القتل الاجتماعي: أرباح الجائحة وفصل اللقاحات العنصري
في خضم أسوأ جائحة شهدها العالم منذ قرن، تحولت اللقاحات المنقذة للحياة من سلعة عامة كان ينبغي أن تتاح للبشرية جمعاء إلى أداة للربح الإمبريالي والفصل العنصري الصحي. إن ما وصفته مجلة الجمعية الطبية البريطانية (BMJ) «بالفصل العنصري في اللقاحات» ليس مجرد فشل أخلاقي عابر، بل هو تعبير حتمي عن التناقض الجوهري بين قيمة الاستخدام وقيمة التبادل بين حاجة البشر إلى الحياة وأوامر رأس المال بتعظيم الربح. ففي نظام يخضع فيه إنتاج الدواء لمنطق التراكم، تُصبح حياة الفقراء مجرد تكلفة هامشية في معادلة الأرباح.
التمويل العام... والأرباح الخاصة
يكشف تاريخ تطوير لقاحات mRNA حقيقة صادمة: هذه التكنولوجيا لم تولد من رحم المبادرة الخاصة، بل نبتت في حقول التمويل العام. فقبل سنوات من الجائحة، استثمرت الحكومة الأمريكية مئات الملايين من الدولارات في أبحاث mRNA. ففي عام 2013، منحت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتطورة (DARPA) شركة موديرنا 25 مليون دولار لتطوير لقاحات RNA ضد فيروسي زيكا وشيكونغونيا. وبحسب دراسة نشرتها مجلة BMJ، بلغ إجمالي الاستثمار الفيدرالي الأمريكي في أبحاث وتطوير لقاحات mRNA بعد بدء الجائحة 2.3 مليار دولار على الأقل، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن الحكومة الأمريكية استثمرت 31.9 مليار دولار في الأبحاث التي دعمت تطوير لقاحات كوفيد-19.
هذا التمويل العام الهائل (الذي مولته ضرائب العمال) لم يمنح الجمهور أي حق في ثمار استثماراته. بل تحول إلى أرباح خرافية في جيوب القلة الرأسمالية. ففي عام 2021 وحده، حققت شركات فايزر، بيونتك، موديرنا، وسينوفاك أرباحاً صافية بلغت 50 مليار دولار من لقاحات كوفيد-19، بهامش ربح صافٍ تراوح بين 62% و76%. وبعبارة ملموسة: كانت هذه الشركات تجني 65 ألف دولار من الأرباح كل دقيقة، أي أكثر مما يكسبه عامل في دولة فقيرة خلال عمره كله.
هذه ليست مجرد «جشع»، كما يصفها الخطاب الليبرالي السطحي. إنها، عملية استيلاء طبقي، فالدولة (التي يفترض أنها تمثل المصلحة العامة) تضخ أموال العامة في تطوير تكنولوجيا حيوية، ثم تترك للاحتكارات الخاصة حق احتكارها وتسعيرها كما تشاء. هذا هو جوهر الدولة اليوم؛ أداة لتحويل الثروة الاجتماعية إلى رأس مال خاص.
الدول الغربية شريكة في الجريمة
غير أن إلقاء اللوم على شركات الأدوية وحدها يُخفي جزءاً أساسياً من الصورة. فالدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لم تكن ضحية لجشع الشركات بل شريكاً فعالاً في جريمة التوزيع غير العادل.
فقد استخدمت إدارة بايدن قانون الإنتاج الدفاعي (Defense Production Act) لفرض حظر على تصدير اللقاحات والمواد الخام الداخلة في تصنيعها. ولم يقتصر الأمر على منع تصدير الجرعات النهائية، بل شمل حتى المكونات الأساسية مثل الجزيئات الدهنية النانوية (lipid nanoparticles) والقوارير الزجاجية والإبر، وهي مواد لا تتطلب خبرة تكنولوجية معقدة، بل كانت محتجزة بموجب سياسات «أمريكا أولاً». وقد اشترت الولايات المتحدة نحو 26 مليار جرعة، أي ربع الإنتاج العالمي، مع تخزين مليارات الجرعات في مستودعاتها بينما كان الملايين يموتون في إفريقيا وآسيا.
