برنامج «الإفصاح الطوعي»: تمديدالمهلة لمن نهبوا أعمار السوريين
لا يمكن قراءة قرار «لجنة الكسب غير المشروع» الذي صدر مؤخراً بتمديد مهلة ما يسمى «برنامج الإفصاح الطوعي» لثلاثة أشهر إضافية بوصفه مسألة تقنية تتعلق بمنح بعض رجال الأعمال المرتبطين بنظام الأسد وقتاً إضافياً لترتيب ملفاتهم المالية. الجديد هنا يتجاوز حدود التمديد ذاته إلى الرسالة السياسية والاقتصادية العميقة التي يحملها، حيث تمنح الدولة المشتبه بتضخيم ثرواتهم عبر القرب من منظومة النهب والحرب فرصة جديدة للتفاوض، بينما لا يحصل الفقراء والمهجرون وذوو الضحايا والمفقودون على أي فرصة لتحسين أوضاعهم وتحصيل حقوقهم. وتقول اللجنة إن المهلة «فرصة أخيرة» قبل الانتقال إلى التحقيقات والإحالات القضائية، لكن السؤال الأشد إلحاحاً هو لماذا يحتاج من راكم ثروة مشبوهة إلى فرصة أصلاً؟ ولماذا يصبح الإفصاح «طوعياً» عندما يتعلق الأمر بالأقوياء، بينما تكون الجباية والقهر إجبارية عندما يتعلق الأمر بالفقراء؟ يستند هذا البرنامج إلى فكرة منح أصحاب الثروات المشبوهة مساراً تفاوضياً خاصاً، وهو ما يثير المخاوف من تحويل فكرة العدالة إلى تسوية مالية لا يستطيع أحد من السوريين تتبع مساراتها بدقة.
قالت لجنة الكسب غير المشروع إن قرارها الجديد جاء بعد مراجعات وطلبات من أشخاص لم يستفيدوا من المهلة السابقة، مؤكدة أن انتهاء المهلة الجديدة سيقود إلى تفعيل أوسع للضبوط والتحقيقات والإحالات إلى القضاء. لكن التحليل يبدأ من هنا تحديداً: إذا كانت الدولة تمتلك شبهة جدية بوجود أموال وأصول مرتبطة بالكسب غير المشروع، فلماذا تعطي أصحابها باباً خلفياً للخروج الآمن؟ وإذا كان هؤلاء قد استفادوا من الحرب، ومن القرب من سلطة الأسد وأزلامه، ومن الاحتكار والتعفيش والمعابر والسمسرة على جوع السوريين، فلماذا يجري التعامل معهم كما لو أنهم مكلفون تأخروا عن تعبئة استمارة ضريبية؟ المشكلة هنا تتعدى حدود تمديد مهلة الإفصاح إلى الفلسفة ذاتها التي تقوم عليها اللجنة وبرنامجها، وهي فلسفة ترى في المال المنهوب مورداً مالياً سريعاً للخزينة، لا حقاً عاماً يجب استرداده كاملاً، ولا دليلاً على شبكة جرائم اقتصادية واجتماعية وسياسية أطالت عمر المأساة السورية، ودفع ثمنها فقراء السوريين أولاً.
من «الإفصاح الطوعي» إلى العفو المقنع عن اقتصاد الحرب
الفقراء السوريون هم الذين دفعوا الثمن الأكبر في الحرب، لا لأنهم كانوا أفقر من غيرهم قبل الحرب فقط، بل لأنهم كانوا المادة الخام التي اشتغلت عليها آلة الحرب والفساد معاً. بيوت الفقراء هدمت، ومدخراتهم تبخرت، وأولادهم هاجروا أو فقدوا أو قتلوا أو جندوا، وأحياؤهم تحولت إلى خراب، ولقمة عيشهم صارت موضوعاً للمضاربة والاحتكار. في المقابل، نشأت على هامش هذه الدماء طبقة من تجار الحرب الذين تربحوا من درب الآلام الطويل للشعب السوري. وقد راكمت هذه الطبقة الأرباح من المعابر، ومن الاستيراد الاحتكاري، ومن تهريب السلع، ومن تدوير أنقاض المدن وتعفيش حديدها، ومن تمويل الميليشيات، ومن تحويل حاجات الناس الأساسية إلى فرص ربح فاحش.
