ليست الصين، بل الأمولة من أفرغ أوروبا من الداخل

ليست الصين، بل الأمولة من أفرغ أوروبا من الداخل

خلال الأعوام القليلة الماضية، ترسخت في مراكز السلطة في بروكسل وباريس وبرلين سردية مريحة، لكنها شديدة الكسل فكرياً. تسير الحكاية على النحو الآتي: تتعرض قطاعات السيارات والصناعة التي تفخر بها أوروبا لـ«صدمة صينية» تهدد وجودها، إذ تجتاح السيارات الكهربائية الصينية وبنى الطاقة النظيفة- المدعومة من الدولة- الأسواق، كما لو كانت موجة تسونامي، وتهدد بدفع الشركات الغربية إلى الإفلاس.

وارويك باول


ولهذا، جاءت الوصفة الأوروبية على الشكل التالي: بناء جدار دفاعي مرتفع يتألف من رسوم مكافحة الدعم، وخطوط تنظيمية حمراء، وسياسات حمائية متشددة، لحماية التصنيع الأوروبي.
لكن هذه السردية ليست خاطئة فحسب، بل خطرة أيضاً. فأوروبا لا تعاني صدمة تجارية خارجية، بل تكابد مرضاً اقتصادياً صنعته بنفسها. وما تسميه بروكسل «المنافسة الصينية غير العادلة» ليس في الحقيقة سوى النتيجة النهائية المتوقعة لـ«إزالة التصنيع» تحت هيمنة القطاع المالي.

على مدى أربعين عاماً، ضحّى رأس المال المالي الأوروبي بصورة منهجية بقاعدته الصناعية على مذبح عوائد المساهمين قصيرة الأجل، وعمليات إعادة شراء الأسهم، وتوزيع الأرباح. واليوم، بعدما تجاوزت الشركات الصينية المحلية الخاصة العلامات الغربية العريقة من حيث الابتكار والحجم، يهرع النخبويون الأوروبيون إلى الدولة طلباً للحماية. لن تنقذ الحمائية أوروبا، بل ستحول القارة إلى متحف صناعي.
وفي المقابل، تنتشر حالياً حجة أخرى تقول: إنه ينبغي لأوروبا أن «تجبر» الشركات الصينية على قبول مشروعات مشتركة إلزامية ونقل التكنولوجيا. وهذا بلا شك وهم ناتج عن المبالغة في تقدير الذات. فبعد حساب التكلفة الكارثية للدخول بسهولة في حرب تجارية، ستكتشف بروكسل أنها لا تملك أساساً أوراقاً كافية لإصدار الأوامر إلى الصين.
أوروبا لا تستطيع إرغام رأس المال الصيني، بل عليها أن تعمل بنشاط على جذبه. ويمر الطريق إلى المستقبل عبر إعادة إطلاق «الاتفاقية الشاملة للاستثمار بين الصين والاتحاد الأوروبي» المتوقفة، واستخدامها لتحويل أوروبا إلى الوجهة الأكثر جاذبية في العالم، بحيث تتحول الفوائض التجارية الصينية إلى تكوين لرأس المال الثابت داخل أوروبا.


من التلميذ إلى الأستاذ


لفهم سبب تبخر أوراق القوة الأوروبية، لا بد من العودة إلى 41 عاماً من تاريخ تعامل صناعة السيارات الغربية مع الصين. بدأت هذه القصة في تشرين الأول 1984، عندما وقعت شركة فولكسفاغن عقداً تاريخياً لإنشاء شركة مشتركة حملت اسم «شانغهاي فولكسفاغن».
وفي ذلك الوقت، كان قطاع السيارات العالمي شديد الشكوك بشأن التجربة. فقد كانت الصين فقيرة، وتفتقر إلى البنية التحتية، ولا تمتلك سوقاً للسيارات الخاصة. وخلال العقود الثلاثة الأولى من هذه العلاقة، كان النمط ذا طابع استعماري واضح.
فبموجب قاعدة الشركات المشتركة الإلزامية بنسبة 50:50 التي فرضتها الصين، جنت العلامات الأوروبية العريقة مليارات اليوروهات من السوق المحلية الصينية سريعة النمو. وكان المديرون التنفيذيون الغربيون يفترضون بكل اطمئنان أنهم سيحتكرون إلى الأبد الملكية الفكرية ذات الهوامش الربحية العالية، مثل: التصميم والهندسة وعلاوة العلامة التجارية، بينما ستبقى الصين مجرد خط تجميع منخفض التكلفة.
وكان هذا الترتيب يُقدم في العواصم الغربية بوصفه قصة «عولمة رابحة للطرفين». وفي ذلك العصر، نادراً ما كانت الحكومات الغربية تشتكي من الدعم الحكومي الصيني، لأن شركاتها متعددة الجنسيات كانت المستفيد الرئيسي منه. لكن الواقع البنيوي انقلب بصورة جذرية تقريباً حول عام 2015.

