أين مظاهر «السيناريو التفاؤلي» الذي حققته الخطة الخمسية؟

إعداد وحوار: حسان منجة
أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية عبد الله الدردري في لقاء مع صحيفة تشرين الأسبوعي بتاريخ 14/7/2009 أن سورية واجهت السيناريو التشاؤمي الذي يحقق نمواً 4%، لكنها حققت السيناريو التفاؤلي بنمو 7% ، والذي يتطلب حسب توصيف الخطة الخمسية العاشرة اتجاهاً إيجابياً من ناحية الاستثمارات والوضع الإقليمي والعالمي والوضع المناخي. واعتبر أن الموقع الجغرافي هو ميزة سورية الأساسية اقتصادياً.. وهذا بدوره طرح عدداً من الأسئلة توجهنا بها إلى عدد من المتخصصين الاقتصاديين السوريين، وكانت الإجابات التالي:

د. غسان ابراهيم:
الأزمة الاقتصادية العالمية تؤكد ضرورة إعادة الاعتبار للزراعة والصناعة..

ـ د. غسان ابراهيم، هل تأثرت سورية بالأزمة الاقتصادية والمالية العالمية؟
اقتصادنا هو اقتصاد بلد نام قائم على المواد الأولية والزراعية والمعدنية وغيرها، فهناك آثار ترتبت على الأزمة وهناك أثار متوقعة، وما ترتب على الأزمة يتعلق ببنية الاقتصاد السوري، والمتمثل بضعف الطلب على الصادرات السورية بسبب حالة الركود العالمية، فنحن دولة مصدرة للمواد الأولية (النفط، القمح، القطن) وهذا بشكل عام، وبشكل أدق ما يتعلق ببنية المنتجات السورية سواءً من حيث التكلفة أو السعر، فنحن أصلاً لا نمتلك قدرة على المنافسة عالمياً، فكيف ستكون الحالة أمام هذا الوضع العالمي الراهن؟ وتمثل تأثر الاقتصاد السوري بإغلاق مئات المنشآت الصناعية الصغيرة بسبب الكساد وضعف الطلب، وسيكون لهذا أثر مباشر على معدل البطالة ومعدلات الفقر، حيث ارتفع معدل البطالة 7 ـ 9% والفقر من 11 ـ 13%.
أوضحت الأزمة بشكل لاشك فيه الأسباب الحقيقية لضعف منافسة المنتجات السورية في السوق الدولية، لأن بنية الصناعة السورية لا تساهم في تنويع الصادرات الصناعية أو المنافسة من حيث الجودة والكلفة، أو وصول المنتج بالوقت المناسب إلى السوق الخارجية.
إن عدم اندماج اقتصادنا في السوق الدولية بشكل سريع أدى لتخفيف آثار الأزمة سواءً على الاقتصاد ككل أو على البنية القطاعية، كما أسهمت الأزمة في انكشاف الاقتصاد السوري على حقيقته، أي أنه بنية منكشفة على الخارج وعلى الاقتصاد الطبيعي أو الزراعي، فانخفاض أسعار العديد من المواد الزراعية كان له تأثيره الكبير على إيرادات الصادرات الزراعية، وسينعكس بدوره على العاملين في هذا القطاع. فالأزمة كرست ضرورة إعادة النظر ببنية الاقتصاد السوري لمصلحة إعادة هيكلته، ولكن ليس لاندماجه بالسوق العالمية أو اتباع النهج الرأسمالي، وإنما إعادة الاعتبار للزراعة والصناعة، فالصناعة قاطرة الاقتصاديات العالمية في الدول النامية والمتقدمة، ولكن مساهمتها في الناتج الإجمالي متواضعة جداً، بل إن معدل نموها كان سالباً، وهذا ينطبق على الصناعة التحويلية إذا ما استثنينا الصناعة الاستخراجية، والتي تساهم بـ9% من الناتج المحلي، وهي أقل من نسبة مساهمة قطاع النقل التي تبلغ 15%، فهل يعقل لدولة تريد تطوير اقتصادها أن تكون مساهمة قطاع النقل أو الخدمات أو التجارة أكبر من القطاع الصناعي؟! إذاً، بعدم وجود أزمة يجب علينا إعادة النظر في هيكلة الاقتصاد السوري، عبر تنويع الإنتاج وتوسيع مساهمة الاقتصاد الحقيقي ومساهمة  أكبر للإيرادات الضريبية وعدم الاعتماد على التمويل بالعجز، فكيف سيكون الحال بوجود أزمة عالمية كبيرة كهذه.
فتأثر الاقتصاد السوري كان واضحاً، فلم ينخفض سعر سلعة واحدة في السوق السورية، وهذا يناقض قوانين الركود والكساد التي تقول إن الكساد الاقتصادي العالمي يجب أن ينعكس على الأسعار محلياً. صحيح أنك لا تستطيع التصدير، وبالوقت نفسه أسعار المستوردات منخفضة، وبالتالي لا يزداد استيرادك، ولكن لماذا لم تنعكس إيجابياً على المواطن السوري؟ حيث بقيت أسعار بعض المنتجات العالمية أرخص بما لا يقاس منها لدينا كالسكر والرز والقمح والحمضيات؟ ففاتورة هذه السلع مازالت مرتفعة كما كانت قبل الأزمة، وأنا أعتقد أن المسألة متوضعة في مكان آخر، قد يكون من احتكار القلة، أو هيمنة نفوذ بعض مالكي البضائع من تجار وغيرهم.

