بعد الانسحاب الإماراتي... ما هو «الدرس الاستثماري» الذي ينبغي تعلمه؟

بعد الانسحاب الإماراتي... ما هو «الدرس الاستثماري» الذي ينبغي تعلمه؟

في 11 حزيران، أعاد رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور فتح سؤال الاستثمار في سورية، لكن من الباب المعاكس هذه المرة. ففي مقابلة مع CNBC عربية، صرح إنه لن يشارك حالياً في تنفيذ أي مشاريع استثمارية في سورية، وإنه في هذه المرحلة مستعد لتقديم الدعم الإنساني والخيري فقط، مضيفاً أن الأولوية في إعادة بناء الاقتصاد السوري يجب أن تكون للسوريين ثم للمستثمر العربي، بعد ذلك بيوم، نشر الحبتور على صفحته على موقع X تغريدة أعلن فيها إنه «عندما تحين الفرصة المناسبة، سنكون جاهزين بإذن الله للمساهمة بما نستطيع».

بطبيعة الحال، لم يكن التصريح عابراً، لأنه صدر عن رجل أعمال شغل اسمه خلال الأشهر الماضية حيزاً واسعاً في التغطيات الرسمية وشبه الرسمية، وجرى تقديم زيارته واهتمامه بالسوق السورية بوصفهما مؤشراً مبكراً على تدفق استثمارات خليجية كبرى إلى البلاد. لذلك شكلت هذه التصريحات خيبة للكثير من السوريين الذين تذكروا سريعاً الخطاب الإعلامي الذي رافق الزيارات واللقاءات السابقة للحبتور: مليارات قادمة، ومشاريع ضخمة، وفنادق ومنتجعات، ورسائل ثقة، وبداية مرحلة استثمارية جديدة. واليوم، أمام إعلان الانسحاب العملي، يظهر السؤال الحقيقي: هل كانت المشكلة في الحبتور، أم في الطريقة التي تدار بها المسألة الاستثمارية في سورية كلها؟

ما يستحق النقاش، إذاً، ليس الحبتور بحد ذاته، ولا استثماراته، ولا نياته، ولا ما إذا كان سيعود لاحقاً إلى الاستثمار أم لا. فالمستثمر، أي مستثمر، يتحرك عادة وفق حسابات الربح والمخاطرة، وليس وفق الحماسة الإعلامية أو المجاملات السياسية. والمسألة الأهم هي أن هذا التطور كشف هشاشة التصور الرسمي السائد، الذي يتعامل مع سورية ما بعد سقوط الأسد كما لو أنها أرض تنتظر مستثمراً خارجياً يهبط عليها لينقذها، بشرط أن تمنح له الإعفاءات والامتيازات والتسهيلات إلى أقصى حد ممكن.
في هذا السياق، تم تقديم العديد من التنازلات والامتيازات والإعفاءات السخية للمستثمرين الأجانب، بما في ذلك قانون الضريبة على الدخل وقانون الاستثمار الجديد الذي منح تخفيضات ضريبية تصل إلى 80%، إلى جانب ضمانات التملك بنسبة 100% للمستثمر الأجنبي، ومنع الدولة من وضع يدها على هذه الاستثمارات مستقبلاً أو الحجز الاحتياطي عليها، والسماح بالتحويل الحر للأرباح ولرأس المال المستثمر إلى الخارج وبالعملة الأجنبية، والسماح باستقدام نحو 40% من العمالة الأجنبية.
باختصار، لم يبق هناك شيء يمكن أن تقدمه السلطة للمستثمرين الأجانب لجذبهم ولم تقدمه. رغم ذلك - وباستثناء بعض مذكرات التفاهم الصورية، و«إعلانات النوايا» غير الملزمة، وبعض مشاريع الاستثمار الصغيرة التي تبين أن أصحابها سوريين لديهم شركات مسجلة في الخارج - لم نشهد حركة استثمارية أجنبية جدية نشطة. والسبب في ذلك لا يتعلق بكل تأكيد بأن السلطة لم تقدم ما يكفي من التنازلات للمستثمرين، بل في بيئة الاستثمار ذاتها.


