فضائيات..... فساد وأوهام « الديمقراطية»!

 تتسابق المحطات الفضائية «العربية» فيما بينها على تقديم برامج ترفيهية وفنية تتفاوت بقيمتها وتقنيتها بين محطة وأخرى، فبالإضافة إلى البرامج التقليدية المختلفة الإخبارية، الرياضية، السياسية والأعمال الدرامية من أفلام ومسلسلات ومسرحيات، بدأت الأغاني تأخذ حيزاً واسعاً من زمن البث وتتخلل بعض البرامج، وأخذت بالظهور والاتنشار برامج فنية ترفيهية من أنواع جديدة كبرامج المسابقات التي أصبحت ضمن منظور السياسية الإعلامية للفضائيات العربية من أحد ركائز «الإعلام المعولم».

من هذه البرامج، برنامج المسابقات الفني «ستار أكاديمي» الذي أصبح مسلسلا سنويا يضاعف من مهارات التشويق الدرامي والتقني والتزييني، فما إن تبدأ الحلقة، حتى تبادرك مقدمة البرنامج بالتذكير بالحلقة السابقة، مستحضرة أداء وأخطاء وانفعالات المتسابقين، وأسباب خيبات آمال الخارجين من هذا البرنامج، إما بسبب نقاط التصويت التي يتقاسم تحديدها كل من القيمين والمشرفين على البرنامج، وأصوات المشاركين في التصويت، الذين يبدون وكأنهم الحلقة الحسم في صعود، أو تصفية المتسابق في الحلقات التلفزيونية من تلفزيون الواقع. فتبدو المتابعة الدائمة لهذا البرنامج كأنها الحلقة الفصل في تحديد وتقييم مستوى المشاركين، من خلال لعبة التصويت والاقتراع، الذي يتماهي مع لعبة الديمقراطية المفترضة التي ينشدها المتفرج القابع في منزله خلف الريموت كونترول، فيشعر أنه مواطن يمارس حقه الديمقراطي بانتخاب نجمه المحبب لقلبه، باتصال للبرنامج، مساهما دون أن يشعر أو يدرك بتزويد شركات الاتصال المختلفة بمبالغ خيالية تفوق قدرة تفكيره واستيعابه.

لكن ذلك المتفرج الشاب المسكين لا يدرك أن عملية زجه في المشاركة والتصويت ليست بلعبة ديمقراطية بريئة، فالمتسابق الأوفر حظا هو الذي يتلقى تصويتا عبر اتصالات البلدان العربية الأكثر تعدادا، والأكثر وفرة مالية والتي تزيد بدورها من نقاط التصويت فتساهم بشكل أو بآخر في تحديد مستوى فوز أو فشل المتسابق، وبالتالي ينكفئ دور المشرفين المدربين في هذا البرناج لمستوى أدوات تتفاخر بمزاجها التعليمي الأكاديمي الذي يناقض الأكاديميات التعليمية في العالم، بالجهد والمستوى التعليمي والأداء التوجيهي، فالكل في هذا البرنامج وإن بدوا أنهم يقسون على المتسابقين في البرنامج متماهين مع حالة موضوعية، إلا أنهم يتماهون بالوقت نفسه مع حالة المتسابقين النفسية والاجتماعية المصطنعة التي يزجون بها، ويندمجون بحالتها الدرامية شبه الواقعية، فيتأثر المتفرج بمواقف الانفعال لدى المتسابق أو المتسابقة الذي يبكيه تلفون من ذويه، أو من صديق بعيد أو قريب، فتنهمر الدموع هنا وهناك، فتُشعر المتفرج من جيل الشباب بصدقية الأداء المصطنع، فكاميرا تلفزيون الواقع تلاحقه أينما حل، فتعكس صورته اليومية كمرآة إلى تلفزيون الملايين، وبالتالي إلى المتلقي المتلصص باسترخاء إلى الواقع المرسوم بدقة وعناية، وكأنه واقع معاش، حياتي، يتجاذب فيه المتسابقون الأحاديث والنكات والمقالب والانفعالات والعواطف المرتبكة من ضيق وقيود البرنامج، والرغبة بالبقاء والاستمرار للحصول على حلم الصعود واللقب الستار star الذي يفتح له آفاق المستقبل الفني من أوسع أبوابه، فيتجاوز هذا المتسابق أو تلك المتسابقة كل تلك المتاعب رغبة بنيل المنال.

هذا المنال الذي تسلب لأجله مئات الآلاف أسبوعيا من جيوب المصوتين من الجمهور المتلذذ بلعبة الخسارة والفوز، والمتلذذ بتلصص تلفزيون الواقع محققا له تماهي غير واقعي مع حالة الاندماج بين مجتمعين: ذكوري وأنثوي، فتجذب عين المراهقين بالمرونة التي يتعايش فيها زملاؤهم من الأكاديمية القصيرة العمر، والفرص المفقودة التي قد يحققها لهم هذا البرنامج من سفر وهدايا واهتمام جمالي عام.. ديكور يشبه عالم الكرتون مثيرا براقا بألوانه وتزيناته، حافرا في عواطف الشباب العربي رغبة المشاركة والوصول والنجومية، والتصويت والاقتراع الديمقراطي الذي يخفي خلف منابره التزينية البراقة اللامعة وحشا من ابتزاز المال والعواطف والاهتمام الجدي بعالم الموسيقى والغناء، وحشا من الدقائق التي تنأى بالشباب عن أسباب مشاكلهم وواقعهم اليومي، وواقع أوطانهم التي ترزح تحت نير الظلم والفساد والتهديد الخارجي.

آخر تعديل على الجمعة, 11 تشرين2/نوفمبر 2016 13:22