لهذا تبدو عبارة «الإفصاح الطوعي» باردة ومهينة بحق الشعب السوري. فهي تفترض أن المشكلة الأساسية هي غياب المعلومات، وأن الحل هو أن «يتفضل» صاحب الثروة المشبوهة و«يتكرم علينا» بالكشف عن بعضها. لكن الحقيقة أن المشكلة تكمن في نقص الإرادة السياسية لمواجهة طبقة كاملة من الفاسدين الكبار، ولا سيما أن هؤلاء يملكون تاريخاً من الارتباط العضوي بمنظومة النهب التابعة لسلطة الأسد. لذلك، فإن دعوتهم إلى الإفصاح الطوعي تشبه دعوة من سرق بيتاً إلى أن يكتب قائمة اختيارية بما أخذه، ثم يسمح له بالاحتفاظ بما لم يذكره أو بما يستطيع تبريره عبر محامين ومحاسبين وشركات واجهة.
تدافع اللجنة عن تمديد المهلة بالقول إنها «فرصة أخيرة»، وكأن السوريين يجب أن يطمئنوا لأن الباب سيغلق بعد ثلاثة أشهر. لكن التجارب السياسية تقول إن «الفرصة الأخيرة» للأقوياء غالباً ما تليها فرص أخرى بأسماء جديدة. اليوم تسمى إفصاحاً طوعياً، وغداً قد تسمى مصالحة اقتصادية، وبعد غد قد تسمى تشجيعاً للاستثمار الوطني أو إعادة دمج لرؤوس الأموال. وهكذا تتحول الجريمة الاقتصادية الكبرى إلى ملف قابل للتدوير اللغوي. وكل تسمية جديدة تخفف من فظاعة الأصل: النهب.
وجود لجنة كهذه، بهذه الفلسفة، يطرح سؤالاً جذرياً حول طبيعة العدالة في المرحلة الجديدة. هل المطلوب بناء منظومة قضائية مستقلة تحاسب الجميع، أم بناء جهاز انتقائي يفتح باب التسوية لمن يمتلكون المال والمعلومات والعلاقات؟ إذا كانت اللجنة قادرة على معرفة المشتبه بهم، وعلى استقبال طلباتهم، وعلى دراسة ملفاتهم، فلماذا لا تكون الأولوية للتحقيق الإلزامي، والحجز الاحتياطي، وتتبع الأصول، ومنع تهريب الأموال، وفتح السجلات أمام رقابة عامة؟ لماذا يبدأ المسار من مقولة «تعالوا وأفصحوا»، لا من «هذه أموال شعبية منهوبة ويجب إثبات مشروعيتها أمام القضاء»؟
جوهر الاعتراض الشعبي على اللجنة وبرنامجها هو أن هذه الآلية بعيدة عن منطق العدالة وأقرب إلى منطق الصفقة. والصفقة بطبيعتها لا تساوي بين الغني والفقير، فالفقير لا يملك ما يفاوض به.
تمديد المهلة، بهذا المعنى، يوسع دائرة الشك. فهو يوحي بأن اللجنة لا تريد الصدام الحقيقي مع كبار المنتفعين، بل تريد استيعابهم. وهذا الاستيعاب خطير لأنه يزرع بذور نظام اقتصادي جديد يحمل في داخله أمراض النظام القديم. قد تتغير الشعارات، وقد تتغير أسماء المؤسسات، لكن إذا بقيت الثروة مركزة في أيدي من صنعوا الكارثة واستفادوا منها، فإن الفقراء لن يروا تغييراً حقيقياً. سيقال لهم إن البلاد تحتاج إلى رأس المال، وإن إعادة الإعمار تحتاج إلى رجال أعمال، لكن أي سوق هذا الذي يبدأ بالعفو عمن احتكروا الخبز والدواء والمحروقات وسرقوا حديد المنازل ونحاسها؟ وأي إعمار هذا الذي يُموّل من ربح في الخراب؟
العدالة الاجتماعية شرط أساسي للاستقرار الاجتماعي والأمني. والمجتمع الذي يرى اللص الكبير يخرج بتسوية، بينما يعجز الفقير عن استعادة أبسط حقوقه، لن يثق بالدولة ولا بالقانون ولا بالمستقبل.
الفصل بين الجريمة الاقتصادية والجريمة الاجتماعية
من أخطر ما يروج في خطاب التسويات فكرة أن الفساد الاقتصادي ملف منفصل عن الجرائم الكبرى. كأن رجل الأعمال الذي استفاد من الحرب كان مجرد مستثمر سيئ الأخلاق، لا جزءاً من منظومة سلطة وعنف واحتكار. هذا الفصل غير علمي وغير بريء. ففي الحروب، لا يكون المال محايداً: المال يشتري السلاح، ويمول الولاءات، ويسيطر على الغذاء، ويفتح المعابر، ويقرر من يأكل ومن يجوع، ومن يمر ومن يحاصر، ومن يملك الدواء ومن يموت على أبواب المستشفيات. في سورية تحديداً، كان اقتصاد الحرب بما في ذلك نشاط كبار الفاسدين المحرك الأساسي لاستمرار المأساة.
