إزالة الخلل بين الأجور والأسعار.. ضرورة للإصلاح الاقتصادي سوء توزيع الدخل الوطني يزيد من حدة تراجع القيمة الحقيقية للأجور

عقدت يوم الثلاثاء في 24/4/2001 ندوة الثلاثاء الاقتصادية ضمن سلسلة الملفات الاقتصادية حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية، ندوة "الأسعار والأجور" شارك فيها الرفيق د. قدري جميل و د. فهد الخطيب و د. جمال السطل.

وفيما يلي مقتطفات من الندوة:

كانت مداخلة الرفيق د. قدري جميل تحت عنوان: "إزالة الخلل بين الأجور والأسعار ضرورة للإصلاح الاقتصادي" حيث بدأ بالقول: إن الخلل بين مستوى الأجور والأسعار أصبح موضوعاً محسوماً والكل يتفق اليوم على إصلاح هذا الخلل.

ولكن النقاش مازال مستمراً حول الأسباب الرئيسية لهذا الخلل وحول نتائجه وآثاره على تطور الاقتصاد الوطني.ِ

لاشك أن السياسة الأجرية تلعب دوراً مفتاحياً في صياغة أية استراتيجية للإصلاح الاقتصادي، فأية سياسة أجرية نريد؟ وما هو دورها الحقيقي في التأثير على التطور الاقتصادي؟.

لست بصدد الحديث عن علاقة السياسة الأجرية بتحقيق العدالة الاجتماعية، فهذا الموضوع بعيد المنال اليوم نسبياً، ولا يمكن حله جذرياً بوجود وسيادة الملكية الخاصة على وسائل الانتاج التي تعني في عالم اليوم مركزة الرأسمال والأرباح في أيدي قلة قليلة.

وإنما بصدد الحديث عن عقلنة التطور الاقتصادي وإيجاد التناسب الضروري والطبيعي بين الأجور ومستوى الأسعار، أي بين الأجور والأرباح. إن هذه العقلنة إذا ما تمت ستسمح بإيقاف تدهور الوضع المعاشي للأكثرية الساحقة من الناس وستفتح الطريق لنمو اقتصادي متوازن، تخفف فيه بالتدريج التشوهات القائمة بين التناسبات الأساسية للاقتصاد الوطني.

لذلك يجب الإجابة على أسئلة كثيرة وهي: لوحة تطور الأجور الفعلية خلال الفترات الماضية وعلاقتها بتطور الأسعار والأرباح التي تعتبر الكفة الثانية لهذه المعادلة وصولاً إلى اكتشاف موطن الخلل وإيجاد السبيل إلى إصلاحه.

وبعد أن تحدث عن حجم الهوة بين الأجور والأسعار، انتقل إلى الحديث عن العلاقة بين الحد الأدنى للأجور والحد الأدنى لمستوى المعيشة الذي أصبحت الهوة بينهما لا تقل عن ثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور.

أسباب تراجع الأجور

وانتقل إلى الحديث عن الأسباب الأساسية لتراجع القيمة الحقيقية للأجور قائلاً:

يمكن تلخيص أسباب تراجع القيمة الحقيقية للأجور بالأسباب الأساسية التالية:

آ ـ تراجع حصة الفرد من الدخل الوطني.

ب ـ عدم عدالة توزيع الدخل الوطني بين الأجور والأرباح.

آ ـ تراجع حصة الفرد من الدخل الوطني.

لاشك أن الدخل الوطني قد ازداد في الفترة الواقعة بين 1975 ـ 1997 بنسب عالية وصلت إلى 3528% ولكن ازدياد حصة الفرد ازدادت بنسبة 1725% تقريباً أي أنها انخفضت بالنسبة لعام 1975 حوالي 50%. فهل يكمن السبب الحقيقي وراء ذلك في الزيادة السكانية، أم أن هنالك أسباباً أخرى أكثر عمقاً وتكمن في انخفاض وتيرة تطوره عن النسب المطلوبة التي تمنع انخفاض حصة الفرد، الأرجح أن الخلل في عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي التي تتطلب إنتاجاً موسعاً يجاري التطور السكاني هي السبب الحقيقي، ولكن لماذا يحصل ذلك، للإجابة على هذا السؤال لا بد من دراسة العلاقة بين الأجور والأرباح.

