عبد المعين الملوحي «زيتونة الشام»

الكتابة عن الإبداع والمبدعين شيقة وشاقة. مهما كتبت في هذا المجال تبقى لآلئ الإبداع تغويك، وتدعوك للبحث في أسرارها الكامنة... ولعل شيخ الأدب عبد المعين الملوحي في طليعة هؤلاء المبدعين، الذين كتب عنهم، وستستمر الكتابة عن أعمالهم، لأنّها ثروة وطنية حقيقية... والأديب والشاعر الموسوعي عبد المعين الملوحي غني عن التعريف، تعرف به أعماله المنشورة التي تفوق التسعين كتاباً في مختلف صنوف الأدب من شعر، ونثر، وتحقيق تراث، وترجمة...

ولعل الكاتب العربي الحر هادي العلوي خير من عرف خصال الإنسانية والإبداع، والتواضع التي تميز شاعرنا، وعبر عنها خير تعبير في مقدمته لكتابنا "أمير شعراء الرثاء"، فكتب تحت عنوان "زيتونة الشام": "كان اسمه من الأسرار التي نخفيها عن أعين الشرطة. في أواسط الستينات اعتقل العارفيون صديقي الكردي محمد ملا كريم وكانت في منزله مجموعة كبيرة من المدونات والكتب اليسارية الماركسية التي صدرت قرارات انقلابيي شباط بمنعها... وكان من بينها كتابان عليهما ذلك الاسم، وهما "دور الأفكار التقدمية في تطور المجتمع"، وكتاب لمكسيم غوركي نسيت عنوانه. وعندما التقيت بعبد المعين الملوحي في عاصمة الصين ـ تذكرت الاسم السري حين قرأت على وجه ذلك الكهل الوقور القادم للتو من منابت الزيتون إلى بلاد التاو. وقلت في نفسي أتراهم يخافون من الوجوه الوديعة؛ ترى أين سيعيشون بالأمن ومتى"...

سأحاول في هذا المقال تسليط الضوء على جانب من جوانب إبداع شاعرنا، لم ينل حقه في التعريف به، ألا وهو أعماله الشعرية الكاملة، وبشكل خاص ما لم ينشر منها...

أسهمت قصيدة "بهيرة" التي يرثي فيها شاعرنا زوجته، إسهاماً بعيداً في شهرته والتعتيم عليه بآن معاً، وأعتقد أنّ قسماً كبيراً من شعره لم يأخذ حقه بسبب شهرة هذه القصيدة التي كسفت بقوتها وبهائها كل ما كتب قبلها...

أبهيرتي! قالوا لنا: ما هكذا عرف الرثاء

قولي لهم: بل إنّه نار بها احترق  البكاء

كم ثائر للكبرياء بكت عليه الكبـريـاء

الحقد مثل النار، يأكله وتلعنه السمــاء

واكتفى المهتمون بالأدب بإيراد مقطوعات من هذه القصيدة العصماء، ولم يذكروا من شعره الآخر إلاّ القليل..

من المعروف أنّ الملوحي بدأ نظمه الشعر بالرثاء، فكانت أول قصيدة يكتبها "إلى غادة" التي يرثي فيها تلك الحسناء التي قتلها أهلها الأرستقراطيون لأنّها أحبت البستاني وتزوجته، ثم رثى في شبابه أخويه عبد الباسط الأول، والثاني، اللذين ماتا ولم يتجاوز أي منهما الثانية عشرة:

يا أخي أين أنت؟ ما لك لا تســ..

..ـمع صوتي؟ وكنت طوع بناني

لا تقولوا صِف الربيع فما أبــ..

.. ـعد وصف الربيع عن  ديواني

جمالك يا دنيا يثير متــاعبي...

