200 مليون جائع خلال عامين والمتسبب ليس الحرب في أوكرانيا
توسان وبيرنز توسان وبيرنز

200 مليون جائع خلال عامين والمتسبب ليس الحرب في أوكرانيا

على عكس الفكرة التي انتشرت في عام 2022، بدأت أزمة الغذاء العالمية قبل الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الحبوب بسبب المضاربة. على الصعيد العالمي، من عام 2014 إلى عام 2021، ازداد عدد الأشخاص المتضررين من انعدام الأمن الغذائي الخطير أكثر من 350 مليون شخص، من 565 إلى 924 مليون. كان معدل الزيادة حاداً بشكل خاص من 2019 إلى 2021، وأثر على أكثر من 200 مليون شخص. في عام 2021 عانى حوالي 2.3 مليار شخص «29.3٪ من سكان العالم» من انعدام أمن غذائي معتدل أو خطير. في عام 2022 تشير جميع المؤشرات إلى خطر قائم. انعقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 17 أيار 2022 لمناقشة كيفية التعامل مع أزمة الغذاء المقبلة التي قد تؤدي إلى ثورات شعبية.

ترجمة: قاسيون

هذه هي النتيجة المباشرة لنموذج الأعمال التجارية الزراعية الذي يهدف إلى جني الربح بدلاً من إطعام الناس. آثار هذا النظام واضحة بشكل خاص في دول «الجنوب العالمي»، حيث فرضت سياسات التكييف الهيكلي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي شكلاً مكثفاً من الزراعة الموجهة للتصدير والتنافسية والمربحة في السوق العالمية، ما أدّى إلى الضغط على إنتاج الأغذية الأساسية والزراعة الفلاحية التي تنتج 70٪ من غذاء العالم. أصبح الغذاء سلعة خاضعة للمضاربة في السوق العالمية حيث تقوم قلّة من الشركات متعددة الجنسيات الكبيرة بتحديد الأسعار.
تستفيد هذه الأعمال التجارية الزراعية الكبيرة من الإعانات وتستحوذ على المزيد من الأراضي لتوسيع إنتاج المحاصيل المخصصة للوقود ما يستنزف موارد المياه لصالح المحاصيل الزراعية عالية الاستهلاك، وتدمر بذور الفلاحين لصالح المنتجات الهجينة والبذور المعدلة وراثياً، وتعمم استخدام الأسمدة الكيماوية والمبيدات.
يعاني شخص من كلّ عشرة أشخاص في العالم من الجوع بشكل دائم وفقاً لمعيار أوسع طورته منظمة الفاو. يعاني 30٪ من سكان العالم من انعدام الأمن الغذائي. وفقاً للفاو، فـ 60٪ من سكان القارة الإفريقية يعانون من انعدام أمن غذائي معتدل، و20٪ من انعدام أمن غذائي حاد. هذه الأرقام ميالة للزيادة وليس للنقصان.
أعلنت منظمة اليونيسيف في 23 حزيران أنّ ما يقرب من 8 ملايين طفل دون سن الخامسة في 15 دولة معرضون لخطر الموت من الهزال الشديد. أجبرت الأزمة الغذائية العالمية المتزايدة 260 ألف طفل إضافي منذ بداية العام– طفل كلّ 60 ثانية– على المعاناة من الهزال الشديد في 15 دولة تتحمل وطأة الأزمة. ووفقاً لليونيسيف فقد ارتفع سعر الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام لعلاج الهزال الشديد بنسبة 16٪ في الأسابيع الأخيرة بسبب الارتفاع الحاد في مكوناته الأساسية. علاوة على ذلك هناك 600 ألف طفل إضافي لا يستطيعون الوصول إلى العلاج الذي قد ينقذ حياتهم ولهذا هم معرضون للموت.
من المفارقات أنّ غالبية الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية هم مزارعون، ولا سيما صغار المنتجين الذي لا يملكون الأرض أو لا يملكون ما يكفي من وسائل لزراعتها. يتعين على هؤلاء بيع أكبر قدر ممكن من المنتجات الزراعية في السوق لسداد ديونهم ممّا يحرمهم من الطعام الكافي لعوائلهم.

الإنتاج يزيد ولا ينقص!