ب ـ الأجور والأرباح:

تعادل كتلة الأجور في الدخل الوطني حوالي 150 مليار ليرة سورية، وهذا يعني أن كتلة الأرباح تساوي عام 2000 حوالي 550 مليار ليرة سورية، أي أنها تساوي 366% من كتلة الأجور. وقد بلغت زيادات الأرباح خلال السنوات العشر التي سبقت عام 2000 (400 مليار ليرة سورية) بينما بلغت زيادة الأجور 75 مليار أي أ، الأجور كانت تزداد سنوياً بقيمة وسطية قدرها 10% بينما الأرباح كانت تزيد بنسبة 36% مما أدى عملياً إلى درجة عالية من تمركز الرأسمال سمح بحجب الجزء الضروري منه عن عملية التراكم التي تتجلى بالاستثمار الذي نتج عنه عملياً تخفيض وتيرة النمو الضرورية للدخل الوطني كي يغطي الزيادة السكانية وارتفاع متطلبات المعيشة.

إن سوء توزيع الدخل الوطني يزيد من حدة تراجع القيمة الحقيقية للأجور بشكل مباشر وغير مباشر، مباشر بإيجاد خلل بين استهلاك الشرائح العليا والشرائح الدنيا من المجتمع وغير مباشر عبر منع عملية إعادة الإنتاج من أن تأخذ حجمها الضروري لتأمين التطور اللاحق.

إن حجم الاستثمار الضروري لإعادة الإنتاج الموسع يجب أن لا يقل عملياً عن 25% من الدخل ا الوطني وهو لا يحصل بسبب سوء توزيع الدخل بين الأجور والأرباح.

إن الوضع الحالي يجعلنا ندرك أهمية التوزيع العادل للدخل الوطني وإيجاد نوع من التوازن بين كفتي الأجور والأرباح من خلال إعادة النظر بآلية توزيع الدخل الوطني، فالسياسات الاقتصادية والمالية التي اتبعت في الفترة السابقة حفزت تكون الأرباح على حساب الأجور مما اضر بالإنتاج الوطني وبمستوى معيشة الشعب، فرغم أن معدل النمو السنوي للدخل الوطني قد بلغ 7% سنوياً إلا أن هذا التحسن لم ينعكس إيجابياً على مستوى معيشة الناس، بل زاد الأغنياء غنى والفقراء فقراً. وهذا ما نجده في كل مظاهر الحياة اليومية.

ماذا يعني الخلل بين الأجور والأرباح والأسعار؟

 إن الخلل بين الأجور والأسعار الذي ينعكس بازدياد غير عقلاني للأرباح له آثار سلبية كبيرة وبعيدة على الاقتصاد الوطني، فهو يعني:

ا ـ عدم تجديد قوة العمل:

إن كون سعر قوة العمل عملياً أدنى من قيمتها بكثير، يعني تآكلها وانهيارها التدريجي بما يعنيه ذلك من آثار سلبية على مستوى المعيشة التي تظهر عبر انخفاض المستوى الصحي وصولاً إلى انخفاض وسطي العمر المحتمل للقوة السكانية الفاعلة. إلى جانب انخفاض الكفاءة وتسريع دوران اليد العاملة مما يؤثر بشكل كارثي على العمليات الإنتاجية.

ب ـ تمديد يوم العمل:

بواقع الأجر الحالي، أصبح يوم العمل الفعلي لا يكفي لسد الرمق، مما يجبر اليد العاملة على البحث عن مصادر دخل إضافية تعني عملياً إطالة يوم العمل إلى 12 ساعة و16 ساعة وبذلك يتم التراجع فعلياً عن مكسب كبير حققته الطبقة العاملة بتحديد يوم العمل بثماني ساعات. وما زالت صحيحة المقولة التي تفيد أن درجة حرية المجتمع تقاس بحجم الوقت الحر الذي يوفره لأفراده.

ج ـ زيادة البطالة:

إن تحديد يوم العمل يؤدي عملياً إلى زيادة المنافسة في سوق العمل ويخفض فرصة الفرد الواحد في الحصول على فرصة عمل واحدة. إن رفع الأجور لتصل إلى مستوى قيمة قوة العمل الحقيقية التي يجب أن تغطي تكاليف الحد الأدنى للمعيشة، يعني عملياً امتصاص جزء كبير من البطالة التي تزداد سنوياً بواقع 150 ألف فرد.