فبعد أن أدرك المخططون الصينيون أن تجاوز أوروبا في هندسة محركات الاحتراق الداخلي المعقدة سيكون بالغ الصعوبة، أطلقوا خطة «صنع في الصين 2025»، وحولوا النظام الصناعي بأكمله نحو مركبات الطاقة الجديدة، أي السيارات الكهربائية بالكامل، والسيارات الهجينة القابلة للشحن، وسلاسل توريد الطاقة النظيفة التي تعرّف قطاع النقل الحديث.
ومَثّل ذلك انتقالاً من نموذج تصدير تهيمن عليه الاستثمارات الأجنبية إلى نموذج تقوده شركات محلية عملاقة.
وقبل عام 2015، كانت الشركات متعددة الجنسيات التي تعمل في الصين من خلال شركات مشتركة، أو فروع مملوكة بالكامل للأجانب تمثل ما يقرب من 60 % من إجمالي صادرات التصنيع الصينية. وبحلول عام 2026، انقلب هذا النمط كلياً. اليوم، تسهم الشركات الخاصة الصينية بنحو 65 % من إجمالي صادرات الصين، بينما تراجعت حصة الشركات ذات الاستثمار الأجنبي إلى 22 % فقط.
ويظهر هذا التحول بأوضح صورة في سوق السيارات الهجينة القابلة للشحن «PHEV» في أوروبا. فالعلامات الصينية المحلية، مثل: «بي واي دي» و«شيري» و«سايك»، تهيمن اليوم على موجة السيارات المتدفقة إلى الموانئ الأوروبية، وتتحرك بذكاء ضمن هيكل الرسوم الجمركية، وتمكنت من الاستحواذ على أكثر من ثلث مبيعات السيارات الهجينة القابلة للشحن في أوروبا.
لقد استوعب «التلميذ» الصيني تماماً تقنيات التصنيع الغربية، وأضاف إليها تفوقه العالمي في تقنيات البطاريات وسلاسل التوريد، وهو اليوم يصدر سيارات متقدمة إلى الأسواق الأوروبية نفسها التي علمته في الأصل صناعة السيارات.


الاقتصاد الجزئي للتراجع


تخفي موجة الاستياء المفاجئة في الغرب تجاه الدعم الحكومي الصيني الفاعل الحقيقي وراء تراجع الصناعة الأوروبية: أمْوَلة رأس المال الصناعي الأوروبي.
فبينما أعادت الشركات الصينية باستمرار استثمار كل جزء تقريباً من تدفقاتها النقدية، مدعومة بالائتمان المصرفي الموجه من الدولة، في التكامل العمودي، ومناجم الليثيوم، وخطوط الإنتاج المؤتمتة، كانت الشركات الصناعية الأوروبية الكبرى تتعرض للتفريغ من الداخل على يد أصحاب الريوع المالية الباحثين عن عوائد قصيرة الأجل.
لفهم المرض العميق وراء هذا التراجع، لا بد من العودة إلى النقد الأساسي للاقتصاد الجزئي الذي قدمه كاريل ويليامز وزملاؤه في كتابهم الرائد «السيارة: التاريخ وتحليل الآفاق».
فمن خلال دراسة تراجع صناعة السيارات البريطانية والأوروبية بعد الحرب، ومقارنتها بالصعود السريع للإنتاج واسع النطاق في اليابان، أثبت ويليامز وزملاؤه أن القدرة التنافسية الصناعية تُحسم على ثلاثة مستويات بنيوية: تصميم العمليات، وحجم السوق، ومدى ملاءمة المنتج للسوق.
وإذا حدّثنا أطروحات ويليامز إلى عصر ما بعد 2010، سنجد تشابهاً مذهلاً بين الطريقة التي خسرت بها أوروبا أمام اليابان في السابق، والطريقة التي تتراجع بها اليوم أمام الصين.