ـ هل واكبت الحكومة تداعيات الأزمة على الاقتصاد السوري بشكل كاف؟ وكيف يجب أن تكون؟
اقتصر عمل الحكومة على بعض الإجراءات ضمن القطاع الصناعي نتيجة مطالبة الصناعيين، ومقابل ذلك توقفت مئات المنشآت الصناعية وخاصة الصغيرة والمتوسطة، وهذا يتنافى مع إجراءات الحكومة إذا ما وضعت خطة لمساعدة الصناعية أساساً، والتي تفترض عدم إغلاق هذه المنشآت، فالمطلوب وضع خطة استراتيجة اقتصادية واستراتيجيات قطاعية عبر السؤال ماذا أريد من الاقتصاد السوري في عام 2009 و2010، فارتفاع الناتج القومي أو الدخل القومي أو معدل النمو الاقتصادي تعد أهدافاً جزئية، والأهم انعكاس هذه المؤشرات على حالة المواطن وواقعه المعاشي، وهكذا تقاس فاعلية الإجراءات الحكومية.
إن أخطر انعكاسات الأزمة المالية العالمية هو الانجرار بوحيها وبداعي أيديولوجيا المنظمات الدولية وراء تطبيق النهج الرأسمالي، أي أن تشكل الأزمة عذراً لإعادة تطبيق الحماية الوطنية أو الاقتصادية أو إعادة التفكير بتنمية مستقلة حتى لو تم تجاوز هذه الأزمة، بل على العكس يجب التمسك بمكاسب المواطن التي حصل عليها منذ نصف قرن فالخطورة تكمن هنا بالدرجة الأولى. والأزمة إذا استمرت نحتاج إلى خطة إنقاذية سريعة، وبدورها تحتاج إلى برنامج تنفيذي، وأعتقد أن الموازنة العامة للدولة لا يمكن أن تساعد في تطبيق هذه الخطة إذا ما وضعت أساساً.    
 
د. منير الحمش:

 أرقام النمو المعلنة لا تعبر عن الحقيقة
ـ د. منير الحمش؛ كيف يمكن أن نحقق نمواً بنسبة 7% في ظل ظروف حالة تشاؤمية مناخية ودولية لا تحقق وفق الخطة الخمسية العاشرة نسبة نمو تتعدى 4%؟
كان من المفترض أن يتم توقع الأوضاع والعوامل التي تؤدي إلى سيناريو تشاؤمي، فالحصار كان موجوداً عند إعداد الخطة الخمسية العاشرة، وسورية معرضة للجفاف، فلا أعتقد أنه يمكن تجاهل هذا عند إقرار الخطة، ولا تدعى هذه الحالة تشاؤمية بل واقعية، لذلك فأنا ضد هذه السيناريوهات المعلنة وتصنيفاتها، أما إذا أردنا دراسة النمو في ضوء الواقع، ويمكن القول: إن ما تحقق ليس السيناريو التفاؤلي، لأن معدل النمو لم يصل إلى 7% وكل الدراسات تشير إلى أن معدل النمو لم يتجاوز 4-5%، وتوقعات صندوق النقد الدولي كانت أقل من ذلك، وظهر هذا أيضاً في التقرير المقدم من الصندوق الدولي إلى الحكومة السورية، والذي أشار إلى أن معدل النمو في عام 2005 بلغ 4,5%  وفي عام 2006 وصل إلى 5,1 % أما في عام 2007 فقد انخفض إلى 4,2%، وتوقع الصندوق أن يكون معدل النمو بحدود 3,9% في عام 2009، فالسؤال: من أين أتى الفريق الاقتصادي بالسيناريو التفاؤلي وبالنمو بنسبة 7%؟!!