د ـ زيادة الفساد:

إن انخفاض الأجور والحد من فرص العمل يؤدي إلى زيادة الفساد الاجتماعي وتوسع رقعته، وإذا ترافق ذلك مع الاستهلاك الترفي الاستفزازي للشرائح العليا، يزداد الطين بلة، فظواهر الرشوة والسرقة والنهب ومختلف أشكال الانحلال الاجتماعي هي نتيجة مباشرة لتوسع الفقر وتمركز الغنى.

هـ ـ الحد من فرص الاستثمار:

إن أسطورة «اليد العاملة الرخيصة هي محفز للاستثمار» هي مقولة فاسدة وغير صحيحة من حيث الأساس. فكل الحديث والدعاية عن جلب استثمارات لا قيمة له بالنسبة للمستثمر الجدي لأن اليد العاملة الرخيصة تعني بالنسبة له:

1 ـ انخفاض تأهيلها وبالتالي إنتاجية اليد العاملة.

2 ـ انخفاض الطلب الداخلي لا يشجع المستثمر على أي مخاطرة .

 3 ـ والأهم احتمال عدم الاستقرار الاجتماعي بسبب التوتر الاجتماعي الذي تفترضه الأجور المنخفضة عدة مرات عن حدود مستوى المعيشة اللائق.

ما هو الحل؟..

إن المستوى الذي وصل إليه علم الاقتصاد نظرياً، إلى جانب التجربة العملية المتراكمة تسمح لنا بالتأكيد أن التطور الاقتصادي ما هو إلا وسيلة لتأمين مستوى معيشة لائق لمجموع العاملين بأجر. إن فعالية وإنسانية أية سياسة اقتصادية يجب أن تقاس عبر هذا المعيار: معيار سعيها لتلبية مصالح الناس وحاجاتهم الأساسية.

لذلك تصبح السياسة الأجرية هي محور أي إصلاح اقتصادي حقيقي. وعليه يمكن القول أن تغيير السياسة الأجرية القائمة هو مطلب ضروري لإنجاح أي تطور للاقتصاد الوطني فما هي مكونات هذه السياسة بعدما أثبتت الحياة فشل وفساد السياسات الأجرية المتبعة حتى الآن؟.

أولاً: ربط الحد الأدنى للأجور بالحد الأدنى لمستوى المعيشة:

إن رفع الأجور دون إعادة النظر جذرياً بالحد الأدنى للأجور لا معنى له في نهاية المطاف إذ أنه يرقع المشكلة دون الوصول إلى جذورها من أجل حلها.

إن تأمين الحد الأدنى لمستوى المعيشة لأجر الحد الأدنى يعني رفع سعر قوة العمل إلى قيمتها الحقيقية وبعدها يصبح ممكناً تحريك كل سلم الأجور نحو الأعلى على هذا الأساس.

ثانياً: الربط ا لدوري للأجور بالأسعار:

ٍإن السباق الجاري بين الأجور والأسعار يؤدي عملياً إلى تخفيض مستوى المعيشة مع ما ينتج عنه من انخفاض للطلب الذي يؤثر سلباً على الإنتاج في نهاية المطاف. لذلك يصبح ربط الأجور بتطور الأسعار مطلباً ضرورياً على استمرارية عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي بما تعنيه من إنتاج وتبادل وتوزيع واستهلاك.

وهذا يتطلب عملياً إيجاد سلة للأسعار يراقب تطورها جهة وصائية من قبل الدولة إلى جانب سلة أخرى يقوم بمراقبتها وحسابها اتحاد نقابات العمال بشكل مستقل. وعلى أساس تطور هذه السلة يجب أن يجري تعديل الأجور أتوماتيكياً بشكل دوري (شهري أو فصلي) إذا تطلب الأمر. وغني عن القول أن هذا الإجراء لا معنى له دون القيام بالإجراء الأول وهو إعادة النظر بالحد الأدنى للأجور.

