ندوة الثلاثاء الاقتصادية: البطالة في سورية أسبابها ومداخل معالجتها البطالة ظاهرة شبابية… شبابنا جائعون.. فكيف يبدعون؟!

■ البطالة.. البركان النائم مؤقتا..

■ العاطلون عن العمل… جيش من المهمشين

■ البطالة.. وأوهام الانفتاح الاقتصادي

■ مشكلة البطالة.. وأحلام التنمية!!

■ يقول المثل الشعبي: «رأس العاطل.. دكان الشيطان»!!

■ نسبة البطالة 50% أيها الإحصائيون!!

■ عاطلون عن العمل… أم معطّلون؟

■ البطالة تتفاقم والحلول هشة..!!

■ العاطلون عن العمل.. يتزايدون والوقت يتناقص

البطالة مشكلة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية، وهي تعبر عن خلل في عمل الاقتصاد الوطني، وعن خلل اجتماعي يضعف التضامن الوطني والوحدة الوطنية، وحل هذه المشكلة «مفتاحي» في عملية التنمية وفي مواجهة الانفتاح الاقتصادي والتحديات والضغوط الخارجية.

بهذه الكلمات استهل د. نبيل مرزوق محاضرته عن «البطالة في سورية، أسبابها ومداخل معالجتها» والتي ألقاها ضمن إطار فعاليات جمعية العلوم الاقتصادية السورية. وقد قسم د. مرزوق محاضرته إلى ثلاثة أقسام:

1. سمات البطالة، تطورها وهيكليتها:

يرى د. مرزوق أن المسوح التي قام بها المكتب المركزي للإحصاء، رغم عدم دقتها، تعد مؤشرات أساسية لمعرفة حجم البطالة وسماتها. وحسب هذه المسوح فإن معدل البطـــالة قد بلغ عــام 2003، 11.7% من قـــوة العمل، بما يزيد عن 2.2 نقطة عن معدلها عام 1999، ويتضح من خلال الأرقام، أن هذه الأزمة تتزايد في الريف، لأن الريفيين أصبحت نسبتهم 61.29 % من إجمـــالي العـــاطلين عن العمل، كما يتضح أن البطالة تتزايد في فئة الشبــاب (15 ـ 24 سنة) حيث وصلت نسبتهم إلى 78.2% من إجمالي العـــاطلين  عن العمل عام 2002، مما يؤكد أن البطالة ظاهرة شبابية، وأن الاقتصاد الوطني عاجز عن استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل، وبالتالي فإن البطالة تأخذ طابعاً بنيوياً طويل الأمد، وذلك ناتج عن ضعف النمو، وعدم قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص عمل جديدة، وخاصة للفئة الأقل تعليماً.

2.  بنية وتركيبة قوة العمل وعلاقتها بالبطالة:

ويشكل قطاع الزراعة خزان الاحتياط لقوة العمل في سورية، ولكن فائض هذا الخزان لايجد مكاناً له في القطاعات الأخرى، وبذلك تتراكم فيه البطالة المقنعة، كما تراجعت نسبة العاملين بأجر من 52.33% من قوة العمـــل عام 1991 إلى 47.59% عام 2002.

أما في مجال الصناعة،فإن القطاع الصناعي السوري يتميز بأنه ذو «طابع أسري» ولايشغّل سوى عدد قليل من العمال، وصادراته من الصناعات التحويلية قليلة وضعيفة المردود، بحيث أن نصيب الفرد من إجمالي الصادرات (ذات التقانة المتوسطة والعالية) هو أدنى نصيب فرد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

3.  العوامل والأسباب المولدة للبطالة:

يعاني الاقتصاد السوري من مشكلة بنيوية، وقد أدى التباطؤ في عمليات النمو الاقتصادي خلال عقدي الثمانينات والتسعينات إلى تراكم العجز في خلق فرص عمل جديدة، خاصة في ظل زيادات كبيرة في قوة العمل، لم يقابلها توسع مناسب في حجم الاقتصاد الوطني، يضاف إلى ذلك زيادة مشاركة المرأة، وانعدام الفرص الخارجية للعمل، والتغير التقني والصناعي باتجاه تكثيف رأس المال. إذن فالمشكلة الرئيسية هي مشكلة ركود اقتصادي مديد، في  مواجهة مجتمع فتي.