هذا السلوك ليس مجرد «أنانية وطنية». إنه، تعبير عن سعي الدول الرأسمالية المركزية إلى تأمين أولوية بقائها على حساب بقاء الأطراف التابعة في النظام العالمي. فالدول الغنية لم تشترِ اللقاحات لأنها احتاجتها فوراً؛ لقد اشترتها لمنع الآخرين من الحصول عليها، مؤمنة بذلك هيمنتها في ترتيب الأولويات الرأسمالية العالمية.
وصف المدير العام لمنظمة الصحة العالمية هذا الوضع بأنه «فشل أخلاقي كارثي»، محذراً من أن احتكار اللقاحات سيُطيل أمد الجائحة. لكن هذا الفشل ليس عارضاً، بل هو نتيجة حتمية لنظام عالمي يقوم على التنافس بين الدول الرأسمالية، حيث تُقدَّم المصلحة الوطنية (المعرفة كمنفعة للطبقات الحاكمة) على التضامن الإنساني.
تعقيد نقل التكنولوجيا:ذريعة أم حقيقة؟
قد يجادل المدافعون عن النظام القائم بأن نقل تكنولوجيا لقاحات mRNA إلى الدول الفقيرة كان مستحيلاً بسبب تعقيدها التقني. وهناك بعض الصحة في هذا الادعاء؛ فتصنيع هذه اللقاحات يتطلب بنية تحتية متطورة، وسلاسل تبريد بدرجات حرارة دون 80 درجة مئوية، وكوادر فنية مدربة. كما أن نقص المهارات التصنيعية في الدول منخفضة الدخل قد شكّل عقبة حقيقية.
لكن التحليل الماركسي يكشف أن التعقيد التقني كان ذريعة، لا سبباً. فالعديد من الدول (مثل جنوب إفريقيا والهند والبرازيل) تمتلك قدرات تصنيعية دوائية متطورة. وقد أنشأت منظمة الصحة العالمية مركزاً لنقل تكنولوجيا mRNA في جنوب إفريقيا، لكنه واجه عقبات ليس تقنية في جوهرها، بل سياسية وقانونية؛ رفض شركات الأدوية نقل المعرفة، وحماية الأسرار التجارية، والضغوط السياسية ضد الترخيص الإجباري.
بعبارة أخرى: لم تكن التكنولوجيا مستحيلة النقل؛ بل كان احتكار المعرفة (أي احتكار وسائل الإنتاج) هو العائق الحقيقي. فالرأسمالية لا تحمي «الملكية الفكرية» لأنها تعزز الإبداع، بل لأنها أداة لخلق الندرة المصطنعة، تماماً كما يحرقون القهوة أو يتخلصون من الحليب في أزمات فائض الإنتاج. هنا، كانت الندرة المصطنعة للقاحات وسيلة للحفاظ على الأسعار المرتفعة.
استثناء أسترازينيكا: تأكيد القاعدة
لا يمكن إنكار أن شركة أسترازينيكا قدمت نموذجاً مختلفاً؛ فقد تعاقدت مع جامعة أكسفورد على تطوير لقاح يعمل من دون ربح طوال فترة الجائحة، ووزعت أكثر من 2.5 مليار جرعة في أكثر من 170 دولة. بل إنها واصلت الالتزام بعدم الربح حتى بعد أن بدأت شركات أخرى في جني الأرباح.
لكن هذا الاستثناء يؤكد القاعدة، لا ينفيها. فلماذا كانت أسترازينيكا استثناءً؟ لأن اللقاح الذي طورته كان يعتمد على تكنولوجيا ناقلات فيروسية (viral vector) أقل تكلفة وأسهل في التصنيع، ولم تكن الشركة تسعى إلى تعظيم الأرباح من هذا المنتج بالذات. والأهم: أن استثناءً واحداً في نظام يضم العشرات من الشركات لا يغير من طبيعة النظام، فالاستثناءات الأخلاقية ممكنة، لكنها غير قابلة للتعميم، لأن المنطق الأساسي للنظام هو المنافسة وتعظيم الربح، وليس التضامن.