أولاً: تصميم العمليات


يمكن مقارنة تصميم العمليات المعيب في أوروبا بالمسار الذي اتبعته صناعة السيارات الصينية نحو التكامل العمودي.
أشار ويليامز وزملاؤه إلى أن تفكيك العمليات وتجزئتها يجعل المصانع الغربية عاجزة عن تحقيق مستويات مرتفعة من استخدام الطاقة الإنتاجية، أو تبني عمليات إنتاج مرنة ورشيقة، كما يرفع نقطة التعادل البنيوية.
وبعد عام 2010، لم تعالج شركات السيارات الأوروبية العريقة هذا العيب التاريخي، بل زادته سوءاً.
فمن أجل رفع العائد قصير الأجل على رأس المال المستخدم «ROCE»، أوكلت مزيداً من المكونات الأساسية ومراحل الإنتاج إلى شبكات عالمية ضخمة وهشة من الموردين، فأصبحت سلاسل التوريد أكثر تجزؤاً وازدادت أوجه عدم الكفاءة البنيوية.
أما شركات السيارات الخاصة الصينية، فسلكت المسار المعاكس. خلال العقد الماضي، وبينما كانت الشركات الأوروبية تضخ مبالغ ضخمة في إعادة شراء الأسهم، سرعت شركات، مثل: «بي واي دي» عملية التكامل العمودي، وصممت منتجاتها منذ البداية حول إنتاج عالي الطاقة ومؤتمت.
كما أدخلت مكونات أساسية، مثل: البطاريات وإلكترونيات الطاقة والرقائق ضمن أنظمتها الإنتاجية الداخلية.
ومن خلال إعادة دمج تصميم السيارة ولوجستيات الورش وتصنيع المكونات، خفضت الشركات الصينية هوامش الربح المتراكمة الناتجة عن الشراء الخارجي، كما قللت خسائر الكفاءة الناجمة عن تجزئة سلاسل التوريد، وكسرت بذلك عنق الزجاجة الذي عانت منه صناعة السيارات الغربية طويلاً في «تصميم العمليات».


ثانياً: تقلص السوق المحلية الأوروبية بعد سياسات التقشف


شدد ويليامز وزملاؤه على أنه في الصناعات شديدة الأتمتة والثقيلة من حيث التكاليف الثابتة، يصعب على المصانع الحفاظ على معدلات استخدام مرتفعة للطاقة الإنتاجية، إذا لم يكن هناك سوق جماهيري مستقر، وعندها تتدهور هوامش الربح بسرعة.
لكن بعد الأزمة المالية عام 2008، شهدت أوروبا فترة طويلة وقاسية من التقشف المالي، وجمود الأجور، وتراجع البنية التحتية العامة.
وأدى ذلك باستمرار إلى الضغط على القوة الشرائية المحلية، فتقلص تدريجياً حجم السوق المحلية الضرورية للحفاظ على الإنتاج واسع النطاق.
وفي المقابل، عملت الصين، من خلال التحفيز الاقتصادي الكلي والائتمان المصرفي الموجه من الدولة، على بناء سوق جماهيرية محلية ضخمة لمركبات الطاقة الجديدة، وفرت طلباً كافياً لدعم توسع القطاع.
ومع هذا التباين، أصبحت شركات السيارات الأوروبية تعتمد بصورة متزايدة على تصدير السيارات الفاخرة ذات الهوامش المرتفعة إلى أسواق خارجية، مثل: الصين من أجل الحفاظ على هياكل شركاتها الضخمة.
لكن ذلك دفعها إلى إهمال صحة السوق الجماهيرية المحلية بصورة أكبر.
وكانت النتيجة، أن شركات السيارات الأوروبية فقدت، من جهة، الطلب الأساسي الضروري لتوزيع تكاليفها الثابتة، واضطرت، من جهة أخرى، للاعتماد على عدد صغير من الطرازات الباهظة للحفاظ على أرباحها.
وهكذا دخلت في حلقة مفرغة من انخفاض استخدام الطاقة الإنتاجية، وارتفاع تكلفة الوحدة، والمزيد من تقلص السوق المحلية.