ممّا يحيّر العقل الباحث عن سبب المشكلة أنّ العالم لا يعاني من نقص في إنتاج الغذاء، ففي الواقع زاد إنتاج الغذاء العالمي بسرعة أكبر من سرعة نمو سكان العالم لأكثر من نصف قرن. في 2021 وصل محصول الحبوب إلى مستوى قياسي، ولكن جزءاً متزايداً من هذا المحصول ليس مخصصاً للاستهلاك البشري.
دعمت حكومات «دول الشمال» إنتاج الوقود الزراعي، والذي يُطلق عليه اسم «الوقود الأخضر» أو الوقود الحيوي بشكل مضلل من أجل إثارة استجابة إيجابية من الجمهور. في مقال نشر في نيسان الماضي سلط جان فرانسوا كولين، المستشار السابق في وزارة الزراعة الفرنسية، الضوء على الزيادة الكبيرة في الاستخدامات الصناعية لإنتاج الحبوب في العالم، ولا سيما الإيثانول. تمّ تخصيص 30٪ من الزيادة في الإنتاج العالمي خلال الخمسين عاماً الماضية لصالح الاستخدام الصناعي للحبوب. المحصول الرئيسي هو الذرة، ولكن يتم استخدام القمح على نطاق واسع أيضاً. يتم في الولايات المتحدة معالجة ما يقرب من 200 مليون طن من الذرة كلّ عام لتحويلها إلى إيثانول يستخدم كوقود للسيارات. يتم اليوم استخدام 10٪ من الحبوب كوقود للسيارات.
إذا ما أضفنا إلى ذلك المساحات المخصصة لنباتات مثل اللفت وفول الصويا وزيت النخيل التي يتمّ استخدامها أيضاً للوقود، فهذه المناطق جميعها يمكن أن تنتج محاصيل القمح والأرز المخصصة لإطعام البشر.
كما أنّ 35٪ من إنتاج الحبوب العالمي يُستخدم كعلف للحيوانات في شركات الإنتاج الحيواني. تسيطر حفنة من الشركات متعددة الجنسيات على سوق الحبوب، وبالتالي تشكل قطباً يزيد باستمرار من أرباحه وأصوله على حساب مصالح البشر العاديين. على مستوى العالم بأكمله، تسيطر أربع شركات على 70٪ من سوق الحبوب الدولي «ثلاث أمريكية وواحدة فرنسية».
لنأخذ واحدة منها كمثال هي شركة كارغيل Cargill. ذكر تقرير حديث لمنظمة أوكسفام أنّ شركة كارغيل هي واحدة من أربع شركات تملك أكثر من 70٪ من السوق العالمي للسوق الزراعية. يملك 11 شخصاً من عائلة كارغيل 87٪ من الشركة، وقد بلغت ثروتهم 42.9 مليار دولار في 2017. ومنذ عام 2020 ازدادت ثروتهم بمقدار 14.4 مليار دولار، وكانت تنمو بنحو 20 مليون دولار يومياً خلال الوباء بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية. كان صافي أرباح الشركة العام الماضي 5 مليارات دولار، ومن المتوقع أن تحقق أرباحاً أعلى هذا العام بسبب ارتفاع الأسعار.

هل من حلّ سريع؟

لا يمكن حلّ أزمة الغذاء دون حلّ المشكلة الرئيسية التي تسببت بها: الإنتاج خدمة للربح الأقصى الذي يصبّ في النهاية في جيوب الشركات الكبرى العالمية. لكن صاغت منظمة «طريق الفلاحين La Via Campesina» مقترحات فورية لمعالجة المشكلة، يمكن تلخصيها بالتالي:
إنهاء المضاربة على المواد الغذائية وتعليق تداولها في أسواق السلع، وحظر المضاربة على العقود الآجلة الزراعية. ينبغي ربط أسعار الأغذية المتداولة عالمياً بتكاليف الإنتاج واتباع مبادئ التجارة العادلة سواء بالنسبة للمنتجين أو المستهلكين.
إنهاء سيطرة منظمة التجارة العالمية على أسواق المواد الغذائية، وخاصة القواعد التي تمنع البلدان من تطوير مخزونات الأغذية العامة، وتنظيم الأسواق والأسعار، وسنّ سياسات تدعم صغار المنتجين.
عقد اجتماع طارئ للجنة الأمن الغذائي وإنشاء هيئة دولية جديدة لإجراء مفاوضات شفافة بشأن الاتفاقات السلعية بين البلدان المصدرة والمستوردة، كي يتسنى للدول التي تعتمد على الاستيراد الغذائي الحصول عليها بأسعار مقبولة للطرفين.
حظر استخدام المنتجات الزراعية لإنتاج الوقود أو الطاقة. يجب أن يكون الطعام أولوية على الوقود.
فرض حظر عالمي على سداد الديون العامة من قبل البلدان الفقيرة وشديدة الفقر.

بتصرّف عن:
International food crisis and proposals to overcome it

معلومات إضافية

العدد رقم:
1096

تابعونا على الشبكات التالية!

نظراً لتضييق فيسبوك انتشار صفحة قاسيون عقاباً لها على منشوراتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ندعوكم لمتابعة قنواتنا وصفحاتنا الاخرى على تلغرام وتويتر وVK ويوتيوب وصفحتنا الاحتياطية على فيسبوك