لا إصــلاح دون التصدي للفساد وتحسين الأحوال المعيشية 

تزايدت في الأشهر الأخيرة وتيرة الدعوة لشتى أنواع الإصلاحات في سورية، وتباينت مصادر هذه الدعوات وبالتالي مضامينها الفكرية ومضمراتها الإجتماعية. وهذا من طبيعة الأمور فكل رأي في هذا المضمار لابد وأن يعبر، بهذا الشكل أو ذاك، وإلى هذه الدرجة من الوضوح أو تلك، عن موقف معين من إصطفاف القوى الطبقية (وبالتالي تعبيراتها السياسية) على المستوى الداخلي، هذا الإصطفاف المتمفصل اليوم (ربما أكثر من أي وقت مضى) مع البعد الإقليمي والدولي بفعل الهجمة الإمبريالية العولمية-الصهيونية المنفلتة من عقالها بعد إنهيار المعسكر الإشتراكي السابق.

هنا لابد من نظرة سريعة إلى دعاوي «الإصلاح» المطروحة في الساحة السورية ومحاولة فهم مضامينها:

الإصلاح الإقتصادي:

وهذه دعوة قديمة بدأت عمليا منذ أواخر ثمانينات القرن الفارط مع حكومة الزعبي (هل نقول حكومة سليم ياسين ؟) تمثلت بالتطبيق غير المعلن لأجزاء هامة من «وصفة» الليبرالية الجديدة مثل إفقار قوى الشعب العامل وكبح وإضعاف دور الدولة في قيادة عملية التنمية ومنح المزايا والإمتيازات والأفضليات للبورجوازية الجديدة وقوى السوق و الرأسمال الأجنبي بذريعة الحاجة الماسة إلى الرساميل والتوظيفات، علما أن المتاح لدى الدولة منها (من مدخرات مجمدة لدى البنوك، وإحتياطات متضخمة من العملة الصعبة تقارب ما لدى الهند مثلا وتفوق إحتياطات سائر الدول العربية ما عدا السعودية والإمارات) أكبر بعدة أضعاف من كل ما جرى «اجتذابه» حتى الآن منذ الشروع في تطبيق هذه السياسات، ناهيك عن أن معظم هذه الرساميل المجتذبة تم توظيفها في قطاعات الربح السريع ولم تضف قوى إنتاجية جديدة للإقتصاد الوطني إلا ما ندر. ويجري الآن إعداد المناخ الفكري والنفسي لموجة جديدة من هذه «الإصلاحات» وكأن ما أصاب البلاد إلى الآن من نتائج الموجة السابقة لم يكن كافيا، أو ربما لأن سورية ما زالت! صامدة في موقفها الوطني رغم يد الإصلاح التخريبية (أو التخريب الإصلاحية؟). ويلعب دورا مفتاحيا في حملة الإعداد هذه أشخاص من «المغتربين العائدين» تربى بعضهم في دوائر البنك الدولي و صندوق النقد الدولي سيئي الصيت.

لقد تسبب خروج الدولة الفعلي من قيادة عملية التنمية إلى نتائج بالغة الخطورة على مستقبل البلاد منها تراجع معدلات النمو الإقتصادي (مقارنة بالسبعينات مثلا)، وإرتفاع البطالة إلى معدلات غير مسبوقة في سورية، وإزدياد التفاوت التنموي بين أجزاء البلاد وبالتالي تفاقم الهجرة إلى ضواحي المدن الكبرى وإنتشار السكن العشوائي والفقر المدقع وتدمير البيئة، مقابل الثراء الفاحش الذي تعيشه البورجوازية الجديدة (بجناحيها المتلازمين الطفيلي المفسد والبيروقراطي الفاسد) والذي لا يتناسب مع حالة بلد نام محدود الموارد ومهدد وجوديا من طرف أخطر كيان رجعي عنصري عرفه التاريخ البشري، ومدعوم على طول الخط من أعتى قوة إمبريالية إقتصادية وعسكرية مرت في هذا التاريخ.

الإصلاح السياسي:

وتتبنى هذه الدعوة بالدرجة الأولى قوى «المعارضة» ذات الخطاب «الديمقراطي» سواء منها تلك التي هزمت في أوائل الثمانينات قبيل الإجتياح الصهيوني للبنان (وتعتبر نفسها منتصرة «فكرياً» وإستراتيجياً بسبب «سقوط النموذج السوفييتي» الذي تراه بالعمق عدوها الأكبر، وترى في النظام السوري إمتدادا له!)، أو تلك المستجدة والمرشحة للتزايد على إيقاع الغزو الأمريكي للعراق وتداعياته المحتملة.

