نصر لـ«قاسيون»: الاقتصاد يعيش فرصة ضائعة في ظل صيغة غنائمية

نصر لـ«قاسيون»: الاقتصاد يعيش فرصة ضائعة في ظل صيغة غنائمية

في لحظة يفترض أن تشكل نقطة تحول في تاريخ الاقتصاد السوري، بعد سقوط السلطة السابقة وفتح الباب نظرياً أمام إعادة الإعمار وبناء نموذج اقتصادي جديد، تتزايد الأسئلة حول المسار الفعلي الذي تسلكه السياسات الاقتصادية في البلاد. فبين الفرص الافتراضية التي أتيحت مع إعلان رفع العقوبات عن سورية وعودة الانفتاح الخارجي، وبين الخيارات التي اتخذتها السلطة اقتصادياً، تتكشف فجوة عميقة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة. في هذه المقابلة، يقدم الخبير الاقتصادي والباحث، ربيع نصر، المؤسس المشارك في «المركز السوري لبحوث السياسات»، قراءة نقدية شاملة للأداء الاقتصادي حالياً، متوقفاً عند ما يصفه بـ«الفرصة الضائعة»، ومحللاً تحولات الاستثمار العام والخاص، واختلالات المالية العامة، وغياب الشفافية في إدارة الاقتصاد. كما يطرح ملامح نموذج بديل يقوم على إعادة بناء المؤسسات، وتعزيز العدالة الاقتصادية، وتوسيع المشاركة المجتمعية كمدخل أساسي لأي عملية تعافٍ حقيقية.

عموماً كيف تقيّم الأداء الاقتصادي العام في سورية منذ رحيل السلطة السابقة وحتى اليوم؟ وهل يمكن القول إننا أمام نموذج اقتصادي جديد مختلف عن النموذج السابق؟
أفضل توصيف للأداء الاقتصادي منذ سقوط النظام السابق هو الفرصة الضائعة؛ فمع سقوط نظام الاستبداد ورفع العقوبات وعودة العلاقات مع الدول العربية والغربية، وفتح إمكانيات بناء المؤسسات العامة بطريقة تشاركية وتضمينية، كانت الفرصة مواتية لانطلاق عملية إعادة إعمار تبدأ من حوكمة شفافة وديمقراطية وعادلة للاقتصاد، مع ما يرتبط بها من تنمية مستدامة تتجاوز اقتصاديات النزاع وتعوض الخسارات البشرية والمؤسسية والمادية. لكن السلطة المؤقتة اختارت صيغة غنائمية قائمة على استغلال الاقتصاد، وصولاً إلى تفكيك التنمية الاقتصادية وتحويل دور الدولة إلى وسيط بين النخبة الحاكمة والمحاسيب الداخليين والخارجيين. لقد أضاعت السياسات الاقتصادية حتى الآن إمكانيات حوكمة اقتصادية تعزز التماسك الاجتماعي وفرص العمل اللائقة وتمكِّن القطاع الخاص المنتج وتقيِّد الاستغلال والاحتكار وتعزِّز ظروف كريمة للعيش. ونتجت عن هذا النهج - الذي لا يراعي سلطة القانون أو المشاركة المجتمعية أو المساءلة والشفافية - ضغوط اقتصادية على المستوى الكلي في الاستثمار الفعلي والميزان التجاري والنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، إضافة إلى الضغوط التضخمية وتوسع الفقر والحرمان.

وهو نموذج يعمِّق منطق النزاع من خلال التمييز والمحسوبية ولا يراعي حتى شروط الحد الأدنى لإنعاش الإنتاج وتحسين ظروف العيش، بالإضافة للتفريط بمقدرات البلاد عبر تجارب تؤثر على مصادر النمو لفترات طويلة قادمة. وهو نموذج يُنشئ سلطة موازية خارج الإطار القانوني تمارس نفوذاً استثنائياً عبر مؤسسات رسمية فوق حكومية مرتبطة بالقصر، أو لجان غير رسمية تتخذ قرارات في السياسات الاقتصادية وتعزز نخبة المحاسيب.
خلال الشهر الماضي، أصدرتم في المركز السوري لبحوث السياسات موجزاً سياساتياً قدرتم فيه أن الاستثمار العام شهد تراجعاً حاداً في عام 2025، في مقابل نمو ملحوظ في الاستثمار الخاص بالأسعار الثابتة، كيف توصلتم إلى هذه النتيجة؟ وما هو الاستنتاج الذي يمكن بناؤه على هذه المعطيات؟

