خطوة باتجاه تفكيك الأفكار المغلوطة حول «اتفاقية مكة»

خطوة باتجاه تفكيك الأفكار المغلوطة حول «اتفاقية مكة»

شغلت اتفاقية الدفاع المشترك التي أُعلن عنها في مكة يوم الجمعة 7 آب الجاري، الرأي العام ووسائل الإعلام، ويبدو أن البعض مصرٌّ حتى اللحظة على محاولات حشر هذه الاتفاقية ضمن الأطر التقليدية التي عرفناها لعقودٍ مضت، دون الانتباه إلى أننا نعيش مرحلة تحوّلٍ كبرى تفرض علينا إعادة قراءة ما يجري حولنا بالاستناد إلى مقدماته الموضوعية، التي ترتبط فعلياً بالتحولات الكبرى.

إن المطب الأكبر الذي وقع فيه عددٌ من المحللين، كان تفسيرهم لاتفاقية مكة بوصفها استجابة للحرب الأخيرة التي شنّتها الولايات المتحدة و«إسرائيل» على إيران، لا بل إن عدداً منهم انطلق أيضاً من كون الولايات المتحدة هي الآمر الناهي في الإقليم، وعلى هذا الأساس بدت سلسلة الأفكار المغلوطة هذه كما لو أنّها متسقة مع ذاتها، وتعبر
بالفعل عما يجري! فكيف إذا ما علمنا أيضاً أن البعض رأى في باكستان والسعودية وتركيا قوىً «سنّية» وهي بتوقيعها لهذا الاتفاق أعلنت «تحالفاً سنياً» بمواجهة «تحالف شيعي» لنكون بذلك أمام بناءٍ لأفكارٍ بالية ولّى زمانُها!


بعضٌ ممّا جاء في الصحافة «الإسرائيلية»


قبل أن نبدأ بعرض تحليلنا المغاير لهذه الطروحات من المفيد أن نستعرض بضع أفكارٍ أوردتها الصحافة «الإسرائيلية» حول ما جرى في مكة، إذ كتب ميخائيل هراري في صحيفة معاريف مقالاً بعنوان «التقارب السعودي التركي الباكستاني سبّب القلق في [إسرائيل]» رأى فيه أن الاتفاق الأمني الثلاثي، هو جزءٌ من انعكاسات الحرب على المنطقة بأكملها، ورأى أن نتائج هذه الحرب لم تكن مشجِّعة ما فرض على الرياض أن تستعد لليوم التالي، بالإضافة إلى أن إسلام أباد بحسب الكاتب رأت أن هناك فراغاً ينشأ وتعمل على ملئه عبر بناء هذا النوع من الشراكات مع دول المنطقة بالإضافة إلى لعب دور الوساطة لإنهاء الحرب. هراري لم يُغفِل أنَّ سلوك «إسرائيل» العدواني تجاه دول الإقليم يفرض عليهم المزيد من اليقظة وخصوصاً مع العلم بأن «أسهم [إسرائيل] آخذة بالانخفاض في الرياض».
أما القناة 12 «الإسرائيلية» فنشرت مقالاً ليوئيل غوزنسكي انطلق فيه من فكرة أنه من «الخطأ اعتبار كلّ تقارُب عسكري بين دول مسلمة تحالفاً معادياً [لإسرائيل]» على أساس أن الدافع الفعلي هو تقليل الاعتماد على الأطراف الخارجية، ويقصد هنا الولايات المتحدة التي كانت تؤدي دوراً محورياً في منظومة الأمن القائمة في المنطقة. لكن غوزنسكي لم يكتف بذلك، بل ذهب إلى القول إنّه من «الخطأ أيضاً تجاهل التداعيات المحتملة للاتفاق على [إسرائيل]» وذلك لأن «إسرائيل» بحسب المقال كانت تبني آمالها الاستراتيجية على فكرة دفع الأمور باتجاه «منظومة أمنية إقليمية تتعاون فيها «إسرائيل» وبعض الدول العربية» أي أن التطورات الأخيرة بنظر الكاتب تتناقض مع التوجه الاستراتيجي «الإسرائيلي» وتشير إلى نشوء احتمال جديد وهو أن تبني دول المنطقة آليات أمنية إقليمية من دون «إسرائيل».


وتكتمل الصورة مع مقال نشرته هآرتس للكاتب تسفي برئيل بعنوان «الحلف الثلاثي الجديد في الشرق الأوسط يدفع [إسرائيل] إلى زاوية خطِرة» وتبرز فيه الفكرة الأهم وهي أن باكستان تتمتع بعلاقات متينة مع إيران، ويشير الكاتب إلى أن باكستان فتحت كل المعابر الستة بينها وبين إيران بشكلٍ كامل وعلى مدار الساعة، واتجه البَلَدان لاستخدام المقايضة في المعاملات التجارية البينية، كبديل للنظام المصرفي، وذلك بهدف الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، ويلفت الكاتب الانتباه إلى أن هذه التفاهمات جاءت على أساس توقيع مذكرة تفاهم جديدة بين باكستان وإيران قبل يومٍ واحد من توقيع الاتفاقية في مكة، والتي شملت إلى جانب ما سبق أن تستخدم إيران الموانئ الباكستانية كطريق بديل بعيداً عن الحصار المفروض على مضيق هرمز. ويذكّر الكاتب أن العلاقات بين إيران وأطراف الاتفاقية الثلاثية الجديدة ليست سيئة بل هناك علاقات تجارية وأمنية قائمة وتتطور بسرعة.