ثالثاً: ملاءمة السوق والثقة بالعلامة التجارية


بدأت صناعة السيارات الأوروبية تكشف أيضاً عن عيوب خطيرة في ملاءمة المنتجات للسوق والثقة بالعلامات التجارية.
ويعرّف ويليامز وزملاؤه «ملاءمة السوق» بأنها انضباط صارم في التصنيع يقوم على تقديم السيارة المناسبة للمستهلك العادي بالسعر المناسب.
لكن رأس المال الأوروبي في قطاع السيارات فقد هذا الانضباط تدريجياً بعد عام 2010.
فبسبب ضغط أصحاب الريوع الباحثين عن العوائد السريعة وهوامش الربح المرتفعة، تطورت لدى العلامات الأوروبية «نزعة نحو الفئة الممتازة».
وتخلت عن سيارات الهاتشباك الصغيرة، والسيدان الميسورة السعر، وغيرها من الطرازات الجماهيرية، واتجهت إلى سيارات «SUV» ضخمة ومرتفعة السعر لكنها أكثر ربحية.
وأدى الاعتماد على سيارات ذات مبيعات أقل وأسعار أعلى إلى زيادة انفصال الشركات الأوروبية عن المستهلك العادي، كما أضعف قاعدة السوق الجماهيرية الضرورية للحفاظ على منظومة صناعية متكاملة للسيارات.
وتداخل تراجع ملاءمة السوق مع أزمة الثقة بالعلامات التجارية، فترك فجوة ضخمة في السوق الأوروبية.

وفي هذه اللحظة تحديداً، دخلت علامات صينية محلية، مثل: «شيري» و«بي واي دي» بطرازات جماهيرية أكثر تنافسية من حيث السعر، وأكثر تقدماً من حيث التجهيزات التقنية، وسرعان ما ملأت المساحة التي تخلت عنها شركات السيارات الأوروبية التقليدية طواعية.
وباختصار، سحق التقشف الأوروبي بعد عام 2008 الطلب الجماهيري، بينما دفعت نزعة أصحاب الريوع نحو الأرباح الشركات إلى التركيز على سيارات «SUV» الفاخرة مرتفعة السعر.
وبحلول منتصف عام 2026، أصبح النمط الصناعي الجديد واضحاً: أكثر من 45 ٪ من الطاقة الإنتاجية للسيارات في أوروبا باتت عاطلة، بينما تعمل خطوط التجميع المؤتمتة لمركبات الطاقة الجديدة التابعة للشركات الخاصة الصينية الرائدة عند مستويات قريبة من الطاقة المثلى.
أما الشركات المشتركة ذات الاستثمار الأجنبي في الصين، فهي التي تتحمل الجانب الأكبر من مشكلة انخفاض استخدام الطاقة الإنتاجية في السوق المحلية.
خط إنتاج سيارات مؤتمت في الصين
كما قال ويليامز وزملاؤه: إذا لم يسمح تخطيط المصانع ونظام سلسلة التوريد بالحفاظ على استخدام مرتفع للطاقة الإنتاجية، فلن تتمكن الشركات من توزيع تكاليف رأس المال الثابت.
بين عامي 2025 و2026، انخفض استخدام الطاقة الإنتاجية في المصانع الأوروبية إلى أقل من 55 ٪، ما يعني أن كل سيارة تُنتج باتت تتسبب بخسارة فعلية.
وحاولت شركات السيارات الأوروبية معالجة الأزمة عبر التركيز على سيارات «SUV» الفاخرة ذات الهوامش العالية، لكن ذلك أدى إلى مزيد من تقليص السوق الجماهيرية المتاحة لها، وأدخلها في دوامة موت، تجمع بين الإنتاج المنخفض والتكلفة المرتفعة.
خلال عشرة أعوام فقط، انهار معدل استخدام الطاقة الإنتاجية في صناعة السيارات الأوروبية من 85 ٪ إلى 53 ٪. وهذا الرقم هو التعبير الإحصائي المباشر عن أزمة الطاقة وأزمة رأس المال الريعي.
لم تخسر أوروبا لأن خصمها حصل على دعم أكبر، بل لأنها واجهت منظومة صناعية تعمل على نطاق أمثل، وتمتلك بذلك قوة بنيوية صلبة.
تظهر في الصين خصائص النظام الثنائي. فمتوسط استخدام الطاقة الإنتاجية الوطني البالغ نحو 73 ٪ يتعرض للخفض بصورة كبيرة بسبب الشركات المشتركة العريقة ذات الاستثمار الأجنبي، مثل: «سايك فولكسفاغن» و«تشانغان فورد».
وبسبب تخلي المستهلكين عن الطرازات التقليدية، لا يتجاوز معدل استخدام الطاقة لدى هذه الشركات 35.5 ٪.
وفي المقابل، تعمل الخطوط المؤتمتة والمتكاملة عمودياً لمركبات الطاقة الجديدة لدى الشركات الخاصة الصينية الرائدة، مثل: «بي واي دي» و«شيري»، بالقرب من المستوى الأمثل، وبلغ معدل استخدامها للطاقة الإنتاجية عام 2026 نحو 87 ٪.
ولا تحتاج هذه الشركات إلى ضخ حكومي مصطنع لإبقائها حية. فالتصميم المتفوق للعمليات، الذي يجمع بين خلايا البطاريات المطورة داخلياً، وهندسة مركبة موحدة تقوم على البرمجيات، وأتمتة مرنة للورش، يسمح لها باستمرار توزيع تكاليف التشغيل الثابتة، ومواجهة الحواجز الجمركية الأجنبية بسهولة.

