الجزائر وكونفدرالية الساحل: من إدارة الخلاف إلى إدارة المصالح
عتاب منصور عتاب منصور

الجزائر وكونفدرالية الساحل: من إدارة الخلاف إلى إدارة المصالح

لم تكن العلاقات الجزائرية-المالية خلال الأشهر الماضية في أفضل حالاتها، إذ تصاعدت الخلافات حول الحدود واتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية على العلاقات بين البلدين، وبلغ التوتر ذروته في آذار ونيسان 2025 على خلفية إسقاط الجزائر طائرة استطلاع مسيرة مالية.

لكن، وكما وصف رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا، فإن الدبلوماسية «ليست نهراً هادئاً». فبعد «مناوشات كلامية ولقاءات أخوية»، بدأ الطرفان مسار تطبيع شامل؛ فأُعيد فتح المجال الجوي واستؤنفت العلاقات الدبلوماسية، فيما أكد مايغا أن الرئيسين عاصمي غويتا وعبد المجيد تبون باتا «متفقين تماماً» على مبادئ أساسية، في مقدمتها احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والعمل المشترك لمواجهة الإرهاب وطموحات الهيمنة في المنطقة.
يبقى الأمن المحرك الأساسي لهذا التحول. فالجزائر، التي لطالما تعاملت بحذر مع الحركات الطوارقية في شمال مالي، تجد نفسها أمام تهديد أكثر تعقيداً مع تنامي التقاطع بين بعض الفصائل المسلحة وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بالقاعدة. وهو ما يجعل التغاضي عن أي تحرك انفصالي أمراً أكثر خطورة على الأمن الجزائري نفسه، ويدفع الجزائر نحو التنسيق مع باماكو لمنع انتقال الفوضى والإرهاب إلى حدودها.
وبالنسبة إلى مالي، فإن استعادة التنسيق مع الجزائر تعني استعادة شريك إقليمي يمتلك حدوداً واسعة معها وقدرات عسكرية واستخباراتية وخبرة طويلة في مكافحة الإرهاب.
ولا يقتصر التحول على مالي. ففي خطوة تعكس اتجاهاً أمنياً أوسع، قدمت الجزائر للجيش النيجري أربع مروحيات عسكرية، إضافة إلى ذخائر وقطع غيار ومعدّات للدعم والصيانة. وتشير عودة العلاقات مع مالي، بالتوازي مع تصاعد التعاون العسكري والأمني مع النيجر، إلى أن الجزائر تعيد بناء مقاربتها للساحل على أساس المصالح المشتركة. فبدلاً من استمرار المواجهة الدبلوماسية مع دول كونفدرالية الساحل، يبدو أن الجزائر تتجه إلى تطويق مصادر الفوضى على حدودها عبر التنسيق الأمني والعسكري، وبناء عمق استراتيجي جديد في الجنوب.
وبذلك، فإن التقارب مع مالي ودعم النيجر لا يمثلان مسارين منفصلين، بل جزءاً من تحول أوسع يمكن التعبير عنه بالقول إنّ الجزائر تنتقل من إدارة الخلاف مع كونفدرالية الساحل إلى إدارة المصالح معها، مدفوعة بتهديد مشترك يتجاوز الخلافات السياسية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1291