بالنسبة إلى موضوع الاستثمار العام والخاص، لدينا تقديرات عن تنفيذ الاستثمار العام والمشاريع خلال عام 2025 بناءً على بعض المؤشرات الرسمية وتقديرات الخبراء والباحثين. ونلاحظ انخفاضاً حاداً في الاستثمار العام، وهذه المسألة أقرتها وزارة المالية في إنفاق 2025، وهي جزء من استراتيجية تقليص الدور التنموي للدولة وترك الفرص الاقتصادية الكبرى - مثل استثمارات البنى التحتية - بيد المحاسيب. إن إعادة الإعمار تتطلب دوراً استثمارياً جدياً للدولة بالإضافة إلى مساهمة القطاع الخاص والمجتمع المدني. وقد رصدنا اتساع الاستثمار الخاص بالقيم الفعلية، لكن ذلك الارتفاع الطفيف لا يعكس التصريحات عن المشاريع الاستثمارية العملاقة التي أثبتت مجدداً استخفافاً بالتعامل مع قضايا جوهرية في مستقبل الاقتصاد السوري، مثل مشاريع الطاقة والموانئ والمدن الصناعية، والتي تمثل في الكثير منها فرصاً لمضاربات عقارية واستغلال ضعف الشفافية والمساءلة. كان الاستثمار الخاص ليتضاعف مع ثقة السوريين بالمؤسسات العامة وهذه نقطة البداية، وهناك رصد لسياسات تقوِّض البيئة الاستثمارية مثل الرفع الصادم لدعم المحروقات والطاقة، والفتح الكامل للاستيراد، وتقييد السيولة، ورفع الرسوم على التسجيل والترخيص وأسعار العقارات، مع العديد من السياسات التي توضح مفهوم تفكيك التنمية الاقتصادية الذي تحدثت عنه.


أرى أن الدولة في أمسّ الحاجة إلى استثمار عام للنهوض بعد النزاع، كما أن الاستثمار الخاص، وحتى المدني، يجب أن يقوم بدورٍ اقتصادي. لكن في ظل هذه السلطة، أرى أن الدولة تنسحب حتى من مسؤولياتها تجاه قضايا مثل التعليم والصحة والأمن الغذائي. نعم، الاستثمار الخاص يزيد، لأن هناك فرصاً أوسع للتحويلات المالية من المغتربين، ولشركات تعمل الآن، وبعضها محسوب على السلطة ويحقق أرباحاً من سيطرته على قطاعات أو مسارات عدة، أو من فكرة بيع ممتلكات الدولة وبيع الفرص المرتبطة بإعادة الإعمار، ومن دون أي قيود، للأسف، هذا أولاً. أما ثانياً، فهناك عودة وتحرك سكاني كبير، وهذا يتطلب دائماً استثمارات خاصة، سواء على مستوى الصيانة والترميم وتعمير البيوت، أو فتح منشآت صغيرة لكسب العيش في فترة الانتقال.
لكن البيئة غير مساعدة. فمن المفترض - في لحظة يعود فيها السوريون إلى مناطقهم بعد نزوح طويل - أن تكون هناك ثقة بالمؤسسات العامة الحالية وشفافية فيها. لكن مع غياب هذه الثقة، يبقى هناك دائماً توجس من الاستثمار والاستقرار على المدى الطويل. لذلك، هنالك خسارة كبيرة لفرصة أن يعود الناس ويشاركوا بفعالية في عملية إعادة الإعمار. والزيادة التي رأيناها في الاستثمار الخاص هي زيادة طفيفة جداً، مقارنة بالفرصة المتاحة التي كان يمكن أن تنقل الناتج المحلي والاستثمارات إلى مكان آخر تماماً. لذلك، فإن السياسة الحالية لا تشجع معظم القطاع الخاص السوري، الذي هو في غالبيته العظمى مؤسسات صغيرة ومتوسطة وهي خارج دائرة النفوذ مع السلطة، وتعود منافع السياسة الحالية للنخبة المرتبطة بالسلطة والحلفاء الأجانب.

في قضية الدعم، تم رفع الدعم من دون أن تدرس الحكومة المؤقتة آثاره، ورفعت سعر الخبز من دون دراسة أثر ذلك على الأمن الغذائي، وهكذا. والأمر نفسه ينطبق على المالية العامة، فالبيانات الرسمية ضعيفة ومتناقضة، ولا توجد تقديرات رسمية للتضخم، ولا مسوحات جدية لمعرفة أضرار الأعوام الـ14 الماضية. ومع ذلك، تُتخذ قرارات استثمارية مع جهات أجنبية في قطاعات مهمة، وهي خيارات تذهب آثارها إلى المستقبل ويصعب جداً التراجع عنها. وكذلك الحال في فتح الأسواق لاستيراد السيارات أو السلع الزراعية مع ضعف التدقيق في المواصفات. لهذا، نجد أن السياسة تقوض الإنتاج وتجهض إمكانيات النمو المستقبلي.

