محمد المطرود محمد المطرود

الصدمة الثقافية

ثمة فروق جوهرية بين أعراض ضربة الشمس، وأعراض الصدمة الثقافية في الأولى احمرار الجلد وشعور بالغثيان وإقياء، وفي الثانية ما من شيء من هذا القبيل، فالجلد لا يحمرّ، لأن مستوى الحياء، انخفض منسوبه إلى الحد الأدنى إن لم نقل نضب، ولم تعد تنفع معه المحاولات الاسعافية لبعث الحياة فيه، كما يتم العمل مع أحواض المياه في السنوات العجاف، قليلة المطر، والكلأ، أما الشعور بالدوخة ومن ثم التقيؤ، فهما حالتان لا تخصان الصادم الثقافي فعلا، وأشخاصا بل هما معنيتان بالمصدوم مثقفاً ومتلقياً، وعلى جري العادة واذا كانت الثقافة كإرث، وموروث يشكل الحاضنة الاجتماعية أو «يقيّد» المجتمع، وليس بالمعنى «المكبّل » او المعيق ونقصد الضوابط «العادات والتقاليد » كمفردتين مهمتين تشكلان التربة والمنظومة الخاصة بالمكان، فهل هما وجه مستبد، وجه آخر للمستلب «بكسر اللام» أم هما وجه مفيد ومحفز ؟!!