ولابد من القول وبغض النظر عن حقيقة الأرقام: إن العبرة ليست أصلاً في معدل النمو، بل السؤال: أين يذهب المعدل العالي للنمو؟! وإلى أية فئة من الفئات الاجتماعية؟! ومن المستفيد النهائي منها؟!!
من يريد تدقيق مسألة النمو في ظل الواقع الاقتصادي والمعاشي الحالي في سورية عليه أن يجيب عن مجموعة أسئلة:  ماذا حصل بمعدل البطالة؟! ماذا حصل للفقر؟! وكيف تم توزيع الدخل القومي؟! وهل أدى التوزيع إلى عدالة ونهوض مجتمعي انعكس على كافة الفئات الاجتماعية، أم أن هناك فئة محدودة استفادت من النمو؟! فمعدلات الفقر حسب الإحصاءات الأخيرة تشير إلى ارتفاع خط الفقر الأدنى من 11% إلى 14%، والحد الأعلى للفقر ارتفع أيضاً، خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة عموماً وبين الشباب والخريجين بشكل خاص، وهذا كله يحتم على الحكومة مراجعة السياسات الاجتماعية والاقتصادية بشكل حقيقي. لأن النهج الذي سار عليه الفريق الاقتصادي هو نهج السوق وليس اقتصاد السوق الاجتماعي، بينما قرار القيادة السياسية مخالف تماماً.
الدولة انسحبت من دورها الاقتصادي والاجتماعي بشكل شبه كلي، والقطاع الخاص كان عاجزاً عن ملء هذا الفراغ، على الرغم من كل ما تقوله الإدارة الاقتصادية من مساهمة القطاع الخاص بالاستثمارات بشكل جيد، لكن هذه الاستثمارات ذهبت لقطاعات العقار والسياحة وهذه القطاعات لا تصنع تنمية، لذلك لا بد من مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية عند الإعداد للخطة الخمسية الحادية عشرة.

ـ هل تمتلك سورية آلية واضحة في عملية قياس معدل النمو؟
أرقام النمو المعلنة لا تعبر عن الحقيقة، لأننا نتحدث عن أرقام رسمية صادرة عن المكتب المركزي للإحصاء، وأخرى عن صندوق النقد والبنك الدولي، بينما نفتقر لمركز مستقل يعطينا صورة حقيقية للمجريات على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فالفريق الاقتصادي والمؤسسات الدولية من مصلحتهم وفي صلب اهتمامهم إعطاء صورة وهمية مشرقة عن الاقتصاد السوري، كإظهار الزيادة في معدلات النمو نتيجة السياسات الاقتصادية المتبعة والمنسجمة مع الحلول الجاهزة التي تصدرها لنا المؤسسات الدولية، وهذا واضح في تقارير المؤسسات الدولية التي تثني على السياسات المالية والاقتصادية الحكومية.
اعتبر صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير أن هناك أمرين يجب على السياسة الاقتصادية السورية تنفيذه: رفع الدعم وإعادة هيكلة للمشتقات النفطية، وإقرار ضريبة القيمة المضافة، وتم بالفعل رفع أسعار المازوت، وتم أيضا الإعداد لمشروع قانون القيمة المضافة من فريق من صندوق النقد، وهو موجود لدى الحكومة، فالإجراءات الاقتصادية التي تجري لا يستفيد منها إلا فئة محددة تتمثل برجال الأعمال الجدد والتقليديين فقط، بينما غالبية الشعب السوري لم تستفد، والطبقة الوسطى تتآكل، فغالبية الناس باتوا في فقر لا يدعو للسرور.
 