حين تتحول المعابر إلى مصادر ربح، يصبح الحصار سوقاً. وحين يتحول الدمار إلى خردة وحديد ونحاس، يصبح البيت المهدوم منجماً لثروة جديدة. وحين تحتكر مجموعة ضيقة الاستيراد والتوزيع، يصبح الجوع سياسة ربحية. وهنا تحديداً، لا يعود ممكناً القول إننا أمام «كسب غير مشروع» بمعناه الضيق، بل أمام كسب نشأ من تدمير المجتمع نفسه. لذلك، فإن لجنة الكسب غير المشروع، إذا بقيت محصورة في منطق الإفصاح والتسوية، تكون مهمتها عملياً هي اختزال الجريمة وتشويه جوهرها، وانتزاع ملف النهب من سياقه التاريخي.
يعرف الفقراء السوريون هذه الحقيقة من تجربتهم اليومية. يعرفون أن الغلاء وفقدان المواد الأساسية والدمار كانت تجارة مربحة للبعض وكانت نتيجة شبكات مرتبطة بشدة بنظام الأسد. يعرفون أن بعض الأثرياء لم يصبحوا أثرياء لأنهم ابتكروا أو أنتجوا أو خلقوا عملاً كريماً، بل لأنهم امتلكوا مفاتيح القرب من سلطة الأسد. والذاكرة الاقتصادية للسوريين ليست هامشية، إنما هي جزء من الذاكرة الوطنية الأشمل، فمن فقد منزله ثم رأى أنقاض الحي تباع، ومن وقف في طابور الخبز بينما تباع المواد في السوق السوداء، ومن اضطر إلى بيع الذهب القليل أو أثاث البيت لشراء دواء، لا يستطيع أن يرى في أصحاب هذه الثروات مجرد «مخالفين». هؤلاء، في الوعي الشعبي، شركاء في الجريمة الاجتماعية الكبرى، جريمة تحويل البؤس إلى ربح.
الاسترداد الحقيقي لثروات هؤلاء يعني أن تعود الثروة إلى أصحابها الحقيقيين: إلى المدارس المهدمة، والمستشفيات العامة، والمساكن الشعبية، وأسر المفقودين، والجرحى، والعمال الذين فقدوا دخلهم، والفلاحين الذين دمرت أراضيهم. أما أن تدفع نخبة الحرب جزءاً من أموالها ثم تعود للاستثمار والنفوذ، فهذا إعادة تدوير للنهب داخل «شرعية» جديدة.

إن المشكلة الأعمق في لجنة الكسب غير المشروع أنها ليست مبنية على فلسفة عدالة انتقالية جذرية. حيث إن العدالة الانتقالية - في الجوهر - تعني تفكيك البنى التي جعلت الجريمة ممكنة. والبنية الاقتصادية للسلطة السابقة كانت إحدى هذه البنى، وإذا بقي رجال الأعمال المرتبطين بها قادرين على النجاة، فإن ضمان عدم تكرار سلوكهم سيكون مسألة في غاية الصعوبة. حيث لا يمكن منع عودة الاستبداد إذا بقيت أدوات تمويله وشبكاته الاجتماعية والإعلامية سليمة.
ثم إن السماح لأصحاب الثروات المشبوهة بتسوية أوضاعهم يخلق تمييزاً طبقياً فاضحاً في العدالة. الفقير الذي خالف قانوناً صغيراً لا يجد عادة لجاناً تمنحه مهلاً رقيقة. أما الكبير، فيدعى إلى الإفصاح، وتدرس طلباته ومراجعاته، وتمنح له فرصة إضافية. هذه الازدواجية مدمرة أخلاقياً، فهي تقول للمجتمع إن القانون قاسٍ على الضعفاء، تفاوضي مع الأقوياء. وهذه الرسالة، إذا ترسخت، ستقوض أي حديث عن دولة القانون.
كذلك لا يمكن تجاهل الخطر السياسي لبقاء هذه الأموال في أيدي أصحابها. في بلد خارج من حرب، المال يستطيع موضوعياً أن يشتري وسائل إعلام وتيارات وولاءات محلية وشبكات زبائنية، وربما القرار العام نفسه.