.. وربّ جمال كان عون النوائب

وتتالت قصائد الرثاء لأصدقائه وذويهم وغيرهم من الشعراء والمناضلين... حتى تجاوزت قصائد الرثاء التي نظمها 26 قصيدة، ويتجاوز عدد صفحاتها 200 صفحة من القطع الكبير... من يتمعن بموضوعية في قصائد الرثاء التي كتبها الملوحي خاصة "بهيرة" و"ورود" و"عبد المعين الملوحي يرثي نفسه" من الناحية الفنية، والفكرية، والموسيقية، والموسوعية الشاملة  التي تمتاز بها، لا يريبه أدنى شك في أنّه أمير لشعر الرثاء على الصعيد العالمي بلا منازع على الإطلاق...

من الأبطال الأوائل الذين رثاهم شاعرنا الشهيد يوسف العظمة:

قضيت شهيداً شامخ الرأس كاتباً

بموتك للأجيال ملحمة كبرى

ولفلسطين والفلسطينيين مكان خاص في مهجة كل حر، فهم أصل المناعة الأولى في مقاومة العرب والإنسانية للصهيونية العنصرية... وشاعرنا لسان حال الأحرار:

احفروا   في ربى فلسطين قبري

في خليل الرحمن بين الكروم

قد سئمت الحياة نفياً وقهــــراً

فعساني في القبر ألقى نعيمي

عند الحديث عن شعر الرثاء، لا يمكن تجاهل الملاحم الخالدة "بهيرة"، و"ورود"، و"عبد المعين الملوحي يرثي نفسه" التي أزعم بأنّه سيأتي يوم يتباهى فيه العرب على صعيد الإنسانية جمعاء بهذه الملاحم الإبداعية في الرثاء...

ومن الجدير بالذكر أنّ شعر الملوحي لا يقتصر على الرثاء، بل إنّ أعماله الشعرية غير المنشورة، والتي تتجاوز الخمسمائة صفحة من القطع الكبير تتوزع بين الشعر الذاتي، والغزل، والطبيعة، والهموم الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والوطنية والقومية...

يمتاز الملوحي برهافة الحس، والعاطفة الإنسانية الصادقة النبيلة، وعاطفته لا حدود لها، فهي من صدقها وقوتها لو هبّ جزء زهيد منها على الصحارى القاحلة الجدباء، لأحياها وكساها بالخضرة والزهور:

وعاطفة لو هبّ معشار خصبها

على القفر أضحى القفر بالزهر كاسيا

والملوحي ضد جميع أشكال التمييز الطبقي والعرقي والديني، فعاطفته إنسانية ثورية، فهو ضد العبودية، ولم يكتف بالدعوة للرفق بالعبيد والمظلومين، وإنما دعاهم إلى الثورة ضد مستعبديهم، وبقي في خندق الثوار:

وإن ثار في الأرض العبيد وجدتني نصيراً لزحف الثائرين مواليا

لم تخل حياة شاعرنا من مكابدة الظلم والتجني، وتتمخض عن هذه المعاناة لوحات عاطفية صادقة تهز أقسى المشاعر، فالتعاسة والبؤس والقسوة تخرج الإنسان من طوره، وتحرمه صحة الحواس، فتريه الأزهار مكفهرة في أوج تفتحها، وتحوّل قطرات الندى الشفافة الصافية إلى مدامع نحس في نظره!

أي فؤادي ها أنت تكرع سماً

كشراب وبئس هذا  التحسي

ما أظن الأزهار تبسم للصبــــح وهذا الندى مدامع نحس

أعتقد أنّ الشاعر يتجاوز ذاته في هذه اللوحة، ويصف فيها حالة جميع بؤساء العالم، وهذه تعد من مصادر قوة شعره، التي لا تقف عند الذاتي، بل نرى فيها تناغم الذاتي بالموضوعي والعام في الخاص.

