، أنّ أصحاب هذه البيوت وذكرياتهم ما زالوا حاضرين.
وهذه الفنانة ليست الوحيدة، ثمة عشرات الفنانين الفلسطينيين الذين يتخذون من الجرافيت وسيلة للتعبير عن واقع غزة. وثقت أعمالهم وسائل التواصل، شاب فلسطيني لم يتجاوز (26 عاماً) يؤكد أن الحرب دفعت الفنانين إلى استبدال الجدران العامة بالمباني المدمّرة، التي أصبحت شاهداً مباشراً على ما عاشه السكان. ويقول بعد أن فقد عدداً من أفراد عائلته خلال الحرب ونزح أكثر من عشر مرات:
إنّ حجم الدمار الذي خلّفه العدوان منحه منظوراً مختلفاً للرسم. ويضيف: «الجدران والمنازل المهدمّة أصبحت تحمل قصصاً لا يمكن تجاهلها، لذلك انتقل الرسم إليها لأنها باتت المساحة الأكثر صدقاً للتعبير عن الواقع الذي نعيشه».
حتى الأطفال يشاركون؟!
من جانبه، يرى الفنان التشكيلي والخبير الفني الفلسطيني شريف سرحان، أنّ الحرب الأخيرة لم تغيّر حياة الناس فحسب، بل أعادت تشكيل الممارسات الفنية في قطاع غزة، بما في ذلك فن الجرافيت الذي اتخذ مسارات جديدة فرضتها ظروف الحرب والدمار. ويؤكد: أن الفنانين وجدوا أنفسهم في بداية الحرب منشغلين بمحاولة البقاء والتكيّف مع الظروف
القاسية، قبل أن يعودوا تدريجياً إلى أداء دورهم في توثيق التجربة الإنسانية والحفاظ على الذاكرة الجمعية.
ويشير سرحان إلى أنّ هذه المبادرات شملت في بعض الأحيان مشاركة الأطفال في تنفيذ الجداريات، وهو ما وفّر لهم مساحة للتعبير والتفريغ النفسي، في ظلّ الظروف الصعبة
التي يعيشونها، معتبراً أنّ الفن أدى دوراً اجتماعياً ونفسياً إلى جانب قيمته الإبداعية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291