وهم المستثمر المنقذ وحدود التنازل


الخطأ الأكبر في السياسة الاقتصادية في سورية اليوم هو تحويل المستثمر الخارجي إلى بطل خلاص. في هذا التصور، تبدو البلاد كأنها عاجزة بذاتها، وكأن السوريين لا يملكون سوى الانتظار: انتظار الوفود، وانتظار المليارات، وانتظار مذكرات التفاهم، وانتظار رجل أعمال كبير يقرر أن «يمنح البلاد فرصة». هذه النظرة - عدا كونها مهينة للسوريين - خطرة اقتصادياً، لأنها تجعل القرار العام تابعاً لتوقعات رأس المال الخاص، وتدفع السلطة إلى سباق تنازلات لا ينتهي: ضرائب أقل، وضمانات أكثر، وأرض أرخص، وعمالة أضعف، ورقابة أقل، ثم انتظار طويل لن يثمر إلا خيبة جديدة.
أي مستثمر جدي لن يقرر بناء مصنع أو محطة طاقة أو مشروع طويل الأجل بناء على مؤتمر استعراضي أو حجم حفاوة كبير. أول ما يسأل عنه هو: هل البلاد مستقرة؟ هل هناك سلطة موحدة؟ هل العقود قابلة للتنفيذ؟ هل القضاء مستقل؟ هل سعر الصرف قابل للتوقع؟ هل الكهرباء والمياه والنقل متاحة؟ هل يستطيع إدخال المعدات والمواد الأولية؟ هل يستطيع بيع إنتاجه في سوق تملك قدرة شرائية؟ هل هناك مخاطر أمنية أو سياسية قد تطيح بالمشروع بعد سنوات؟ وإذا كانت الإجابات ضبابية، لن تكون الإعفاءات الضريبية كافية. بل ستتحول الإعفاءات نفسها إلى محاولة تعويض غير معلن عن المخاطر، أي أن الدولة والمجتمع سيدفعان - مسبقاً - ثمن قبول المستثمر الدخول إلى بيئة غير مستقرة.
هذا ما تغفله السياسة الاقتصادية الحالية حين تفترض أن خفض الضريبة هو المفتاح السحري للاستثمار. صحيح أن الضرائب ليست تفصيلاً عابراً في حسابات المستثمرين، لكنها ليست العامل الحاسم في قرار الاستثمار ذاته. في الاقتصادات المستقرة نسبياً، قد تؤثر بضع نقاط ضريبية في قرار شركة بين بلد وآخر. أما في اقتصاد خارج من حرب طويلة، ومجتمع ممزق، وبنية تحتية مدمرة، فإن السؤال الضريبي يصبح ثانوياً أمام سؤال المخاطر الكلية. حيث أن المستثمر قد يقبل بضريبة أعلى في بلد مستقر ومربح، لكنه سيتردد كثيراً أمام ضريبة منخفضة في بلد لا يعرف فيه ما هو الاتجاه العام بعد سنة.