ما هو تفسير ما يجري؟


إذا رفضنا التحليلات السطحية نكون مجبرين على تقديم بناء آخر يمكن من خلاله فهم ما جرى ضمن سياقه الطبيعي، ولا يمكن القيام بذلك إلا من خلال فهم طبيعة الدور الروسي والصيني الذي يمكن قراءته في وثائق رسمية عديدة نشرتها بكين وموسكو، من تسعينيات القرن الماضي وجرى تطويرها في عدة مناسبات، ويمكن تلخيص الطرح الروسي-الصيني من خلال بناء منظومة أمنية إقليمية غير قابلة للتجزئة تعمل على أساس التفاهم والتعاون وحل المشكلات عبر الطرق الدبلوماسية، ووقف التدخلات الخارجية، وذهبت موسكو في آخر تعديل لوثيقتها المنشورة بعنوان «مفهوم روسيا للأمن الجماعي في منطقة الخليج» إلى القول بضرورة التزام الدول بعدم تقديم أراضيها لطرف ثالث لشن هجمات ضد الدول المجاورة.
بكين من جانبها وإلى جانب ترحيبها بالمبادرة الروسية قدّمت هي الأخرى خارطة طريقٍ لنزع فتيل التفجير من المنطقة، بل وعملت بشكلٍ مباشر على تطبيع العلاقات بين السعودية وإيران، هذا بالإضافة إلى أن الصين تعمل مع باكستان لترسيخ واقعٍ جديد في منطقة الشرق، ما يفرض النظر إلى خطوات باكستان الأخيرة بوصفها ترجمة فعلية للتوجه الصيني العام.
إن وضع المبادرات الروسية والصينية في الخلفية أثناء قراءة ما يجري هو مسألة ضرورية ولا بدَّ منها، خصوصاً أن ما نراه اليوم هو ترجمة لهذه المبادرات، ربما مع مساهمات إقليمية غير معلنة في صياغة تفاصيلها.


الاستعداد للمرحلة القادمة


إن اندفاع دول الإقليم الأصيلة لتصفير المشاكل البينية كان استجابة إلزامية للتغيرات القائمة وتحديداً الدور الأمريكي المنحسر، والذي فرض على هذه الأطراف إما أن تدخل في صراعات عسكرية غير منتهية فيما بينها يخرج الجميع منها خاسرين، أو البحث عن تفاهمات جديدة تضمن أمن ومصالح الجميع، وعلى هذا الأساس لا يمكن أبداً الحديث عن اتفاق ثلاثي معزول عن الدول الأخرى، بل إن اتفاقية مكة ذاتها طُرحَت بوصفها إطاراً قابلاً للتوسُّع، وإلى جانب التأكيدات على احتمال انضمام مصر للاتفاقية، أشار سفير باكستان لدى روسيا فيصل نياز ترمذي إلى أن إسلام آباد لا تعارض انضمام إيران إلى الاتفاق الأخير.
إن ذكر احتمالية انضمام إيران إلى الاتفاقية يبدو غريباً جداً وتحديداً عند النظر إلى المشهد من الخارج، فإيران استَهدفت دولاً خليجية مؤخراً وركّزت على المصالح الأمريكية فيها، لكن الفهم الأعمق لما يجري، يقودنا إلى أن بقاء الولايات المتحدة في المنطقة بات مهدداً، ويجري بحثه بشكلٍ معلن، وهذا يعني أن سبب الخلاف الأكبر بين إيران ودول الخليج كان يرتبط إلى حد كبير بالوجود الأمريكي الذي تراه طهران تهديداً لها، بل إن الحرب الأخيرة أكدت أن القلق الإيراني مشروع، وفرضت الحرب أيضاً على دول الخليج وتحديداً السعودية إعادة النظر في شكل التحالفات القائمة، وكانت على يقين أنّها مضطرة لبناء منظومة أمنية جديدة، منظومة بعيدة عن الولايات المتحدة ولا تعتمد عليها.

لذلك يمكننا القول إنّ أيَّ منظومة أمنية جديدة تكون مستقلة عن الولايات المتحدة ومدعومة من روسيا والصين تملك بالفعل الكثير من مقومات النجاح، وإن هذه المنظومة وإن لم تعلِن أعداء لها، ستكون متعارضة مع المصلحة الاستراتيجية «الإسرائيلية» فالكيان يرى أن واشنطن هي الطرف الوحيد المخوَّل ببناء منظومة أمنية يجري تفصيلها على المقاس «الإسرائيلي»، وأنّ احتمال بناء أي شيء آخر سيغير كل المناخ القائم، ويجعل الكيان الصهيوني معزولاً في بيئة محيطة معادية له. ورغم أن الخلافات بين دول الإقليم قائمة ولم تحل بعد، إلّا أنّ فتح الباب أمام منظومة أمنية جديدة قائمة على التعاون الإقليمي هو استثمار مرغوب للجميع، وستكون كل دول الإقليم مستعدة لتقديم تنازلات جماعية في مقابل وضع الأساس لعصر قادم قائم على التعاون، يسمح بتحقيق التنمية المطلوبة، وينهي الاستنزاف الكبير الناتج عن التنافس والصراعات المسلحة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1291