يرى بعض هؤلاء في الإصلاح السياسي و الديمقراطي تكرارا محتملا لمشهد إنهيار الإتحاد السوفييتي، وبالتالي فتح الطريق لوصولهم إلى السلطة السياسية على غرار يلتسين. بل إن بعضهم يردد حرفيا تقريبا ما كان يقوله فاكلاف هافل (الذي دعا مادلين أولبرايت لخلافته في رئاسة تشيكيا) وأندريه ساخاروف (حائز جائزة نوبل في الصهينة) وناتان شارانسكي المناضل الفذ السابق من أجل حقوق الإنسان في الإتحاد السوفييتي والوزير الحالي لدى سفاح العصر شارون.

ما أقوله هنا هو ما أراه في تفكير بعض المعارضين (وهذا لا يشملهم جميعا بطبيعة الحال، وأرجو من كل قلبي أن أكون مخطئا بحق هذا البعض)، ولا أعني أبدا أن البلاد ليست بحاجة إلى إصلاحات سياسية ضرورية لتوسيع قاعدة المشاركة في التصدي للتحديات القائمة أمام سورية، الدائم منها والداهم.

الإصلاح الإداري:

وهو المطروح حاليا على أعلى مستوى، ومضمونه إعادة هيكلة وتأهيل جهاز الدولة للقيام بمهامه بصورة جدية، وبالتالي فك الاختناق الإداري-المؤسسي المعيق لتطبيق السياسات والتشريعات والتوجهات، بغض النظر عن محتواها. من الواضح أن هذا الإصلاح -بحد ذاته- محايد طبقيا، لكنه سيخدم التوجهات والسياسات اللاحقة على الصعد المختلفة والتي لن تكون محايدة بطبيعة الحال.

لكن من جهة أخرى لا يمكن تصور أي إصلاح إداري حقيقي دون التصدي لمسألتين مؤثرتين في آلية عمل الجهاز:

النفوذ الهائل و الفساد والمصالح المتشابكة لشرائح البورجوازية البيروقراطية المهيمنة على الجهاز، والأحوال المعيشية المتدنية لموظفي وعمال الدولة و القطاع العام. هاتان مسألتان إجتماعيتان بإمتياز سيتوقف على حلهما نجاح أو فشل الإصلاح الإداري رغم حياده الطبقي.

من هنا أنتقل إلى القول بأن الإصلاح الإداري لا يمكن فصله عن المسألة الإجتماعية والإقتصادية ولا حتى السياسية ، وأرى أن مثل هذا الإصلاح لن يكون ناجحا إلا بتبني إجراءات إصلاح اجتصادي (اجتماعي-اقتصادي) شامل يضع لنفسه الأهداف التالية:

■ إعادة الإعتبار المادي والمعنوي إلى قوة العمل في المجتمع من عمال وفلاحين ومعلمين ومثقفين كادحين وموظفين وحرفيين وصغار كسبة، ثروة سورية الحقيقية وقوة الدفاع عن الوطن في الملمات، والقابل منها أخطر من كل ما مضى.

■ محاربة الفساد والمفسدين والفاسدين وأصحاب الثروات المشبوهة دونما هوادة أينما كانوا ومهما كانوا، وإعلاء شأن الصالح العام على المصالح الخاصة. وفضح الدعاوى المشبوهة التي تحاول الربط الحصري ما بين الفساد والدولة أو القطاع العام

■ إستعادة دور الدولة القيادي (الذي لا بديل له في ظروف سورية الواقعية) في عملية التنمية، وذلك عن طريق إصلاح وتوسيع القطاع العام وتحريره من الأنظمة والقوانين المعيقة لحركته ومبادرته، والتوسع في الإستثمار الحكومي المباشر بالإستناد إلى القاعدة المتاحة من المدخرات ومن قوة العمل المعطلة.

■ إعتماد التخطيط التنموي والسكاني المتوازن مناطقيا مع إدخال البعد البيئي في صلب سياسات وخطط التنمية، والإقلاع عن التهريج الفارغ غير الملائم لأوضاع سورية لا التنموية ولا الوطنية المصيرية حول إقتصاد السوق وقوى السوق (السوء ؟).

■ حماية و مساعدة القطاعين التعاوني و الفردي-الأسروي الصغير في مختلف المجالات الإنتاجية و الخدمية 

بمثل هذا الإصلاح الإجتصادي، وبه فقط، ينجح الإصلاح الإداري وتنهض الحيوية التنموية والسياسية والثقافية في المجتمع السوري لتواصل سورية العربية دورها التاريخي في قيادة أمتها العربية إلى بر الأمان، ومن سيقود هذه الأمة المهددة بالخروج من التاريخ، بل ومن الجغرافيا أيضا، غير سورية صاحبة التجربة والخبرة الكفاحية الطويلة منذ الثورة العربية الكبرى وحتى ملحمة تحرير لبنان؟

■ حسني العظمة

 

■ عن نشرة «كلنا شركاء» الالكترونية م. أيمن عبد النور