ثالثاً: تمويل الزيادات من مصادر حقيقية:

بعد الإجراءين أعلاه يجب البحث عن مصادر تمويل حقيقية ولا تضخمية كما كان يجري حتى الآن. أي أن مصدر زيادة الأجور يجب أن لا يكون بأي حال من الأحوال زيادات في الأسعار وخاصة على أسعار مواد أساسية مثل المحروقات التي يؤدي رفعها إلى سلسلة ارتفاعات لا نهاية لها على كل المواد.إن المصدر الحقيقي للزيادات على الأجور يجب أن يكون على حساب الأرباح، إذ أن كل زيادة في الأسعار تعني زيادة موازية في الأرباح. والطريقة المثلى والأساسية لتحقيق ذلك هي إعادة النظر بالسياسة الضريبية كي تصبح فعالة وعادلة وتتحول إلى رافعة لتطور الاقتصاد الوطني وليس كابحاً له. طبعاً يجب أن يجري ذلك إلى جانب إجراءات أخرى مثل الحد من الإنفاق الحكومي غير الاستثماري.

وقال في ختام مداخلته:

إن تحقيق هذه الإجراءات أعلاه ممكن وعملي وهو سيسمح بتحسين المستوى المعيشي للأكثرية الساحقة من الناس، كما سيؤمن استمرارية الدورة الاقتصادية مما سيسمح بإيجاد مصادر حقيقية وفعالة للتراكم والاستثمار اللاحق.

الأسعار والأجور.. والتنمية

أما د. فهد الخطيب فقد استهل مداخلته بالقول: تكتسب ندوتنا حول الأسعار والأجور أهمية بالغة في الوقت الذي أصبحت هذه المسألة من القضايا المركزية التي تواجهها مسيرة التنمية، فهي تعتبر في الوقت الحاضر من أخطر المسائل الاقتصادية وإحدى المسائل المركزية والاستراتيجية التي تواجهها البلدان النامية.

والاستراتيجية كما نعلم ليست مرحلة أو تدابير تتخذ في زمن معين، بل هي شرط من شروط حياة الأمة وتقدمها واستمرارها.

يقول ابن خلدون في المقدمة: «عندما تنتشر الرشوة والفساد في بلد ما فهذا لا يدل على فساد ضمائر الناس، وإنما يدل على سوء توزيع الثروة..» وأضيف وفساد السلطة فالمائدة لا يحرسها جائع.

ولا غرو في أن الشعوب باتت تحكم على الأنظمة من وجهة نظر الأسعار والرواتب والأجور فالأسعار والأجور مرآة خالقة وعاكسة بآن واحد للواقع الاقتصادي والاجتماعي كله. وليست الجيوش وحدها التي تزحف على بطونها ـ كما يقول نابليون ـ بل أغلب موظفي وعمال الدخل المحدود أيضاً.

ويجب أن نعترف أولاً بأن تجربة التنمية في الوطن العربي بأبعادها المتشابكة وإن حققت بعض النجاحات النسبية هنا أو هناك. إلا أنها لا تزال أشبه بواقع مسخ لا يخفي قبحه كل مساحيق التجميل الوطنية والأجنبية التي تهيلها عليه بعض النخب المسيطرة.

ويجب الانتقال حتماً من توصيف الواقع من قبيل البكاء على الأطلال إلى استراتيجية علمية واضحة، وإجراءات تنفيذية تهدف إلى بناء القوة الإبداعية والاعتماد على الذات. وتتخطى مجرد تحقيق نمو مقبول في الناتج القومي إلى تحقيق عدد من التبدلات الجوهرية والهيكلية تؤدي إلى تحقيق نسبي للتنمية المستقلة، وتوازن حقيقي للأجور والأسعار...

وأضاف د. الخطيب قائلاً: والسؤال الذي يطرح بجدية في الوقت الحاضر: ما هي نسبة الدخل اللازمة لتغطية الحاجات الأساسية والضرورية والغذائية للفرد والأسرة: في بلد ما نجد 30% من وسطي الدخل تكفي لتغطية تكاليف المعيشة الأساسية. وفي بلد آخر لا يغطي كامل وسطي الدخل المحدود سوى 30% م الحاجات الضرورية:

ومن هنا نؤكد النقاط الهامة التالية:

1 ــ في دراسة جدلية الأبعاد الاقتصادية المتشابكة بالأبعاد الاجتماعية نؤكد حقيقة واضحة تماماً بأنه لا يمكن بحالٍ من الأحوال تصور تطور اقتصادي حقيقي في القطر في واقع مستوى الرواتب والأجور القائم حالياً. إن بلدنا اليوم يمر بمرحلة الإصلاح والتحديث والتطوير، والتي بدأت تتسارع عجلتها في الأشهر الأخيرة.