الدور الاقتصادي للدولة ودور القطاع العام:

إن التراجع في أسعار النفط العالمية، وتوقف المساعدات والإعانات التي كانت تأتينا من الدول العربية في إطار دعم دول المواجهة، خلق عندنا أزمة في القطع الأجنبي، ترافق مع انهيار القدرة الشرائية لليرة السورية، فأدى كل ذلك إلى تجميد خطط التوسع ا لإنتاجية، وتوقف بعض المشاريع، وخفض الإنفاق العام. واتبعت الدولة سياسة أجرية صارمة، فربطت زيادة الأجور بمراسيم تشريعية، ووضعت لها سقفاً مطلقاً، وحدّت من التعيين في الدولة (القطاع العام). وهكذا تخلت الدولة عن دورها كمشغّل أول، وتركت فراغاً لم يكن القطاع الخاص قادراً على ملئه، لأنه ظل متردداً، شاعراً بعدم الثقة!!

مداخل معالجة البطالة:

1. البرنامج الوطني لمكافحة البطالة: يهدف مشروع مكافحة البطالة إلى توفير 440 ألف فرصة عمل حتى عام 2005، وقد أخذت الهيئة العامة لمكافحة البطالة على عاتقها التخفيف من الأزمة، وتفعيل عوامل النمو الاقتصادي، ولكنها تواجه الكثير من العقبات، كونها ذات طابع مؤقت، ولاتقوم بالتملك أو التنفيذ المباشر، ولأنها محكومة بالعمل مع «الوسطاء» ورغم ذلك، «فمن وجهة نظر د. مرزوق»، إن إنجازات هذه الهيئة مقبول، ويمكن أن يتطور إيجابياً.

2. برنامج الإصلاح الاقتصادي المنشود:

إن هيئة مكافحة البطالة، ليست بديلاً عن عملية التنمية، بل هي رديف لها، وهذا يستدعي من الحكومة أن تعتمد برنامجاً واضحاً ومحدداً، كما أن الإصلاح السياسي أصبح من الأولويات، فهو ضرورة من أجل إشراك أوسع الفئات الاجتماعية في صياغة وصنع القرار، لأن المعيقات السياسية والبيروقراطية، باتت تكبل عملية التنمية. 

إن الدور التنموي للدولة أساسي وفعال وضروري، خاصة وأن وصفات الليبرالية الجديدة أثبتت عجزها في كل مكان من العالم، وفي كل المجالات.

استنتاجات وتوصيات:

وفي ختام محاضرته، أكد د. مرزوق أننا في سورية بحاجة إلى برنامج إصلاح اقتصادي وسياسي شامل يكون من أولوياته:

1.  إقرار الضمان الصحي الشامل والذي يشمل العاطلين عن العمل.

2. إقرار تعويض للعاطلين يموله العاملون والقطاع الخاص والحكومة.

3. إقرار برنامج وطني للإصلاح كحصيلة للتوافق الوطني، بعيداً عن الضغوط والإملاءات الخارجية.

محاضرة سريعة:

بعد محاضرة الدكتور مرزوق، ألقى د. مطانيوس حبيب محاضرة سريعة وقصيرة أكد فيها أن البطالة تهميش اجتماعي وهدر اقتصادي، وهي مرض ناتج عن قصور في التخطيط، ورأى أنه في سورية لايوجد عاطلون، بل معطلون عن العمل، وأن نسبتهم هي أكثر بكثير من النسب التي تتحدث عنها الحكومة وإحصائياتها! واقترح في إطار حل هذه المشكلة أن يتم إيجاد مصادر تمويل استثمارية لاتقل عن 12 مليار دولار سنوياً للسنوات العشر القادمة، وذلك بالاعتماد على مواردنا الذاتية وهي ليست قليلة، لكي لا نقدم تنازلات لمن يملي علينا شروطه وقيوده، ولإنجاز ذلك يجب اتباع الإجراءات التالية:

1. العمل على تحسين المناخ الاستثماري من كل جوانبه وإصلاح القضاء.