وللغزل نصيب وافر في شعر الملوحي... ها هو فنان يمسك بريشته ويرسم: المرح والنشوة تتحول إلى ألوان زاهية تطوق الزنود، وتكسو الخدود الوردية، وتنبعث آهات مكتومة تنشد المزيد والمزيد، وتوحد جسمان يأبيان الفراق:

قضينا الليالي في مراح ونشـوة

فزند على زند وخد على خــد

أكاتم أنفاسي وتكتم مثـلهـــا

فليس سوى لثم وليس سوى وجد

إذا قلت يكفيني الذي نلت هاجني

إليها غرام بعضه جمرة الوقــد

وإذا ذكرت الطبيعة يرتسم العاصي والغوطة، وتراود الأحلام الشاعر، ويحلق بين الماضي، والحاضر، والمستقبل متسائلاً تساؤل العارف، لكنّه يتجاهل معرفته المرة القاسية، ويوهم نفسه، ولو في الخيال، بإمكانية تحقيق ما يبدو مستحيلاً فيعود العاصي كما عهده... يركض خلف الفراشات والبلابل على ضفافه، ويشرب من مائه النمير، ويعود ديك الجن لينسج ملحمة العشق الخالد مع جاريته ومتيمته المغنية الصبوح "ورد":

ترى أيعود للعاصي صبــاه؟

فيرفل بعد في ثوبٍ قشيــبِ

ترى أ أنام والصفصاف يضفي

عليّ الظلّ في المرج الخصيب؟

وأشرب ماءه بيدي صفــواً؟

وكان يفيض بالماء الشـروبِ

وينظم فيه ديك الجن شـعـراً

يفوح بيانه فوح الطيـــوب

تُغني عنده "وردٌ" و"بـكــر"

فتسري "الآه" في الليل الرهيب

آمل أن أكون قد وفقت، في هذه العجالة، في التعريف ببعض ميزات شعر عبد المعين الملوحي، وغناه بالعاطفة والمشاعر المتميزة، وامتلاكه للصفات والأخلاق الإنسانية النبيلة، والروح الوطنية وشمولية الثقافة والموسوعية، والروح الحرة الأبية، ونكران كل أشكال الظلم والاستغلال والاهتمام بالقضايا الإنسانية، وبث روح التضامن والسلام والصداقة بين الشعوب... ودعوته إلى الحب والنضال معاً، وهما زبدة حياته:

 حياتي كأسان: حرب وحب

وكلاً شربت نهالاً نهــــالا

ولولا النضال جهلت  الهوى

ولولا الهوى ما عرفت النضالا

وأود أن أنوه إلى أنّ الأعمال الشعرية الكاملة للملوحي لم تنشر بعد لأسباب أهمها مادي... علماً بأنّها منضدة وجاهزة للطباعة وتقع في حوالي /700/ سبعمائة صفحة من القطع الكبير... وأتمنى من العاملين في وزارة الثقافة، واتحاد الكتاب العرب الغيورين على هذه الثروة الوطنية، أن يبادروا إلى المساعدة في نشر هذه الأعمال الشعرية، لما في ذلك من خدمة للأدب والشعر العربي وللقارئ... وتعبيراً عن عمق إحساسنا بالواجب تجاه مبدعينا؛ فـ "الأمة التي تعيش في ماضيها ومستقبلها، وتكون حياتها جديرة بالتخليد والتأبيد، وتسجل سير رجالها على الجدران وفي أوراق البردي... أمة إحساسها بالتاريخ عميق دقيق، أما الأمة التي تحرق جثث رجالها، ولا تعنى بتسجيل أعمالهم، فهي أمة ضعيفة الإحساس بالتاريخ"، كما يقول شبنجلر.

فهلاّ عملنا على نشر إبداع عبد المعين الملوحي الشعري، لترفرف ظلال "زيتونة الشام" على طلابه ومريديه، ووفاء بالحق وقياماً بما يجب علينا تجاه مبدعينا الأفاضل.

■ طرطوس 9/1/2006

 

 شاهر أحمد نصر