في عام 2026، قررت وزارة المالية توسيع الاستثمار العام إلى 27% من الموازنة، أي مضاعفته عدة مرات، دون أي شرح للتغيُّر في سياستها؛ فهل غيرت الدولة رأيها في الاستثمار العام؟ أم أن السلطة المؤقتة غير مقتنعة أصلاً بالاستثمار العام، وسيتم توزيع هذه الأموال على تعاقد بالباطن مع المحاسيب؟ ومن ناحية الإيرادات، تلعب الدولة دور الوسيط الذي يسعى لتوسيع الإيرادات من الضرائب غير المباشرة والرسوم، لا دور يقوم بدعم الإنتاج وتحسين عدالة التوزيع.
ما هو تقييمكم لموجز موازنة 2025 الذي أصدرته وزارة المالية مؤخراً، وكذلك «موازنة المواطن» للعام 2026؟ إلى أي مدى يمكن اعتبار الأرقام صحيحة؟
تعبّر «موازنة المواطن» عن أنه لا توجد مؤسسات عامة تعمل على السياسات الاقتصادية باحترافية أو مسؤولية. لأن نقاشات الموازنة كانت يجب أن تتم أصلاً من خلال وضع الأولويات والنقاشات المعمقة. وما جرى، في حدود ما رأينا، هو مناقشات وزارية سطحية تعود إلى أن هناك جهات تطلب ميزانيات، وتتفاوض على المبالغ مع المالية، دون أي نوع من الدراسات المعمقة حول: ما هي أولويتنا في الموازنة؟ وكيف نبني الموازنة على هذه الأولوية؟ ولا أتذكر أننا رأينا اجتماعات متكررة لمجلس الوزراء مخصصة لنقاش الموازنة وأولوياتها وإشكالياتها، أو فتح هذا النقاش بشكل جدي على المستوى العام.

كما أن بعض الأرقام التي توضع تعكس الأولويات لدى السلطة. على سبيل المثال، هنالك نحو 3.3 مليارات دولار في موازنة 2026 مخصصة للإنفاق على الدفاع والأمن. وهذا، برأيي، يكشف أولوية واضحة. وهناك أمر واضح أيضاً، وهو كتلة الأجور التي يجري التمييز فيها بين موظفين عاديين براتب، ومقربين من «هيئة تحرير الشام» براتب أعلى بأضعاف، وبالتالي، صار لدينا طبقتين من العاملين في الدولة. والآن يجري تصميم الأجور مع مكافآت لبعض القطاعات، وكأنهم يعتبرون أنه يجب أن تعطى للقاضي أجور أعلى حتى لا يفسد. وإذا استمرت هذه العقلية، فنحن نصنع طبقات لا تنتهي داخل العاملين في الدولة، وبالتالي، هناك إشكالية كبرى في التفاوت. إنها ميزانية قائمة على التفاوت في الأجور، كما أنها قائمة على التفاوت؛ فحين تلغي الدعم بهذا الشكل، دون سياسات حماية اجتماعية، ودون قدرة الاقتصاد الإنتاجي على التعافي، فأنت تضر أغلبية المجتمع السوري عملياً، وتضر الفقراء أكثر من غيرهم.
وإذا نظرنا إلى جانب الإيرادات أيضاً، نرى أن الرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة تشكل أغلبية الإيرادات. بمعنى آخر، فإن الإيرادات غير العادلة هي التي تمول إنفاقاً يقوم على التفاوت. وهناك خطورة كبيرة في هذا التوجه.
حتى في طريقة مناقشة القانون الضريبي، يبدو الموضوع وكأنه يُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي، مع أن قانوناً بهذه الخطورة يحتاج إلى بناء عقد اجتماعي على أساسه. ثم تأتي زيادة الإعفاءات بطريقة تجعلك تشعر فعلاً بأن هناك عدم مسؤولية في اتخاذ القرار. فالضرائب المباشرة في المسودة الأولى للقانون تكاد تتحول إلى ضرائب غير مباشرة، من خلال نسب 10% و15% على دخل الشركات دون وجود ضرائب تصاعدية. وبالنتيجة، فهذا القانون الضريبي يعاقب الأفقر بشكل مباشر.
لذلك، فإن ما أسميه تقويض التنمية ما يزال مستمراً، مع مباركة دولية، وهذا ما يشجعه أيضاً، لأن بعض الدول في الخارج تشجع السلطة المؤقتة حتى في قضايا يجري التلاعب فيها، مثل قضايا الملكية والفروغ وتوزيع الأراضي، وهي قضية شديدة الخطورة.
ما هي تقديراتكم لحجم الناتج المحلي الإجمالي ونسبة النمو في عام 2025 في سورية؟ وكيف تم تقديرها؟