2. إحداث مؤسسة متخصصة لإجراء دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية للمشاريع.

3. عقد مؤتمر وطني لرجال الأعمال السوريين، للتعرف على طلباتهم وشكاواهم.

4. تعديل التشريعات الضريبية، وجعلها أكثر عدالة وليونة!!

5. تعديل قانون العمل والتعليمات التنفيذية المتعلقة به!!

6. إشراك ممثلي منظمات أرباب العمل في قرارات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!!

7. تفعيل مبدأ سيادة القانون، ومحاسبة المخالفين  والمبتزين والمعرقلين.

وعموماً فقد أظهر د. حبيب صرامة وتشدداً تجاه مشكلة البطالة وضرورة تحمل الحكومة مسؤولياتها في حلها، وأظهر في الوقت ذاته «ثقة» و«تعاطفاً» مع أرباب العمل «المظلومين»، الذين سيقومون بدورهم في دعم الاقتصاد الوطني، لو توفر لهم المناخ المناسب!!!، كما رأى أن رجال الدين، يمكن أن يساعدوا كثيراً في حل المشكلة، إذا قدموا المواعظ المناسبة في منابرهم!!

مداخلات وآراء:

بعد انتهاء المحاضرتين جرى نقاش «خجول» بدأه الدكتور عصام الزعيم الذي وجه انتقاداته لمحاضرة د. مرزوق التي «غرقت في الأرقام والإحصاءات، وغفلت عن التحليل والبحث في الأسباب وقراءة المؤشرات» ورأى بوجوب تشخيص المشكلة للوصول إلى الاستنتاجات الحقيقية، وضرورة العمل بسرعة لإقامة المشاريع الصغيرة وبأعداد كبيرة، والتوجه بها إلى الجماعات… لاإلى الأفراد.

ثم قدم د. حيان سليمان مداخلة قصيرة، أكد فيها أن سورية تحتاج إلى برنامج اقتصادي حقيقي، لا إلى المواعظ والأخلاق الحميدة، ورأى أن تدخل الدين في هذه القضايا، لايساعد في حلها، وإنما يزيدها تدهوراً وتعقيداً، فمشكلة البطالة مشكلة اقتصادية، وحلها يجب أن يكون اقتصادياً علمياً، ولا علاقة للأخلاق أو الدين بهذه المسائل.

أما الأستاذ نزار عبدالله، فقد أكد أن نسبة البطالة في سورية قد وصلت إلى 50% من قوة العمل!!، ولكن أحداً لم يتجرأ على قول ذلك، وباعتقاده فإن السبب يكمن في  الركود الاقتصادي  المزمن، ولا سبيل لمعالجة هذا التردي إلا بترسيخ دولة القانون، وإقامة المدن الصناعية والتخفيف من التعقيدات البيروقراطية.

كلمة أخيرة:

إن مشكلة البطالة في سورية، ماتزال أكبر وأعقد من كل الدراسات والبحوث التي تحاول الإحاطة بها، وهي أيضاً أكبر بكثير من الخطط والمشاريع والإجراءات التي تسعى للحد منها، فأعداد العاطلين عن العمل آخذة بالتزايد يوماً بعد يوم، وبالتالي فإن جيش الفقراء والجياع والمهمشين يكبر ويتسع بشكل سريع وخطير، وهذا يحمل في طياته معاني كثيرة، وينذر بنتائج قد لا تكون محمودة العواقب، فهل يدرك المسؤولون والمعنيون ذلك؟ أم أنهم يتابعون مايجري بالبصر لابالبصيرة وينتظرون كالعادة أن يأتي الحل من عالم الغيب؟؟

 

■ إعداد جهاد محمد