ليبيا تعود إلى الواجهة لكن بتنسيق مصري-تركي
تتسارع التطورات في المشهد الليبي بصورة لافتة، ويبدو أن المحرك الأساسي لهذا الحراك هو المبادرة الأمريكية بقيادة مسعد بولس، المستشار الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، والتي تسعى إلى دفع القوى المتنافسة في شرق ليبيا وغربها نحو صيغة جديدة لتوحيد السلطة والمؤسسات العسكرية والأمنية. غير أن المبادرة الأمريكية لا تبدو مجرد محاولة لإنهاء الانقسام الليبي، بل جزءٌ من إعادة ترتيب أوسع لموازين النفوذ في بلد يحتفظ بأهمية استثنائية في سوق الطاقة وفي الحسابات الأمنية الأمريكية في شمال أفريقيا والساحل.
بينما تقوم المقاربة الأمريكية على التعامل مع مراكز القوة الموجودة فعلياً ومحاولة جمعها في صيغة واحدة، فإنها في المقابل أثارت مخاوف من تكريس نموذج جديد من «العائلية السياسية»، عبر منح عائلة حفتر دوراً مركزياً في الشرق والإبقاء على عائلة الدبيبة في موقع مؤثر في الغرب. والمفارقة أن هذه المبادرة، التي تبدو مصمَّمة لتثبيت تسوية سريعة، دفعت في الوقت نفسه القوى الليبية والإقليمية إلى التحرك بصورة أسرع، خشية أن يتم رسم خريطة ليبيا الجديدة من دونها.
الجميع يبحث عن دور في ليبيا الجديدة
لم تقف القوى الإقليمية أمام التحرك الأمريكي متفرجة، بل يبدو أن المبادرة دفعت مصر وتركيا، ومعهما قوى إقليمية أخرى، إلى زيادة التنسيق ومحاولة التأثير في شكل التسوية المقبلة. فالقاهرة وأنقرة تشتركان في إدراك أن استمرار الانقسام الليبي يحمل مخاطر متزايدة، وأن أي تسوية جديدة يجب ألّا تسمح لقوة واحدة، بإعادة تشكيل التوازنات من دون أخذ مصالحهما في الاعتبار. وضمان عدم انفجار الصراع بشكل أعنف لاحقاً.
وفي هذا السياق، اكتسب التحرك التركي أهمية خاصة. فقد انتقلت أنقرة خلال الأشهر الماضية إلى سياسة أكثر انفتاحاً على الشرق الليبي، في محاولة واضحة للحفاظ على قنوات الاتصال مع جميع القوى القادرة على التأثير في مستقبل البلاد. والتقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في تموز بصدّام حفتر في أنقرة، هذا التواصل يسمح لأنقرة بالحضور في أي تسوية مستقبلية، ويمنع تحويل التسوية الأمريكية إلى ترتيب يستبعدها. وهذا يفسر لماذا أصبحت السياسة التركية تقوم بصورة متزايدة على التواصل مع الشرق والغرب ومع جميع الجهات الفاعلة في الوقت نفسه، بدلاً من الرهان على طرف واحد.
والأهم أن التنسيق التركي المصري بدأ يأخذ بُعداً أكثر وضوحاً في الملف الليبي. ففي تموز بحث وزيرا الخارجية المصري والتركي الملف الليبي، وأكدا دعم وحدة ليبيا وسيادتها ومؤسساتها، مع التشديد على استمرار التشاور والتنسيق بين البلدين.
المسار الليبي: استثمار الضغط الأمريكي بدل الخضوع له
في المقابل، بدأت القوى والمؤسسات الليبية نفسها تتحرك لمنع احتكار الخارج لمسار التسوية. ففي حزيران اتفقت المؤسسات الليبية الثلاث الرئيسة؛ مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، على خارطة طريق تقود إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة في موعد أقصاه 17 شباط 2027، مع خطوات تتعلق بتوحيد المؤسسات السيادية وإدارة المرحلة الانتقالية.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة: المبادرة الأمريكية التي يُنظر إليها في ليبيا باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج النخب القائمة قد تكون في الوقت نفسه دفعت هذه النخب إلى تسريع البحث عن صيغة سياسية تمنحها شرعية مختلفة. فكل طرف يخشى أن يفقد موقعه في الخريطة الجديدة، ولذلك أصبح التحرك السياسي ضرورة أكثر منه خياراً. وهذا يعني أن المعركة الحالية ليست فقط حول قبول المبادرة الأمريكية أو رفضها، وإنما حول القدرة على تعديلها وتحويلها من صفقة بين مراكز القوة إلى مسار سياسي أوسع.
عندما تدخل الفوضى على خط التسوية
هذا النشاط السياسي يجري في بيئة أمنية شديدة الهشاشة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه القوى الدولية والإقليمية عن توحيد المؤسسات، عادت منشآت الطاقة في غرب ليبيا لتصبح هدفاً لهجمات متتالية بطائرات مسيّرة. فقد استهدفت الهجمات مجمع الزاوية النفطي، وأدت إلى اشتعال خزانات وقود، قبل أن تمتد الهجمات إلى منشآت كهربائية في المنطقة. كذلك تسبب هجوم على محطة جنوب الزاوية في خروج أكثر من 700 ميغاواط من أصل 1300 ميغاواط من قدرة محطة الكهرباء عن الخدمة،
وفي الشرق، جاء اغتيال اللواء فوزي المنصوري، أحد كبار المسؤولين في الاستخبارات العسكرية التابعة لمعسكر حفتر، بسيارة مفخخة في بنغازي ليضيف طبقة أخرى من التوتر إلى المشهد. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الاغتيال، ولذلك سيكون من المبكر الجزم بدوافعه أو ربطه مباشرة بالصراع على خطوط الإمداد نحو السودان، لكن توقيته وموقع الرجل السابق في سبها يفتحان الباب أمام تساؤلات حول التنافس على الجنوب الليبي وشبكات النقل والتهريب والإمداد العابرة للحدود.
من يكتب شروط التوحيد؟
تبدو ليبيا اليوم أمام سباق حقيقي على شكل التسوية المقبلة. فالولايات المتحدة تريد توحيد البلاد عن طريق تقاسم النفوذ والسلطة، لضمان مصالحها في الطاقة والضغط على نفوذ روسيا. ومصر وتركيا لا تريدان تعطيل هذا المسار بقدر ما تريدان التأكد من ألّا يتحول إلى تسوية تضر مصالحهما. أما القوى الليبية، فتحاول كل منها ضمان مكانها في الخريطة التي يجري رسمها.
ولهذا فإن المبادرة الأمريكية قد تكون حققت نتيجة عكسية جزئياً؛ فبدلاً من دفع الأطراف إلى قبول صفقة جاهزة، دفعتهم إلى التحرك بصورة أسرع لبناء مساراتهم الخاصة. وهذا ما يفسر التقارب التركي مع الشرق، والتنسيق المصري التركي، وخارطة الطريق التي طرحتها المؤسسات الليبية، واستمرار الدفع الدولي نحو انتخابات وتوحيد المؤسسات.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291
معتز منصور