ويقدم التاريخ الاقتصادي السوري دليلاً دامغاً يدحض هذه السردية المبتذلة. فإذا عدنا إلى خمسينيات القرن الماضي، والتي يتفق العديد من الاقتصاديين على وصفها بـ«الفترة الذهبية» للاقتصاد السوري، سنجد أنه في تلك الحقبة، وصلت معدلات ضريبة الدخل على الشركات وكبار المكلفين في سورية إلى نحو 49% في بعض الشرائح. ورغم هذا الارتفاع الكبير والمنطقي في نسب الضرائب - والتي كانت تستخدم لتمويل بناء الدولة الحديثة - كان النشاط الاستثماري في سورية يعيش أزهى عصوره، فشهدت البلاد طفرة في تأسيس الشركات الصناعية وتوسعاً في الزراعة. وهذا يؤكد أن المشكلة الأساسية التي تمنع الاستثمار اليوم ليست مرتبطة بوجود الضرائب أو غياب الإعفاءات، بل ترتبط ببنية الاقتصاد بحد ذاتها، ودرجة الاستقرار السياسي والاجتماعي المفقودة اليوم.
من هنا تبدو المفارقة صارخة. حيث قدمت السلطة للمستثمر الأجنبي ما يمكن وصفه عملياً بسقف عالٍ جداً من الامتيازات، لكن غياب التدفق الاستثماري الجدي يعني أن المشكلة ليست في نقص الهدايا المقدمة للمستثمر، بل في غياب الشروط التي تجعل الاستثمار ممكناً ومفيداً.

والاستقرار هنا لا يعني الأمن بمعناه الضيق فقط. فلا يكفي أن تتوقف المعارك في منطقة أو أن يتم فتح بعض الطرقات. الاستقرار الاقتصادي يتطلب استقرار سياسي واجتماعي يدمج السوريين كلهم في مستقبل واحد، ويعيد توحيد البلاد ومؤسساتها، ويمنح الناس شعوراً بأنهم ليسوا مجرد سكان في مرحلة انتقالية غامضة. لهذا، فإنه دون مؤتمر وطني عام وشامل وكامل الصلاحيات، ودون مشاركة حقيقية لمختلف القوى السياسية والاجتماعية، ستظل سورية بالنسبة إلى أي مستثمر طويل الأجل سوقاً عالية المخاطر. والأهم من ذلك، ستظل بالنسبة إلى فقرائها بلداً لا يعرفون فيه ما إذا كانت إعادة الإعمار ستتم لمصلحتهم أم فوق أنقاضهم ولمصلحة غيرهم.
الدرس الأولي لتصريحات الحبتور هو أن التعويل على المستثمر الخارجي بوصفه محور السياسة الاقتصادية هو وهم مكلف لسورية والسوريين. فالمستثمر قد يأتي وقد لا يأتي، وقد يغير رأيه في أي لحظة، وقد ينسحب، وقد ينتظر، وقد يساوم الدولة ذاتها. أما الشعب السوري فهو هنا، والفقراء هم الذين يدفعون ثمن كل تأخير، وكل خطأ، وكل قانون يصمم لإرضاء رأس المال قبل أن إنقاذ المجتمع. لذلك، البداية الصحيحة التوقف عن أن سؤال أنفسنا: ماذا يريد المستثمر؟ والتوجه نحو سؤال أبسط: ماذا يحتاج السوريون كي يعيشوا وينتجوا ويعملوا بكرامة؟