 

-3_result


أسعار الكهرباء..الكلفة القاتلة للصناعة


لفهم سبب انهيار الصناعة الأوروبية تحت هذه الضغوط، ينبغي النظر إلى الحسابات الاقتصادية الموجودة خلف شبكة الكهرباء.
استقرت أسعار الكهرباء الصناعية في أوروبا عند مستويات مرتفعة بنيوياً، وأصبحت تعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف الأسعار المرجعية في الصين وأمريكا.
وفي كثير من النقاشات الاقتصادية الكلية السائدة اليوم، تُعامل تكلفة الطاقة بوصفها متغيراً ثانوياً، مع الاعتقاد بإمكان تعويضها عبر تحسين كفاءة استخدام الطاقة. لكن هذا يمثل سوء فهم خطير للمنطق الفيزيائي الأساسي للصناعة.
فالكهرباء باهظة الثمن قاتل مباشر للقدرة التنافسية الصناعية، وتأثيرها في الأسعار يشبه ضريبة تصاعدية تُفرض في كل مرحلة من مراحل سلسلة القيمة.
لنأخذ مثال سلسلة إنتاج سيارة كهربائية حديثة أو آلة صناعية.
لا يبدأ الإنتاج في ورشة التجميع المؤتمتة، بل في أفران القوس الكهربائي شديدة الحرارة التي تصهر الفولاذ وتشكّل الألمنيوم الهيكلي.
ثم تنتقل المواد إلى منشآت المعالجة الكيميائية، حيث تُفكك المواد الخام البوليمرية وتُصنع الأجزاء البلاستيكية الداخلية.
بعد ذلك تنتقل المكونات إلى الغرف النظيفة في مصانع أشباه الموصلات.
وتحتاج هذه المصانع إلى تشغيل أنظمة ضخمة للتدفئة والتهوية وتكييف الهواء بلا توقف، لتصفية الهواء حتى مستويات ميكرونية.
وتظهر القيود الناتجة عن ارتفاع أسعار الكهرباء بأوضح صورة في تصنيع بطاريات الدفع.
فإنتاج بطاريات الليثيوم أيون، وبطاريات فوسفات الحديد والليثيوم، يعتمد على عمليات كهروكيميائية عالية الاستهلاك للطاقة.
وتحتاج عمليات خلط العجينة، والطلاء المستمر بواسطة الأسطوانات- والأهم من ذلك: مرحلة «تكوين البطارية» - إلى إمدادات كبيرة ومستقرة ومتواصلة من الكهرباء الأساسية.
وتستغرق عملية تكوين البطارية أياماً من الشحن والتفريغ المتكرر بلا انقطاع، من أجل تثبيت الخصائص الكيميائية للخلايا، ولذلك تستهلك كميات هائلة من الكهرباء.
يدفع المصنع الأوروبي 150 يورو لكل ميغاواط ساعي من الكهرباء، بينما يدفع منافسه الصيني 45 يورو فقط.
وهذا الفرق في التكلفة لا يظهر مرة واحدة فقط. فالمنجم، ومصهر المعادن، وشركة التكرير، ومورد المكونات، ومصنع التجميع النهائي، كلها تتحمل فارق الكهرباء.
وبحلول وصول المكونات المختلفة إلى مصنع السيارات الأوروبي، تكون ضغوط التكلفة قد انتقلت عبر طبقات سلسلة التوريد وتراكمت وتضخمت. وهكذا تُفرغ منظومة الموردين بأكملها من الداخل.
فالموردون المحليون من المستويين الأول والثاني، لا يستطيعون تحمل فجوة في تكلفة الطاقة تصل إلى 300 ٪، ولا يمكنهم ببساطة مواصلة العمل.
يمكن لبروكسل وضع سياسات تجذب رأس المال الصيني للمساعدة في إعادة بناء أوروبا. أو يمكنها الوقوف متفرجة، بينما يُعاد تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي من دون أي مشاركة أوروبية.

*بروفسور في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا في أستراليا، ومستشار سياسات سابق لرئيس الوزراء الأسترالي كيفن رود

معلومات إضافية

العدد رقم:
1291