نقص مخزون الأسلحة الأمريكية... خسارة الحرب استراتيجياً
أثارت مسألة نقص مخزونات الأسلحة والذخائر الأمريكية جدلاً واسعاً، ووضعت تساؤلات جدّية حول مدى قدرة الولايات المتحدة على خوض الحروب المباشرة، كما أنها عكست مشكلة وثغرة استراتيجية كبرى يمكن لخصوم الولايات المتحدة الاستفادة منها... وتعني بخلاصتها أن الولايات المتحدة هُزمَت منذ الآن.
أفادت تقارير عدة، وتحديداً منها الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، عن نفاد كميات كبيرة من مخزونات الصواريخ الاعتراضية والهجومية بعد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على إيران، فوفقاً لتقديرات مختلف التقارير، بلغت نسبة استنزاف الصواريخ الموجهة الدقيقة PrSM من المخزون الكلّي للولايات المتحدة ما بين 45% إلى 80%، وصواريخ ثاد الاعتراضية ما بين 50% إلى 80%، وصواريخ باتريوت للدفاع الجوي نحو 50%، وصواريخ توماهوك الجوالة 30% إلى 50%، وصواريخ أتاكمس ATACMS نحو 80%، فضلاً عن غيرها.
إلّا أنّ جوهر المشكلة يكمن في مدى إمكانية تجديد هذه المخزونات، حيث تشير التقديرات إلى أنّ ما جرى استنزافه حتى الآن يحتاج ما لا يقل عن ثلاث أو أربع سنوات بالمتوسط لتعويضه، بين عام أو اثنين على الأقل لبعض الذخائر التي تعتبر سرعة إنتاجها متوسطة مثل باتريوت وتوماهوك، وحتى 6 أو 7 سنوات لصواريخ أخرى يعد إنتاجها بطيء مثل ثاد وأتاكمس.
ويُعزى بطء الإنتاج هذا إلى أسباب عدة، منها العدد المحدود لشركات ومعامل الدفاع النشطة في الولايات المتحدة، والتي تقلصت خلال العقود السابقة من العشرات إلى قرابة 5 شركات رئيسة (احتكارية) وهي ما تُدعى عادة بالمجمَّع الصناعي العسكري الأمريكي، وعمل هذه الشركات وفق منطق الاستثمار والربح، مما يشترط وجود عقود سنوية موقعة آمنة ومستقرة قبل بدء الإنتاج، واعتماد الأسلحة والذخائر المتطورة والحديثة على مواد أولية يعد استخراجها وتهيئتها للصناعة بحد ذاتها عملية بطيئة، معظمها يجري استيراده من الخارج، ومن أهمها بعض المعادن النادرة التي يجري استيرادها من الصين بالدرجة الأولى، فضلاً عن تباين بطء ومحدودية إنتاج محركات الصواريخ عن بقية مكونات هذه الصواريخ أياً تكن أنواعها، بمعنى أن عدة أنواع من الصواريخ تتنافس على إنتاج محركات الصواريخ نفسها، بالإضافة للعوامل البيروقراطية التقليدية من تجارب وتراخيص وموافقات لكل عملية إنتاجية، والتكلفة المالية الضخمة لها.
ثغرة قديمة ظهرت الآن
لم يظهر هذا الخلل الخطِر في النموذج الأمريكي للإنتاج الدفاعي والعسكري خلال العقود السابقة، بل منذ أواخر الحرب الباردة وحتى الحرب على إيران، ذلك أن الولايات المتحدة أساساً لم تخض حرباً حقيقية بمواجهة قوة كبيرة قادرة على مجابهتها وفرض حرب استنزاف عليها كما جرى مع إيران.
فضلاً عن وجود تغييرات في أشكال الحرب نفسها حيث بات عدم التكافؤ نفسه يميل لصالح الطرف المصنَّف أنه «الأضعف» وفقاً للمعايير التقليدية، فالأسلحة والذخائر الرخيصة والسريعة الإنتاج، من مسيّرات وصواريخ اعتراضية أو هجومية، بات لها اليد العليا شرط تمكُّن هذا الطرف من تحمّل ضربات خصمه السريعة والخاطفة بأسلحته التقليدية.
قبل إيران، كانت آخر مواجهة عسكرية مباشرة وواسعة قامت بها الولايات المتحدة، هي في العراق 2003. حينها، اعتمدت مبدأ «الصدمة والرعب» الذي كانت تعمل به عموماً منذ الحرب الباردة، بشن ضربات كبيرة وخاطفة لشلّ الخصم ودفعه إلى الانهيار بسرعة، ممّا يمهّد للغزو البرّي الذي يتبعها.
وقد اتبعت هذا المبدأ نفسه في ضرباتها على إيران؛ أكثر من ألف هدف في أسبوع، اغتيالات سريعة وخاطفة، وتدمير واسع النطاق، لكن لم ينتج عنها شيء يذكر، لا صدمة ولا رعب ولا شلل أو انهيارات، وتحوّل الأمر إلى حرب استنزاف غير متكافئة لمصلحة إيران، لتدمّر بمسيراتها وصواريخها القليلة التكلفة والسريعة الإنتاج القواعدَ والرادارات العسكرية الأمريكية في المنطقة، بعدما فرضت على الولايات المتحدة اعتراض هذه الأسلحة بصواريخها المرتفعة الكلفة والبطيئة الإنتاج إلى أن نفد مخزونها في المنطقة واضطرت مثلاً، إلى استحضار منظومات باتريوت من كوريا الجنوبية إلى منطقة الخليج، وتحويل صواريخ باتريوت كانت مخصصة لأوكرانيا إلى «إسرائيل» والمنطقة، واستحضار سفن حربية مجهزة بمنظومات دفاعية من عدة نقاط بعيدة... ثم بدأت التسريبات تظهر عن وجود نقص خطِر بهذه الذخائر عموماً، وليس فقط في منطقة غرب آسيا.