أي استثمار تحتاجه سورية فعلاً؟


حتى لو افترضنا أن العقبة السياسية والأمنية جرى تجاوزها، وأن المستثمرين بدأوا يطرقون الأبواب، فإن السؤال الحاسم سيبقى مطروحاً: ما نوع الاستثمار الذي تحتاجه سورية في هذه اللحظة؟ ليست كل الاستثمارات متساوية، ثمة استثمار يبني القدرة الإنتاجية ويخلق عملاً ويحسن حياة الناس، وثمة استثمار يراكم الأرباح في جيوب ضيقة ويترك المجتمع كما هو، بل ويزيده انقساماً وفقراً. لذلك، فإن النقاش لا يجب أن يدور حول حجم الاستثمارات المعلنة فقط، بل حول اتجاهها الاقتصادي الاجتماعي.
في بلد يعاني من فقر واسع، وبنية تحتية مدمرة، وتراجع شديد في الزراعة والصناعة، لا يمكن أن تكون الأولوية لمشاريع الأبهة الاستعراضية. قد تبدو الفنادق الفاخرة والمنتجعات والمولات وملاعب الغولف ومشاريع الترفيه جذابة في الصور والعناوين، لكنها ليست جواباً على سؤال الجوع والبطالة. قد تخلق هذه المشاريع بعض الوظائف، لكنها وظائف خدمية منخفضة الأجر، ومحدودة الأثر الإنتاجي، ومشروطة بوجود طبقة قادرة على الاستهلاك. أما الأغلبية الساحقة من الفقراء السوريين، فلن تستفيد من فندق خمس نجوم إلا ربما كعمالة رخيصة في مطبخه أو في حراسته أو في تنظيف غرفه.
الاستثمار الذي تحتاجه سورية أولاً هو الاستثمار الذي يعيد بناء شروط الحياة والإنتاج ذاتها. لذلك ينبغي أن تكون الأولوية الاستثمارية واضحة ومركزة على مشاريع الصناعة والزراعة والإنتاج الحقيقي. فكل ليرة تستثمر في الزراعة أو الصناعة أو البنى التحتية تنتج أثراً مضاعفاً، حيث تخفض الأسعار، وتزيد التشغيل، وتقلل الاستيراد، وتدعم الليرة، وتحسن حياة الفقراء مباشرة.
أما الاستثمار العقاري الريعي فيحمل خطراً خاصاً في سورية. فمن يملك المال يستطيع شراء الأراضي الرخيصة، ومن يملك النفوذ يستطيع تحويل أحياء مدمرة إلى فرص ربح. وإذا ترك هذا المسار كما هو حالياً، فستتحول إعادة الإعمار إلى عملية إزاحة جديدة للفقراء، جوهرها هو تهجير «ناعم» باسم التطوير، ورفع أسعار السكن، وتحويل مراكز محددة إلى مناطق للأغنياء، بينما يزداد الفقراء فقراً.

 

_result


لماذا لا نفعل الاستثمار الوطني العام؟


البداية لحل مشكلة الاستثمار في سورية يجب أن تنطلق من الداخل، وتحديداً من استعادة دور الدولة في الاستثمار العام. وحتى تستطيع الدولة القيام بهذا الدور، يجب أن تعتمد على مواردها المتاحة بقوة القانون والإرادة السياسية، فالموارد المتأتية من مكافحة التهرب الضريبي بشكلٍ صارم، ومن العائدات المباشرة للإنتاج الوطني بعد تطهيره من الفساد الكبير ومن محاولات التصفية والخصخصة، ومن المصادرة الحازمة بقوة القانون لأصول وثروات أزلام النظام السابق، ومن محاولة استرداد ما يمكن من أموالهم المهربة للخارج باستخدام الضغط السياسي، يمكن أن تشكل مجتمعة رافعة مالية كبيرة تفوق ما يمكن أن يعد به أي مستثمر خارجي باحث عن ربح سريع.
يعيد التركيز المريع على مشاريع عقارية وخدمية تدر أرباحاً سريعة للمستثمر وتغسل أموال الفاسدين، إنتاج سياسات السلطة السابقة التي أثبتت فشلها في خلق نمو حقيقي ومستدام. فمثل هذه المشاريع سوف تملأ جيوب أصحابها بالربح، وقد تخلق وهماً إعلامياً بالتعافي، لكنها لا تخلق فرص عمل منتجة كافية، ولا تحسن مستوى معيشة المواطن السوري، بل تزيد التناقضات الطبقية عبر تركيز الثروة في قطاعات ضيقة ولدى شريحة محدودة، وتترك فقراء الشعب السوري، الذين دفعوا الثمن الأكبر في هذه الحرب، فريسة للتهميش والجوع بانتظار فتات موائد المستثمرين التي لن تأتي أبداً. لهذا، فإن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الداخل، وبيد دولة قوية عادلة، تستعيد حقوق شعبها قبل أن تتوسل أموال الغرباء.

---100---_result

معلومات إضافية

العدد رقم:
1282