بالنسبة للناتج المحلي، فالمركز السوري لبحوث السياسات يعمل منذ سنوات على تقييم الناتج المحلي والأسعار والتضخم ورأس المال الاجتماعي وكثير من المؤشرات التنموية خلال أربع عشرة سنة. وقد طورنا هذه العملية من خلال بحوث يعود جزء كبير منها إلى عمل الخبراء، لكن فيها أيضاً بحوث تشاركية تقوم على المقابلات في مختلف مناطق سورية. وهذا عمل قديم لدى المركز، وليس جديداً، فهو عمل تراكمي، وإن كانت عملية النشر تتفاوت لأسباب مختلفة.
أما تقديراتنا للناتج، فنحن نعتمد فيها على تقديرات كمية، وهي، برأيي، الطريقة الأمثل في ظل تقلبات الأسعار والنزاعات، حتى نكون أقرب إلى النمو الحقيقي. والناتج المحلي إشكالية كبرى، لأنه مؤشر اقتصادي رئيسي، لكن الطريقة التي طرح بها رسمياً مخيفة. فهناك حديث متناقض داخل السلطة، وداخل فريقها الضيق الذي يتكلم في الاقتصاد: مسؤول يقول إن النمو 33%، وآخر يقول 5%، ثم تظهر في الموازنة أرقام مختلفة عن التصريحات الرسمية. الأخطر من ذلك، أن تكون الحكومة المؤقتة لا تعرف الصورة الاقتصادية كاملة، أو تحاول أن تتغاضى على جوانب كبرى منها.

أخطر مثال، بالنسبة إلى الموازنة العامة، هو أن لدينا آليات للاستيلاء والتصفيات والتسويات، وليس واضحاً ما إذا كانت مواردها تدرج في الموازنة العامة في 2025. ولدينا مؤسسات فوق حكومية، مثل هيئة الاستثمار وهيئة المنافذ والصندوق السيادي، بدأت تركز على كيفية تجميع إيراداتها. وبالتالي، لدينا جوانب تتصل بحوكمة الاقتصاد، وعدم الشفافية، وعدم القدرة على رؤية الصورة كاملة.
تحاول تقديرات المركز السوري لبحوث السياسات أن تكون موضوعية قدر الإمكان، وأن تعطي مؤشراً إلى الاتجاه، وهو في هذه الحالة أننا لسنا في طريق التعافي. ونتحدث عن خلل هيكلي قائم على التفاوت والاستغلال وعدم الشفافية، وهذا دائماً يجعل النزاع حياً ويؤدي إلى استمراره. وإذا استمرت السياسة الاقتصادية في الاتجاه ذاته - الذي يضيق على الإنتاج ويضعف الطلب ويضغط على سعر الصرف وعلى الأسعار - فبرأيي أن ذلك سيقود إلى خسارة فرصة إعادة الإعمار.
ما هي ملامح النموذج الاقتصادي البديل من وجهة نظرك؟ وما هي نقطة الانطلاق التي تسمح ببناء هذا النموذج؟
في موضوع النموذج البديل، أرى أن نقطة الانطلاق هي المؤسسات، أي المؤسسات العامة، وإعادة بناء المؤسسات العامة. وهذا يجب أن يأخذ في الاعتبار التراكم أولاً. وثانياً، يجب أن يأخذ في الاعتبار مصالح أغلبية السوريين. فمشاركة أغلبية السوريين مسألة أساسية، لأن الطريقة الغنائمية - أي فكرة أننا نستطيع الاستيلاء على السلطة والمال - تفجر المجتمع والاقتصاد. والدعم الخارجي لن يستمر بهذا المعنى. فإذا كانت أغلبية الناس في الداخل متضررة من الأداء الاقتصادي، فلا يمكن أن يستمر ذلك دون فقدان الاستقرار.