المعسكر الغربي خسر الحرب
هذه المشكلة لا تؤثر على جبهة المواجهة مع إيران وحدها، رغم أهميتها، إلا أن الخصمين الاستراتيجيين الأكبر للولايات المتحدة هما روسيا والصين، وثغرة كهذه تضعف موقف الولايات المتحدة بشكل «خاطف» غير مسبوق أمامهما، فضلاً عن أن المسألة لا تتعلق فقط بالمواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة، وإنما مع حلفائها أيضاً كاليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية وأوكرانيا والدول الأوروبية (الناتو) التي تعتمد بدرجة كبرى على الإنتاج العسكري الأمريكي.
فيمكن القول، نظرياً، إنّ بإمكان الصين فرض استنزاف لشهر أو اثنين لهذه المخزونات في تايوان وما حولها. والأمر نفسه ينطبق على الدول الأوروبية بمواجهة روسيا... وكلٌّ من الصين وروسيا قدرتُهما أعلى بكثير على تحمّل أية ضربات بالمقارنة
مع إيران التي لم تكن أساساً في وضع نموذجي... مما يعني، مسبقاً، أن المعسكر الغربي قد خسر هذه الحرب منذ الآن عملياً، إلا أن ما يجري المناورة حوله والتحوّط منه هو مخاطر الأسلحة النووية التقليدية أو التكتيكية أو القذرة.
وهم الإصلاح
تدّعي الولايات المتحدة أنه بمقدورها إصلاح هذه الثغرة عبر إجراءات مختلفة منها ببساطة زيادة الإنتاج عبر الشراكة الحكومية مع شركات الصناعات العسكرية لتخفيف مشكلة العقود، أو تغيير مواصفات بعض الصواريخ مثل باتريوت لإنتاج نموذج يشابهها ويؤدي وظيفتها يكون أقل كلفة وأسرع إنتاجاً بمقدار النصف.
إلا أن كلاً من الأمرين لا يحلّان أساس المشكلة، وهو أنها محكومة بمواد أولية محددة معظمها من المعادن النادرة المستوردة من الخارج، وبطء عملية الإنتاج نفسها، التي يتطلب حلها إنشاء معامل صناعية عسكرية جديدة بخطوط إنتاج أكثر، وهو بدوره يحتاج سنوات لإنجازه.
وهذا بافتراض أن الولايات المتحدة وحلفاءها المستورِدين من شركاتها، لن يخوضوا حرباً خلال السنوات المقبلة، مما يرمم ما جرى استنزافه ويبدأ بإنتاج احتياطي يتراكم، أي لا حرب مع إيران، ولا حرب لـ «إسرائيل» ولا لـ «أوكرانيا» ولا لأي منطقة أخرى.
ما سبق، ومن وجهة نظر عملية، ينبغي أن يدفع الولايات المتحدة إلى تغيير جذري نحو اعتمادها بشكل أكبر على المسيّرات والصواريخ المنخفضة الكلفة والسريعة الإنتاج والتي لا تعتمد على المعادن النادرة والإنتاج المعقد، إلا أن هذا الأمر يتناقض مع منطق الربح الأقصى الذي يحكم شركات الصناعات العسكرية الأمريكية، فضلاً عن أنه يؤدي في نهاية المطاف إلى انتهاء التفوق العسكري الأمريكي بالأسلحة التقليدية وتصبح مكافئة لغيرها، وهنا المعضلة؛ إنها وبكلا الحالتين، باتت خاسرة في حروبها الخارجية، وأعلى قدراتها تصبح كغيرها: إمكانية حماية أراضيها فقط.
كما ينبغي أن يدفع حلفاءها نحو تطوير صناعاتهم العسكرية محلياً، وهو ما يؤدي إلى المعضلة السابقة نفسها زمناً ونتيجةً، أو إيجاد بدائل؛ موردين أسرع وأقل تكلفة كالصين وروسيا وحتى تركيا وإيران، وهو ما يشترط علاقات جيدة، ويعني عملياً، الاستسلام.
لم تعلم الإدارة الأمريكية مسبقاً؟
يروَّج إعلامياً أن الإدارة الأمريكية ودونالد ترامب، لم يكن لديهم صورة واضحة ومكتملة عن هذه المشكلة، وأن ترامب غضب بشدة من هذه التسريبات مهدداً بمحاسبة ومحاكمة من يقوم بها.
لكن، ورغم الشكّ بصحة الادعاء السابق، إلا أنه لا يغير من حقيقة أن الولايات المتحدة محكومة بمحاولة تحقيق أهدافها بحصار كل من الصين وروسيا بشكل سريع وعاجل تمهيداً لهزيمتهما، فسواء كان للإدارة الأمريكية معرفة من عدمها بهذه المشكلة، إلا أنها مضطرة بالضرورة على خوض هذه الحروب المباشرة أو بالوكالة في أقرب وقت، وإلا فإن هيمنتها ونفوذها الخارجي بأسسه الثلاثة، العسكري والدولار والبترودولار، يتآكل أمام عينيها وصولاً إلى نقطة اللاعودة.. وعليه، ورغم هذه المشكلة، من غير المستبعد أن نشهد جولة مواجهة عسكرية جديدة، يائسة، بات ترامب يهدد باستخدام «القنابل القذرة» خلالها على إيران.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291