يقول السيد الرئيس بشار الأسد: «إن الازدهار الاقتصادي كلمة واضحة لها محوران أساسيان هما: زيادة فرص العمل ورفع المستوى المعاشي للمواطنين». «وأن الازدهار في المجالات المختلفة يرتكز إلى ازدهار اجتماعي، وبدون الازدهار الاجتماعي فإن أشكال الازدهار الأخرى تكون مؤقتة أو كاذبة أو وهمية».

2 ــ القانون العام السائد في الجزء الأعظم من أرضنا العربية هو ارتفاع الأسعار عند انحسار العرض واشتداد الطلب. والطبقات الحاكمة والمستفيدة لا يهمها ذلك بالطبع لأنها أصلاً تنهب شعوبها، حيث أن المستفيد من إجراءات وقوانين الدولة الاقتصادية ليست الجماهير الشعبية فحسب وإنما الفئات الحاكمة والطفيلية التجارية بشكل خاص أيضاً.

3 ــ إن البنية الهيكلية للبناء الفوقي في أغلب الأنظمة السياسية والاقتصادية في البلدان النامية هي أولاً وقبل كل شيء العدو الأول لشعوبها. وإذا لم تلتحم السلطة بالجماهير الشعبية وتدافع عن مصالحها فهل يمكن التحدث عن مستوى الأسعار ومستوى الرواتب والأجور وتكاليف المعيشة أصلاً.

4 ــ وإذا كنا نعترف بأن الاقتصاد هو المحرك الأساسي للمجتمع فلا نبالغ القول بأن الأسعار هي المحصلة النهائية للاقتصاد السياسي كله. ولهذا كانت الأسعار والرواتب والأجور أهم المشكلات الاقتصادية الملحة في كل زمان ومكان.

الأسعار أداة هامة جداً من أدوات الإدارة المركزية للاقتصاد وتستخدم الأسعار بصورة واعية في سبيل تحقيق أفضل إشباع لحاجات الجماهير المتنامية على أساس النمو السريع لقوى الإنتاج والارتفاع المستمر لإنتاجية العمل. ومن الوظائف الهامة لتشكل الأسعار ضرورة تحديدها بشكل تستطيع دفع عملية التقدم التكنيكي وإنتاج واستهلاك الأنواع الأكثر تقدماً.

عند تحديد أسعار المنتجات الزراعية مثلاً فإن الدولة توزع بصورة مخططة الدخل القومي بين الزراعة والفروع الاقتصادية الأخرى. وتستخدم الدولة هذه الأسعار كأداة للتأثير على تطور الفروع المختلفة للإنتاج الزراعي.

5 ــ تحقيق السياسة الاجتماعية للأسعار ومكافحة الفساد الإداري والمضاربات وتشجيع المنتجين المباشرين وشرفاء العاملين والتخلص من المقنعين الذين يستخدمون السلطة والمال. لأن ذلك لو ترك سيؤدي إلى سوء توزيع الدخل وانخفاض الإنتاج وارتفاع الأسعار وذلك عن طريق «نظام محاسبة المسؤولية وتقييم الأداء».

 - ويشير المقريزي في إطار وصف المجاعات التي تعرضت لها مصر، إلى موقف يتميز بنقص إنتاج السلع وارتفاع أسعارها، ويرجع ذلك في نظر المقريزي إلى أسباب اقتصادية طبيعية وأسباب اجتماعية تتمثل أساساً في فساد الإدارة فساداً يحدث أثره في الإنتاج.

)فولاية الخطط السلطانية والمناصب الدينية تتم بالرشوة كالوزارة والقضاء ونيابة الأقاليم وولاية الحسبة وسائر الأعمال، بحيث لا يمكن التوصل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل، فتحظى لأجل ذلك كل جاهل ومفسدٍ وظالم وباغٍ إلى ما لم يكن يؤهله من الأعمال الجليلة والولايات العظيمة، لتوصله بأحد حواشي السلطان، ووعده بمال للسلطان على ما يريده من الأعمال...(

وقد ترتب على ذلك أن أصيب الناس بكثرة المغارم وتنوع المظالم ومن ثم «اختلفت أحوالهم، وتمزقوا كل ممزق، وجلوا عن أوطانهم، فقلت مجابي البلاد ومتحصلها، لقلة ما يزرع بها، ولخلو أهلها ورحيلهم منها لشدة الوطأة من الولاة عليهم وعلى من بقي منهم».