هذا رهن سياق العادة والتقليد، ودرجة تكشفهما، وحالات البياض فيهما، والنسق الذي يمكن أن ينتظمهما
وقد نرى أن تعريفات الثقافة، والمثقف تتقاطع بيانيا في أن الثقافة مجتمع، وليست مكانا طوباويا، والمثقف ليس شبحا أو كائنا أسطوريا، أو مخلوقا من كوكب غامض يستلزم التعامل الحذر والاكتشاف، وإن خص بميزات، وعلاقات نفسية، ومهنية معقدة، صنعته، ليكوّن رؤيته للأشياء، وتفسير الظواهر و تعامله معها، تصديقا أو نفيا، وفي فعالياته هذه هو المساحة الطيبة، والمناخ المناسب لإجراء الحوار، أي حوار ضمن محدداته، ومسوغاته، والغاية والهدف المرجو منه .... محمد عابد الجابري يرى ان المثقف كائن وناقد اجتماعي، يدرس ويحلل، ويقوّم مسيرة المجتمع الذاهبة الى نظام اجتماعي، إنساني وعقلاني، ويعمل على تجاوز المعوّقات لبلوغ هذا المرجو، عليه فان وضع المثقف اجتماعيا يتحدد بالدور الذي يقوم به في المجتمع، كمشرّع ومعترض، مبشّر، أو على الأقل كصاحب رأي وقضية، . وفي السياق نفسه رأي لبرهان غليون في كتابه «تهميش المثقفين، مسألة بناء النخبة القيادية – في المثقف همومه وعطاؤه يقول : وظيفة المثقف ليست شيئا آخر سوى وظيفة إنتاج المجتمع نفسه من حيث هو آلية تختص بجمع وتوحيد الأجزاء، والعناصر التي يتألف منها، وبث الروح الجمعية وتحويلها بالتالي الى كيان هي قادرة على الحركة والتنظيم والتحسين والإصلاح »
وهنا سنلح في تتبع المثقف، والطلب : ان يبتعد ما أمكن عن العبثية والسفسطة، والتعمية، كطرق يتبعها المفلسون من اللغة، والأداة، والتراكم المعمول بالتجربة، ورصد المهم والمهمل كحوامل ثقافية مهمة للتواصل، والتبادل الفهمي، في حين تصبح اللغة والأداة في تكوين المفلس لمادته كلاما ممجوجا فيه مضيعة للوقت ويأخذ فعلا عكسيا هداما، ومدمرا، ولا يبق الأمر في حدود ضياع الوقت وهدره، فكم من الوقت يمر دون أن نعيره الاهتمام، لكن المصيبة تكمن في أن هذا النوع وضمن بنية ثقافية هشة لا تناقش المسلمات والبديهيات، وتعجّز، العقل كما عبر أدونيس مرة
فالنموذج هذا لا يقوى على متابعة موضوعه إلى منتهاه، ويشغلك بمواضيع كثيرة في لحظة واحدة، وبتنقل غير منطقي لا يدل إلا على خواء يلف ويدور، ويدور ويلف ، ينطبق على حالة البيت : (كأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم ماء »  وفي المنتهى تخرج بخفي حنين، خالي الوفاض اللهم إلا من لعنة تطلقها تجاه نفسك، فقد أذنبت بحقها وهي التي لها عليك حق المحافظة عليها
الخلل عندما لا يمكن إيصال الفكرة بأقل الكلمات اقتصادا في اللغة وتكثيفا، وابتعادا عن الاستطراد المجاني يقول النفري: «كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة » وما تحدثنا عنه يمكن أن ننعته بـ «المثقف المريض »
والذي يكرّس على أنه نبيّ اللحظة ومثقفها، أما الذي يوجز، ويوصل الفكرة بالتلميح والإشارة، هو العاجز، والمشكك به، وتصير المساحة مفصلة على مقاسي «المرضى » لنصدم في محصلة الأمر بالثقافة المريضة، ويكون النموذج، القائد لنا ثقافيا، فينسل من بيننا بهدوء، الحقيقي والمعني بالمشروع، وصاحب النظرية، وصاحب الرأي، والقضية، وراعي الرؤيا، والاستراتيجي والمختلف، فأية صخرة سنضرب رأسنا بها كي نستيقظ إن كنا نائمين، وأي دواء سيفيد هؤلاء حتى يرجعوا إلى رشدهم، ويتعرفوا جيدا على نفوسهم، وذواتهم، التي لم يخلصوا لها فخانتهم، وأية صيحة، وأي بوق، أما من اسرافيل ينفخ، فنموت ونبعث من جديد، فنرى صورة العالم تغيرت، أم أنه سيحدث ما يحدث، ونموت ونبعث لنرى الأمور على حالها.
لابد لي أن أبين متأخرا سبب كتابتي هذه، حتى لا أحسب على المرضي، والسبب باختصار «التنفيعات » في المؤسسات الثقافية ابتداء من التوظيف، وانتهاء بالتمثيل والمشاركات في الندوات والمهرجانات، حتى كأن الثقافة «مزبلة» فلا سطوة للاسم أو للفعل الثقافي، بل السطوة لدرجة القرابة و «البراغماتية» بين هذا وذاك، هذا نفعني هنا ... وأنا سأنفعه هناك ، هكذا وقد نعلك الأمر على مضض لو أن الصورة خالفت الثقافة وابتعدت عنها، فلان موفد إلى المؤتمر الفلاني، وفلانة في مهرجان الشعر والنقد، والشاعر ممثلنا إلى ندوة الشعر الحديث والأديبة في تحكيم المسابقة الأدبية، وفلان أصبح مديرا، وأغلبهم لا يمثلون المشهدية الثقافية في البلد،لكن إدراج أسمائهم تم في باب الإرضاء والتنفيعة، باستثناء أسماء قليلة، فإن رصد الأغلبية سيبين أية هشاشة، وزيف في الاختيار والانتقاء، وأية بلوى تبتلى به الثقافة في بلد يصرف على الثقافة، وفيه توجه نحو خلق ثقافة فاعلة ترسخ المفهومات الوطنية وتنهض بها إلا أن بعض القائمين هم الذين يخالفون التيار ويرموننا بقذاراتهم . حتى الجرائد الرسمية تكمل الدورة، فنرى الصفحات الثقافية مقضومة النصف لصالح الإعلان مع أن الكثير من الزوايا والصفحات ليس فيها ما يستحق النظر للقراءة.... تصوروا أديبة تشارك في فعاليات خارج القطر تسأل ناقدا عربيا عن عبد الرحمن منيف هل هو كاتب أم شاعر ؟
ومدير مركز ثقافي لم يسمع بمحمد الماغوط فيودّ أن يدعوه لإقامة أمسية في مركزه ؟!
نرجو من المعنيين الاعتناء بهؤلاء الذين يعملون بصمت ولا يكثرون من الجعجعة هم من يمثلون البلد ويعطونه وجهه الحضاري، حتى نقول أنّ الدنيا بخير، والأرض تدور، وغاليلو لم يكذب... وأنا لم أكذب عندما شبهت الصدمة الثقافية بضربة الشمس... فكلتاهما يؤذي والأولى أبلغ موتا

 
وليرحمنا الله أنا وغاليلو وجميع أصدقائي
الذين متنا غداً