55daf22c-3011-4d04-b303-69bf42712246_2500x1667_result
وأبسط مثال على ذلك إدارة المشافي العامة، حيث تريد السلطة تحويلها لمصدر للربح، متجاهلة الحاجة الصحية المخيفة الناجمة عن النزاع والتي تتطلب قطاعاً عاماً مجانياً واحترافياً لمواجهة خسائر الحرب. ومجالات الدعم السابقة نفسها - المشتقات النفطية والكهرباء - صار فيها ربح للدولة، ما يعني أن السلطة لم تكتف بإلغاء الدعم، بل أصبحت تأخذ أرباحاً هائلة جداً في مجالاته بحسب تقديرات المركز. وبالتالي، نحن نتحدث عن جهة تحاول أن تستحوذ، لا عن جهة تعمل لتمكِّن.
الطريق الأول للمستقبل هو بناء المؤسسات، وهذا يحصل من خلال حوار نضع فيه أولوياتنا لإعادة الإعمار، ونتكلم عن شكل التعليم الذي نريده، وشكل القطاع الخاص، والبنية التحتية، ومن يستثمر فيها. وهذه النقاشات هي في جوهر بناء العقد الاجتماعي والمواطنة والعلاقات الاجتماعية.

ولا توجد إعادة إعمار مع دولة تنسحب من لعب دورها، أو تعمل فقط في الأمن والعسكر، أو تقيم علاقات مع بعض الشركات الخاصة التي تستحوذ. فهذا لا يبني دولة مدمرة، بل يجعلها تصنع خلافات ونزاعات. وهذا مجتمع 90% منه فقراء، فإذا ذهبت لتضغط عليه، وكأن هذه شطارة، فأنت عملياً تخسر الاستقرار، وتخسر الاقتصاد، وفي النهاية تخسر السلطة نفسها.
يطرح مركزنا بدائل عدة. ومن البدائل الأساسية تطوير الدور التنموي للدولة في فترات إعادة الإعمار، بدءاً من بناء الحوكمة، وكيف يبدأ الناس باكتساب الثقة بالسياسات العامة، وصولاً إلى سياسات مالية ونقدية مناسبة. مثلاً، إذا كنت في حالة انكماش، فأنت تحتاج إلى سياسات توسعية. وإذا كانت إعادة الإعمار تكلف مئات مليارات الدولارات، فعليك أن تبحث عن الصيغة النموذجية التي تتيح للناس المشاركة، وأن تكون الأولوية للأكثر تضرراً من الحرب، وأن يحصلوا على مشاركة اقتصادية فعالة حتى يعودوا إلى حياتهم الطبيعية، كأسر ومجتمعات.

وهناك قضايا تتصل بالعدالة، بمعنى أن تكون هناك محاكمات عادلة ومن يعمل في الاقتصاد لا يخاف أن يخسر ممتلكاته، ولا يخاف من تغييرات جذرية في قانون الضرائب، أو من الاستملاكات. فلا بد من سلطة قانون تحترم الناس، وتعمل على فكرة العدالة. لأنه إذا استمرت هذه المنهجية الاستغلالية، بالطريقة نفسها التي سميناها غنائمية، فأنت تتحدث عن تفاوت يقود إلى نزاع. وبالتالي، فإن التوجه نحو العدالة هو مطلب اقتصادي بالدرجة الأولى.
النقطة الأخيرة هي فكرة الاقتصاد التضامني الاجتماعي، أو الاقتصادات التي تحترم البيئة، وتحترم الثقافة المجتمعية المحلية، وتحترم عدم الاستغلال. فليس بالضرورة أن كل ما نفعله يجب أن يقود إلى أبراج وأرباح مليارية. المهم، في كثير من الأحيان، أن يُبنى اقتصاد يؤمن الخدمات العامة، ويتيح للقطاع الخاص أن يعمل في بيئة نظيفة ونزيهة، ويجعل المجتمع المدني مساهماً اقتصادياً أيضاً. وإذا لم يبدأ التغيير في محركات الاقتصاد، وفي الطريقة التي ينتج بها الاقتصاد، فنحن، للأسف، نتحدث عن إقصاء أغلب العوامل التي يمكن أن تساعد في فكرة إعادة الإعمار.

أريد أن أختم بالقول إن المخارج من الوضع الحالي كثيرة، لكن كل شيء يجري في غرف مغلقة. نحن لا نعرف أين تجري الاتفاقيات، وأشياء رسمية كثيرة توزَّع على تطبيق تلغرام، وأحياناً تُنفى، لمجرد أنه لا يوجد مكان رسمي يصدر عنه ما الذي تفعله هذه السلطة في الفترة الانتقالية. وبالتالي، فإن قضية الشفافية أساسية. وعلى هذه السلطة أن تستعيد فكرة أنها لم تأتِ لتستحوذ، وأنها لا تستطيع، بالقوة، أن تقصي، ثم تعيد توزيع الثروة بهذه الطريقة المشوهة. الطريق ضيق جداً، لكن الخيارات والبدائل الممكنة موجودة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275