الفساد.. وارتفاع الأسعار

آ ـ ورغم أن الفساد الإداري، وانتشار الرشوة في السوق السوداء في محاولة لتصحيح العلاقات غير الصحيحة التي تتم في إطار التوزيع غير العادل للدخل بين هذه الفئات الاجتماعية المختلفة، كان يمكن أن يكون نتيجة طبيعية للتضخم الذي يتمثل في ارتفاع الأسعار بصورة مطردة وانخفاض القوة الشرائية للنقود، فإن المقريزي وضع الفساد الإداري كأحد أسباب المجاعة وارتفاع الأسعار، ومع ذلك فإن ما ذهب إليه صحيح من ناحية أن القرار السياسي هو الذي يساهم في ازدياد حدة أو انحسار المجاعة كقيم استعمال تشبع حاجات المجتمع المختلفة.

ب ـ والسؤال حالياً: لماذا أصبحت القوة الشرائية الحقيقية الحالية لمتوسط الرواتب والأجور أقل من هذا المتوسط وخلال خمسة عشر عاماً. وبمعنى آخر لماذا نقص متوسط الدخل الفردي الحقيقي وخلال خمسة عشر عاماً ولم يزد؟

 ولا بد من التساؤل أخيراً: لمصلحة من تتم السياسة السعرية. وكيف يجري توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي؟ لقد حققت الكثير من دول الأطراف المتناثرة هنا وهناك تنمية نسبية لقطاع ما أو لقطاعات متعددة. لكن هذه التنمية كانت في محصلة المركز المؤثر أكثر من تحقيق مصالح جماهيرها.

يقول رئيس جمهورية البرازيل: «لقد حققت البرازيل تنمية، لكن هذه التنمية ليست للبرازيليين».

السياسة السعرية:

إن المفهوم العام لمسألة السياسة السعرية ولمسألة الرواتب والأجور المرتبطة بالأمن الغذائي قطرياً وقومياً يكمن في مفهوم الأمن للشعوب لا أمن الرفاه الطبقي.

وينطلق من مبادئ الميزة النسبية وتطوير الاقتصاد الوطني وترشيد النمط الإنتاجي والاستهلاكي والغذائي.

إن ارتباط مفهوم المسألة السعرية ومسألة الرواتب والأجور بالمنتجين المباشرين الذين يخلقون القيمة في كل القطاعات الاقتصادية المنتجة، وبمصالح الطبقات الكادحة والعريضة من الجماهير الشعبية، ضرورة حتمية.

لقد قامت وزارة التموين والتجارة الداخلية بمحاولة الإشراف على السوق التجارية عن طريق مراقبة تجارة المواد الاستهلاكية، وتحديد عمولات الوساطة التجارية من جهة أخرى. بالإضافة إلى الرقابة على الأسعار. وكانت القرارات الصادرة بتحديد نسب الأرباح وتحديد أسعار معينة لبعض السلع والخدمات، وإحداث الصندوق المعدل للأسعار التي كانت مهمته تتمثل في إيجاد الاستقرار المنشود عن طريق امتصاص الفروقات الناجمة عن كون أسعار الاستيراد أو الإنتاج أقل من مستوى الأسعار المقررة وبالعكس تغطية الفروقات الناجمة عن ارتفاع هذه عن مستوى الأسعار المقرر.

لقد أقرت الدولة مشروع السياسة العامة للأسعار عام 1979، وكان هذا المشروع في حقيقته محاولة أولية ومتواضعة لمعالجة مشكلة الأسعار والمساهمة في النمو الاقتصادي المتوازن. لقد اتسم هذا المشروع بعدم وضوح السياسة السعرية وعدم انسجامها مع المتغيرات الاقتصادية والمشاكل الأساسية للاقتصاد الوطني. كما أغفل هذا النظام الذي سنعرض بعض خطوطه العريضة بشكل موجز ضرورة وجود نظام صحيح للأجور. فالعلاقة الجدلية المتبادلة بين الأسعار والأجور غير قابلة للانفصام

ـ أما التأثير المباشر على أسعار السلع المنتجة من قبل القطاع الخاص فيكاد يكون هامشياً. بل يمكن القول أن الاختلالات في ميكانيكية السوق الداخلية أدت إلى تنامي أسعار السوق السوداء حتى بالنسبة لكثير من منتجات القطاع العام وفي فترات معينة.

