الموت برداً في تراث السوريين

الموت برداً في تراث السوريين

اكتشف قدماء السوريين منذ قديم الأزمة أن البرد يسبب الوفيات، ولسنا بصدد مناقشة الجانب العلمي من الموضوع، بل ما جاء في التراث السوري الشفهي، في الحكمة الشعبية المتوارثة أباً عن جد، وانتقلت هذه الخبرة عبر الأجيال حتى اليوم.

جاء في كتاب المؤرخ سلامة عبيد «أمثال وتعابير شعبية من السويداء- سورية» الصادر عن وزارة الثقافة عام 1985 بعض الأمثلة والحكم الشعبية التي تدل على معرفة السوريين حول قضية الموت برداً. وقد قضى المؤرخ سلامة عبيد أكثر من عشرين عاماً في تأليف هذا الكتاب وجمع الأمثلة والحكم الشعبية التي توارثها الناس في جبل العرب.
شباط دفّان العجائز: هو مثل شعبي توارثه الناس شفاهاً. وبالتأكيد فإن هذه المعرفة جاءت بعد ملاحظة ومراقبة طويلة ليستطيعوا تقديم نتيجة وهي أن شهر شباط البارد تكثر فيه الوفيات وخاصة بين كبار السن. راح شباط وفي ذيله مخباط: وتقول ذلك العجوز التي تعيش بعد شهر شباط. سلامة عبيد، أمثال وتعابير شعبية من السويداء- سورية، ص 247. يدل هذان المثلان أن هناك موجة وفيات في شهر شباط «يحدث حالياً».
كما أن أحد معاني أعياد الربيع عند شعوب الشرق منذ أسطورة عشتار تضع الحياة مرادفاً للربيع في إشارة إلى أن ما قبل الربيع يعني الموت. ومن أعياد الربيع المشهورة عيد أكيتو عند السومريين والبابليين والكلدانيين والآشوريين وغيرهم. وعيد النوروز عند العديد من شعوب الشرق مثل الفرس والطاجيك والكرد والمصريين والآذربيجانيين والقرغيز وغيرهم. بالإضافة إلى عيد الخليقة عند بعض الشرقيين. وعيد الربيع عند الرحل الكرد الجبليين «بران بردان». وعيد الربيع عند القبائل المشاعية الروسية «قبل نشوء الدولة»، وهذا الأخير يشبه طقوس عيد النوروز كثيراً من إشعال النار وعقد الرقصات والدبكات والاحتفالات في الطبيعة احتفالاً بقدوم الربيع ونهاية الشتاء البارد.
ومن الأمثلة الشعبية السورية عن البرد والشتاء: البرد سبب كل علة والدفا عفا. النار فاكهة الشتاء. برد تشارين أحد من ضرب السكاكين. في كانون كن ببيتك وكتر خبزك وزيتك. وفي كانون الأصم أقعد ببيتك وانطم (أي لا تغادر المنزل في إشارة إلى ضرورة الحماية من البرد والصقيع. خبّي فحماتك الكبار لعمك آذار، في إشارة إلى ضرورة وجود التدفئة الجيدة أثناء برد الشتاء.
وإذا أضفنا إلى هذه الأمثلة ما أورده سلامة عبيد في كتابه: شباط دفان العجائز. راح شباط وفي ذيله مخباط. نستطيع القول إن السوريين القدماء قد فهموا دورة البرد وعرفوا خطورته. ودل على ذلك مجموعة الأمثال الشعبية والحكم والأساطير والحكايات التي توارثها الناس شفاهاً. أي الحكمة الشعبية التي أنتجتها التجربة المريرة، فصارت نقطة علام في الوعي الشعبي عند الناس.
وعرف قدماء السوريين ضرورة توفر الغذاء الجيد لمقاومة البرد مثل الحكمة الشعبية التالية: في كانون كن ببيتك وكتر خبزك وزيتك. وهذا يعني أن الفقير الذي لا يستطيع تأمين الغذاء الضروري كان عرضة للموت في برد الشتاء. من ناحية أخرى فإن اسم شهري كانون الأول والثاني جاء من اسم مدفأة طينية سورية قديمة استخدمت لمدة طويلة في التدفئة: الكانون أو الكانونة. وهذا يعني أن بسطاء السوريين ومنذ قديم الأزمنة يعرفون ماذا سيحدث للإنسان في الشتاء إذا عجز عن تأمين الغذاء والتدفئة. وهذا ليس بالجديد على وعي الناس الشعبي الذي يحاول البعض التشكيك فيه.
من ناحية أخرى، قسم قدماء السوريين خمسينية الشتاء إلى أربعة أقسام، والقسم الأول منها يدعى سعد ذبح الذي يبدأ في الأول من شباط. ويحدث فيه البرد الشديد والقاسي. وقيل فيه المثل الشعبي التالي: سعد ذبح كلبو ما نبح وفلاحو ما فلح وراعيه ما سرح. ويستمر سعد ذبح حتى تاريخ 12 شباط.
وعندما بدأ الإنسان القديم البدائي في الانتقال إلى التغذية اللحمية وارتداء الملابس وصنع المساكن الأولى في التاريخ بالإضافة إلى اكتشاف النار واستخدامها، كان يهدف إلى مقاومة الشتاء البارد ومقاومة العصور الجليدية واستطاع النجاة منها عبر تأمين ظروف البقاء. أي إن هذا الموضوع ليس جديداً على الإنسان بشكل عام. لذلك فإن اللف والدوران الإعلامي لا يستطيع خداع عقل السوريين.
وإذا ما طرحنا سؤالاً من وحي الموضوع: ماذا سيحدث للمفقرين السوريين على امتداد البلاد في ظل التناقص الكبير في مستواهم المعيشي وفقدانهم لحقهم في الغذاء الجيد والتدفئة الجيدة؟
هل نقف أمام إبادة بطيئة أو إبادة قد بدأت تتسارع بسبب الفقر والبرد والجوع والمرض لكبار السن والصغار على حد سواء.
الجواب عند التراث السوري القديم وعند التراث الشرقي عموماً، فالخبز والزيت رمزا الغذاء في الحكمة الشعبية في تناقص مستمر عند غالبية الناس والفحمات الكبار رمز التدفئة في تناقص مستمر هي الأخرى. وكأن التراث السوري القديم يحذّر من مغبة من رفع الدعم وما سيفعله ذلك بالناس إذا تناقص الخبز والزيت والفحمات الكبار. ومن جهة أخرى، فإن علم الطب يعترف بحدوث وفيات في فصل الشتاء هي الأكثر عن باقي فصول السنة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1057