لهذا كله، ينبغي القول إنه يجب أن تكون هناك هيئة قضائية مستقلة ذات صلاحيات واضحة، تعمل وفق قانون معلن، وتخضع لرقابة عامة، وتنشر معاييرها ونتائجها، وتتعامل مع الثروة المشبوهة باعتبارها موضع اشتباه جنائي واجتماعي لا ملفاً تفاوضياً. والأصل أن يتحول عبء الإثبات في حالات تضخم الثروة المرتبطة بسنوات الحرب والقرب من السلطة: من لا يستطيع إثبات مصدر مشروع ونظيف لثروته، يجب أن يخضع للحجز والمصادرة والمحاكمة، لا أن يحصل على دعوة لطيفة إلى الإفصاح.
البديل الشعبي: مصادرة عادلة ورقابة عامة
بطبيعة الحال، لا يمكن أن يكون البديل عن برنامج الإفصاح الطوعي هو الفوضى والانتقام الفردي ولا الشعارات الغاضبة. البديل هو عدالة اقتصادية منظمة، صارمة، شفافة، ومنحازة بوضوح إلى فقراء الشعب السوري، لأن الفقراء هم الأغلبية التي حملت عبء الانهيار، ولأن أي اقتصاد جديد لا يبدأ من حقوقهم سيعيد إنتاج الكارثة. حيث لا يمكن بناء سورية جديدة بمال قديم ملطخ بالنهب. ولا يمكن مطالبة الناس بالصبر على الجوع والبطالة وانهيار الخدمات، بينما يمنح كبار الفاسدين فرصة لترتيب ملفاتهم وتبييض مواقعهم.
أول خطوة يجب أن المضي بها هي وقف برنامج الإفصاح الطوعي بوصفه مساراً تفاوضياً، واستبداله بمسار تقص إلزامي شامل. كل من تضخمت ثروته خلال سنوات الحرب أو عبر علاقات امتياز مع السلطة السابقة أو اقتصاد المعابر أو الاحتكار أو العقود العامة أو تجارة الأنقاض يجب أن يخضع لتحقيق مالي وقضائي، ولا ينبغي أن يكون التحقيق انتقائياً أو خاضعاً للتوازنات السياسية، كما لا ينبغي أن يتحول إلى أداة ابتزاز جديدة. لذلك يجب أن تبنى الآلية على استقلال قضائي حقيقي، ونشر معايير الاختيار، وإتاحة الطعن القانوني، وحماية المبلغين والشهود، ومنع استخدام الملفات لتصفية حسابات ضيقة.
ثاني خطوة هي الحجز الاحتياطي على الأصول المشتبه بها، داخل البلاد وخارجها حيثما أمكن، إلى أن يثبت أصحابها مشروعيتها. فمن غير المعقول أن يمنح المشتبه بهم أشهراً إضافية قد تكفي لتهريب الأموال أو نقل الملكيات أو إعادة تسجيل الشركات بأسماء أقارب وواجهات.
كما يجب منع أصحاب الثروات المشبوهة من السيطرة على إعادة الإعمار. وهذه نقطة مركزية، لأنه إذا تركت عملية إعادة الإعمار بيد هؤلاء اللصوص، ستتحول إلى عملية نهب ثانية تقوم على شراء أراض رخيصة الثمن من مهجرين مضطرين، وبناء مجمعات للأغنياء فوق أحياء الفقراء، واحتكار مواد البناء، والسيطرة على العقود العامة. لذلك يجب أن تكون إعادة الإعمار ذات طابع اجتماعي، تقودها مؤسسات عامة خاضعة للرقابة الشعبية.
سيقول المدافعون عن منطق «الإفصاح الطوعي» إن البلاد تحتاج إلى المال بسرعة، وإن المصادرة الشاملة قد تخيف المستثمرين، وإن الواقعية تفرض تسويات. لكن هذه الحجة تقلب معنى الاقتصاد رأساً على عقب. حيث إن الاستثمار الحقيقي والجدي لن يأتي إلى بلد يشرعن أموال الحرب. كما أن المستثمر الذي يخاف من محاسبة الفاسدين، فهو ليس مستثمراً تحتاجه سورية. ثم إن المال السريع الذي يأتي من التسويات قد تكون كلفته بعيدة المدى أعلى بكثير، قوامها عودة النخب الفاسدة نفسها وإضعاف القضاء وتثبيت انطباع أن الانتفاض ضد الظلم انتهى بمصالحة مع اللصوص الكبار.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1283