فشل عالمي: القتل الاجتماعي كنظام
في النهاية، لم يكن فشل توزيع اللقاحات مجرد سوء تنظيم أو نقص في التنسيق. لقد كان، كما وصفت مجلة BMJ، «جريمة ضد الإنسانية». تشير التقديرات إلى أن التوزيع العادل للقاحات كان سيمنع 295.8 مليون إصابة و1.3 مليون وفاة بحلول نهاية عام 2021. بل إن الجائحة تسببت في وفاة نصف مليون شخص إضافي بسبب مرض السل، حيث تم تحويل الموارد الصحية بعيداً عن برامج الصحة العامة الأساسية.
هذا هو معنى «القتل الاجتماعي»، ليس القتل المباشر المتعمد، بل القتل البطيء المنهجي الذي ينتج عن نظام يجعل الحصول على الضرورات الأساسية (الدواء، الغذاء، المأوى) رهناً بالقدرة على الدفع. فكما أن الرأسمالية تخلق تشرداً وفقراً وجوعاً بشكل منتظم، فهي تخلق أيضاً أوبئة يمكن الوقاية منها، لأنها تمنع العلاج عن أولئك الذين لا يستطيعون تحمل كلفته.
إن نظام براءات الاختراع، واحتكار المعرفة، وأولوية الأرباح على الأرواح، ليست عيوباً عرضية في النظام الرأسمالي؛ إنها خصائص جوهرية، بل إنها محركاته الأساسية. فكما قال مارتن شكريلي، المدير التنفيذي لشركة تورينج للأدوية، بصراحة صادمة: «المستثمرون يتوقعون مني تعظيم الأرباح، وليس تقليلها أو الذهاب إلى النصف أو إلى 70%، بل الوصول إلى 100% من منحنى الربح». هذه الصراحة تكشف ما تخفيه لغة «المسؤولية الاجتماعية للشركات»، الرأسمالية لا يمكنها أن تضع حياة البشر فوق أرباح المساهمين، لأن ذلك يناقض جوهرها.
نحو نزع التسليع عن الحياة
إن قراءة كارثية اللقاحات تقودنا إلى استنتاج واحد؛ لا يمكن إصلاح نظام الصحة العالمي ضمن حدود النظام العالمي الحالي. فالدول الغربية لن تتوقف عن احتكار الأدوية طالما أن بقاءها يتطلب التفوق على الآخرين. وشركات الأدوية لن تتنازل عن براءات الاختراع طالما أن الأرباح هي هدفها الوحيد. وآليات مثل كوفاكس (COVAX) لن تنجح لأنها تعمل داخل النظام الذي يخلق الأزمة، وليس ضده.
ما نحتاجه هو نزع التسليع عن الحياة ذاتها؛ تحويل اللقاحات والأدوية من سلع تُباع في السوق إلى سلع عامة عالمية، تُنتج وتُوزع وفقاً للحاجة، لا وفقاً للقدرة على الدفع. وهذا يتطلب كسر احتكار المعرفة، وإلغاء براءات الاختراع في مجال الصحة، ونقل التكنولوجيا إلى كل الدول، وتمويل البحث العلمي من المال العام مع ضمان أن تكون ثماره ملكاً للعامة.
أثبت النظام العالمي، في جائحة كوفيد-19، أنه غير قادر على حماية البشرية من وباء. بل إنه حول الوباء إلى فرصة للربح، والموت إلى سلعة. وهذه ليست وصمة عابرة في جبين النظام؛ إنها حمضه النووي. فطالما بقي الربح هو الهدف الأسمى، سيبقى الموت (خاصة موت الفقراء والمهمشين) مجرد تكلفة تشغيلية في دفاتر الحسابات.
«في خضم السباق على لقاحات كوفيد-19، إما نفوز معاً أو نخسر معاً»، هكذا حذرت منظمة الصحة العالمية. لكن النصر الحقيقي لا يعني مجرد توزيع عادل للقاحات ضمن النظام القائم، بل يعني تغيير النظام الذي جعل اللقاحات سلعة في المقام الأول.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291