أوراق خريفية.. «عمل ثاني ...»

جلسا على الشرفة معاً يشربان الشاي عند العصر ككل يوم.. تناول رشفة شاي من كأسه فأحسّ أنها ينقصها بعض الحلاوة، فأضاف إليها قليلاً من السكر وقال لزوجته:

■ أيه... هل سيأتي يوم لا نشرب فيه الشاي إلا مع العسل؟

●● (اعتبرت سؤاله تحرشاً بها من أجل خلاف يجب أن يتم ككل يوم أيضاً) طبعاً إذا بقيتَ مكتفياً بهذا الراتب الهزيل... لن تشرب الشاي مستقبلاً حتى مع السكر! هذا إذا كان بمقدورك شرب الشاي من أصله..

■ طيب والحل ؟

●● مئة مرة قلت لك عوضاً عن قضاء وقتك بمتابعة التلفزيون والثرثرة بالسياسة مع أصحابك... اذهبْ وفتشْ عن عمل آخر يقينا غائلة الحاجة والعوز والشحار... 

■ وكم مرة قلت لك بأن نسبة البطالة في مجتمعنا تزيد عن الـ 20% فكيف لي أن أجد عملاً آخر (متبرماً بصوت خفيض) وكأن العمل ناطرني على الباب...!

●● يا أخي تلحلحْ.. تحرّك!... لربما يتحنّن الله عليك..

■ ولكْ إنت ما بتفهمي؟ مئة مرة قلت لك بأن العمل يحتاج إلى رأسمال وأنا ما معي...

●● ما شرط أي عمل بدّو رأسمال..

■ بدّك ياني أشتغل أجير عند العالم؟

●● شو بينقصْ منك..؟

كرع كأس الشاي دفعةً واحدة وبدأ يقلّب صحيفة ملقاة إلى جانبه.. متشاغلاً بها حرصاً على عدم إثارة مشكلة جديدة معها. مفكراً بالوقت نفسه بأنه لن يمضي هذا الليل إلا وقدحسم أمره بعمل ما يكون عدد المنافسين له قليلاً ولا يحتاج إلى رأسمال.. 

صبيحة اليوم التالي أيقظ زوجته من النوم قبل أن يذهب إلى الوظيفة وقال لها:

■ وجدتها.. وجدتها!

●● (فركت عينيها مبسملةً) خير إنشاالله؟

■ سأعمل مطهراً!.... طوال الليل وأنا أفكر بعمل لا يحتاج إلى رأسمال وأخيراً وجدته! يا ستّي  دقائق معدودات من التعامل مع (حمامة) الوليد الجديد وأتقاضى أجراً مجزياً (كزّ على أسنانه مغتبطاً وبدأ يمازح زوجته بحركات سريعة متلاحقة  بأن مدّ يده إلى بعض المناطق المفترض التعامل معها ليلاً وليس صباحاً! فأبعدته مؤنبة بأنه ليس شاطراً إلا بهذه الشغلة).

علّق على باب بيته كرتونة خطط عليها عبارة أنيقة «المطهر القانوني أبو عبدو»!

أخبر جميع زملائه بعمله الثاني الذي سيقوم به من الآن فصاعداً. 

في اليوم التالي اشترى «العدة» اللازمة لعمله الجديد. وعند الظهيرة وبنفس اليوم حضر على حين غرّة موظفو المالية والضرائب وطلبوا منه وثيقة الترخيص بهذه المهنة وضريبة الإعلان عنها..!

حلف بأغلظ الأيمان أنه لم يزاول المهنة بعد! وأنه لم يمسّ حمامة أيّ صبي مذْ كان ابنه صغيراً عندما كان يحفّضه أثناء غياب زوجته!

لم ينفعه كل هذا الشرح والتوضيح!

مدّ يده إلى الكرتونة ومزّقها ألف قطعة وصرخ بهم مهدداً بأنه ما لم يرحلوا فسوف يضرب رأسه بالحائط حتى يفجّه ويتهمهم بالاعتداء عليه ! تطلّعوا بوجوه بعضهم مبتسمين... وانصرفوا.

سارع باتجاه زوجته وأقسم لها يميناً أنها إذا لمّحت له مستقبلاً مجرد تلميح ، بضرورة البحث عن عمل ثانٍ فالويل والطلاق لها!

ضحكت زوجته وقالت له: فعلاً إنك مهبول! ثم لم تقل لي؟ من أين لك خبرة التطهير حتى تعمل بهذه المهنة؟

هدأ قليلاً وأجابها: بصراحة كنت سأحصل على إجازة بلا أجر لمدة ثلاثة أشهر وأذهب إلى الصومال وأتعلّم هناك و...

قاطعته زوجته متسائلة: ومن أين لك أجرة السفر إلى الصومال؟! (مدمدمةً بينها وبين نفسها) الله يثبّت علينا العقل والدين..

لم يحر جواباً وخيّم صمتٌ قصير، عبثت به أحاسيس شتى. وجد نفسه محاصراً يائساً مشوش الذهن مشتت التفكير... فألقى بجسده الحيران على الكرسي واغرورقت عيناه، لكنه لم يسفح منهما دمعة واحدة. وقال لها: ولكْ الله يلعن أبو الفقر وساعته...

وقرر في نفسه أن يمعن التفكير مجدداً بالبحث عن عمل ثانٍ ، لا يحتاج إلى رأسمال، ويكون عدد المنافسين له قليلاً!... 

 ■ ضيا اسكندر - اللاذقية

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.