ـ اعتبرت الحكومة أن قرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية من أنجح قراراتها، فهل هذا القرار يعد ناجحاً فعلاً؟
معيار نجاح أي قرار اقتصادي هو النتائج المترتبة عليه في الواقع،  والقول أن هذا القرار أوقف التهريب هو إدانة للحكومة وإجراءاتها، فالقرار جائر لأنه أضر بملايين الأسر السورية، كما أن استهلاك المازوت يقاس من زاوية الصناعة والزراعة اللتين تضررتا من هذا القرار كثيراً وليس الاستهلاك المنزلي فقط، والقرار بتقديري نوقش من جانب واحد ولم يأخذ بعين الاعتبار الأثر الكلي.
 
د. غسان طيارة:
الموقع الجغرافي المتميز لا يبني اقتصاداً قوياً..
ـ د. غسان طيارة؛ هل الموقع الجغرافي هو ميزة سورية الأساسية اقتصادياً؟
الموقع الجغرافي المتميز لا يمكن أن يبني اقتصاداً قوياً إلا من خلال توافر الجهود والإمكانيات، وعندما يكون هناك توجه اقتصادي واضح لأنه عامل مساعد، والإشكال الحالي أننا لا نستفيد من الموقع الجغرافي وندعي أن الموقع الجغرافي متميز، فالسؤال: إذا أنا امتلكت موقعاً جغرافياً متميزاً بوجود فساد مستشر، هل سأبني في هذه الحالة اقتصاداً قوياً عبر الموقع الجغرافي؟!، فكيف يمكن لإنسان أن يأتي ويساعد في بناء سورية إذا علم أنه لا يستطيع أن يبني إلا إذا تشارك مع س أو ع أو ص من الناس، ولنأخذ اليابان ما هو موقعها الجغرافيً؟ وبماذا يتميز؟ فهي في مقدمة الدول اقتصادياً رغم أنها بعيدة عن العالم كله، وذلك لكونها تمتلك فكراً اقتصادياً يبني، وأشخاصاً اقتصاديين أبعد ما يكونون عن نشر الفساد، ويتنافسون دون احتكار، فعندنا يتكلمون عن التنافس ولكن هناك احتكارات.
الدولة تقول منذ سنتين إنها تسيطر على الأسعار، والسؤال: هل هناك سيطرة على الأسعار؟ الجواب طبعاً بالنفي. إذاً لا يمكن أن أبني اقتصاداً وهناك علل، «الجنة دون ناس ما بتنداس» وهذه هي حال الموقع الجغرافي. فعندما أقرر أن أضع دعاية لسورية يجب أن تكون مستلزمات الصناعة والزراعة متوفرة والمجتمع يساهم مساهمة فعلية في البناء وعندها أقول استفيد من موقعي الجغرافي وأستطيع أن أصدر للهند والصين.

 ـ لماذا لجأ النائب الاقتصادي لهذا التوصيف ووضع الموقع الجغرافي في المرتبة الأولى؟
هذا نوع من تخدير العواطف، فأنا مثلاً حين أسمع أن ليس هناك في سورية أزمة اقتصادية أقول: إن هناك أزمة لعدم الاعتراف بالأزمة، فيكف يمكن أن أعالج مريضاً إذا أنكرت مرضه؟!! فهل الموقع الجغرافي لسورية أفضل من الموقع الجغرافي للبنان؟ لبنان استقدم استثمارات بمقدار 2,8 مليار دولار في العام 2007، أما في سورية فقد بلغت الاستثمارات في عام 2007 حسب تصريح منظمة أون تات 900 مليون دولار، رغم الفرق الكبير في المساحة وعدد السكان. وإذا أرادت أوربا تصدير سياراتها إلى لهند، الأفضل أن تقوم بإنشاء صناعة في سورية لكنها لم تقم بذلك، بل فضلت إقامتها في تركيا، وأنشأتها في إيران وذلك لعدة أسباب: وجود رأسمال، وجود عمالة، وجود نوع من المشاركة الفعلية لأبناء الوطن، فمخطئ من يفكر أن الأجنبي سيأتي ويبني لي وطني باسم الموقع الجغرافي لأنه يرغب بالربح فقط، لا يبني هذا الوطن إلا أبناؤه.
 