لقد سادت بيروقراطية مطلقة في عملية تنظيم الأسعار وأدى ضعف الكادر الفني اللازم إلى آثار سلبية بعدم تحريك أسعار القطاع العام والخاص في الوقت المناسب واستفاد القطاع الخاص وقطاع التهريب من فوضى الأسعار. واختلال العرض والطلب... بل يمكن القول أن السياسة السعرية الاحتكارية كانت سائدة لكثير من سلع القطاع العام والخاص معاً.

فهل تمت المراجعة أو المراقبة المستمرة لتأثير هذه السياسات والإجراءات التنفيذية. هل تم إعادة تقييم صحيح للدور الإيجابي أو السلبي لتطبيق إجراءات تنظيم الأسعار في القطر. هذا لم يحدث بعد؟!.

 لقد تم أخيراً إنهاء الدور العملي لوزارة التموين والتجارة الداخلية كجهاز للأسعار. ولم يعد يتجاوز دور الرقابة التموينية الأدوار الهامشية من حيث مراقبة الإعلان عن الأسعار، والتأكد من صحة البيانات الموضوعة على المنتجات وفحص بعض العينات وتحليلها في المخابر المعتمدة. كما تم عملياً التخلي عن تحديد أسعار القطاع الخاص والقطاع العام بشكل مركزي، الأمر الذي أدى إلى تناقضات خطيرة.

وهكذا تم تأبين السياسة السعرية ودور وزارة التموين في الأسعار دون مراسم أو وداع رسمية. وهكذا ارتبط تعويم سعر العملة الوطنية بالقطع الأجنبي بعملية تحرير الأسعار كما تم احتساب تكاليف السلع والمواد الأولية المستوردة بأسعار القطع في البلدان المجاورة. وهذا أدى بالطبع إلى ارتفاع مستوى الأسعار لهذه السلع بنسب تجاوزت 1300% قياساً لأسعار 1980 مثلاً. فهل ارتفعت الرواتب والأجور بالنسب المذكورة.

وطالما أخفقت الدولة عملياً في عملية تنظيم الأسعار فإن المهمة الأساسية في ظروفنا الاقتصادية الحالية هي اتخاذ الإجراءات الاقتصادية المتتالية لخلق ظروف المنافسة الاقتصادية بشكل صحيح وسيادة ميكانيكية اقتصاد السوق.

المفاهيم الخاطئة

وأضاف.. لقد تعممت مفاهيم خاطئة، واستمرت لفترات طويلة ـ ولا تزال ـ مثل مفاهيم «الحماية» حماية الصناعات الوطنية للقطاع العام أو الخاص. دون الأخذ بعين الاعتبار المفاهيم الاقتصادية الحقيقية. كمفهوم الاستغلال الأمثل للطاقات المتاحة وتخفيض الهدر المتعدد الجوانب، والإنتاج النوعي المطلوب، أو مستوى منحنيات التكلفة الفعلية أو الاجتماعية.

آ ـ لقد جمّد هذا المفهوم ولفترات زمنية طويلة مسألة تطوير الاقتصاد الوطني، وتحسين النوعية بل سادت الصيغة الاحتكارية لكثير من السلع المنتجة في القطاع العام أو الخاص. ونرى بالطبع، ومع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية للقطر وجوب اتخاذ الإجراءات الاقتصادية اللازمة لحماية الصناعة الوطنية... لكن هذه الحماية يجب أن تكون حماية «مؤقتة» زمنياً.

ب ـ الصيغة الاحتكارية لقطاع ما، أو منتج ما، أو لسلعة ما يجب أن تنتهي حتماً طالما أن المستهلك الأخير هو الذي يدفع الثمن العالي في نهاية المطاف، كما يجب عدم إغفال القيمة الاستعمالية للسلع المنتجة.

 

ج ـ وبالطبع يجب أن تسود المفاهيم والقيم والحسابات الاقتصادية التي تؤكد أن المنتج الأساسي المباشر الذي يستغل الطاقات الإنتاجية المتاحة ونسب الانتفاع من الطاقة. هذا المنتج الذي ينتج أكبر كمية ممكنة، وبالنوعية المطلوبة الملائمة التي تلبي رغبة وذوق المستهلك، وبالتكلفة الأقل... هي المؤشرات الاقتصادية الأساسية لمعادلة السعر والقيمة الاستعمالية.