د. نبيل مرزوق:
الخسائر الاجتماعية تتوقف على الاتجاه الذي يوضع للإصلاح الاقتصادي
ـ د. نبيل مرزوق؛ هل يمكن أن تحدد لنا أرقام النمو الحقيقية التي تحققت في سورية؟ وكيف تقاس نسب النمو عندنا؟
يجب تدقيق أرقام النمو المعلنة، لأنها تحققت في قطاعات المال والتأمين والعقارات بالدرجة الأولى وبعض النمو المحقق في قطاع السياحة، لكن قطاعات الإنتاج المادي سواء الصناعة التحويلية أو الزراعة فلم تحقق نمواً مناسباً، فالنمو الحقيقي لم يتحقق، بل هناك نمو ظاهري ووهمي في قطاعات لم يتأكد بعد أو يتفاعل بشكل كاف دورها في تنمية الاقتصاد الكلي.
تقاس نسبة النمو في سورية بالطريقة المتبعة في مختلف دول العالم، من خلال مقارنة الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة قياساً بالناتج المحلي الإجمالي في السنة  السابقة أو في سنة أساس مأخوذة، وفق معايير ومقاييس الأمم المتحدة. ولكن هناك طريقة لحسابه في النظام الاشتراكي تختلف عن الطريقة المتبعة في النظام الرأسمالي.
 
ـ هل يرتبط الإصلاح الاقتصادي دائماً بالخسائر الاجتماعية كما يحاول البعض إشاعته؟
تتوقف الخسائر الاجتماعية على اتجاه الإصلاح الاقتصادي، والمتمثل جوهره بإعادة صياغة وتصحيح الاقتصاد الوطني بما فيها إعادة توزيع الدخل الوطني، وبالتالي إما أن يأخذ الإصلاح اتجاه تعزيز التفاوت الاقتصادي والاجتماعي القائم، أو يأخذ اتجاه تصحيح الخلل في توزيع الدخل والناتج وبالتالي يكون إصلاحاً تنموياً باتجاه مصلحة الفئات الاجتماعية الأوسع، فبأي إصلاح اقتصادي رابحون وخاسرون، فأعباء الإصلاح والخسائر المحتملة يفرضه عملياً ميزان القوى السائد واتجاه الإصلاح، فعندما يكون هناك خلل في ميزان القوى لمصلحة رأس المال والمتنفذين الكبار في البلاد تتحمل بحكم الإجراءات المتبعة الفئات الأوسع (عامة الشعب) ضريبة الإصلاح، وتكون عملية إعادة توزيع الدخل أكثر إجحافاً بمصالحها، بينما لا يخسر المنتفعون ولا يدفعون لأن لديهم السيطرة والقوة.
إذاً عملية الإصلاح الاقتصادي في سورية تأخذ منحى واتجاهاً يتماشى مع مصلحة رأس المال من خلال الحد من الإنفاق العام والدعم المقدم من الحكومة للمؤسسات، عبر إلغاء الدعم المقدم للقطاع العام ورفع الدعم الأساسي وتقليل المساعدة الاجتماعية، مما سيؤدي إلى ضرر واسع على فئات واسعة، ولكن بالمقابل ونتيجة اتجاه الإصلاح تقوم الدولة بتكريس الإعفاء الضريبي والتخفيضات الضريبية على الأرباح وغيرها، وتكريس التهرب الضريبي الذي يقوم به أصحاب رأس المال، فالعمليتان مترابطتان والفئات التي تضررت أكثر هي الفئات التي ميزان القوى ليس في مصلحتها على مستوى البلاد، لذلك فهي تتحمل العبء وتخسر.
لم نجد في أية دولة جرت فيها عملية الإصلاح بالطريقة التي تجري فيها حالياً أن الفقراء استفادوا أو عادوا ليستفيدوا فيما بعد، بل على العكس كان هناك توسع لشرائح الفقراء والفوارق الاجتماعية مع تقدم عملية الإصلاح، لأن منطق رأس المال والسوق لا يسير باتجاه الخلف وإنما باتجاه الأمام، أي مراكمة التفاوت والعجز لدى الفئات الأضعف وفي الوقت نفسه مراكمة الثروة والقوة في الطرف الآخر.

معلومات إضافية

العدد رقم:
415