الخطة أغفلت تصحيح الخلل البنيوي بين الأجور والأرباح

نقدم فيما يلي بعض الآراء الخاصة حول مشروع الخطة الخمسية العاشرة والتي تتناول العديد من الجوانب المهمة فيها كمعدلات النمو الاقتصادي، والبطالة، واقتصاد السوق الاجتماعي، وإعادة توزيع الدخل القومي، والأجور والأرباح، ونقاط كثيرة قدمها العديد من الاقتصاديين لتطوير وإغناء الخطة.

■ د.قدري جميل:

نسبة النمو المقترحة

غير مبنية على أسس علمية

انتقد الدكتور قدري جميل نسبة النمو المطروحة في الخطة الخمسية  العاشرة والمقدرة 7% مشيراً بأن هذا الرقم لم يضع على أسس عملية من جهة، ولم يراع ضرورات زيادة الدخل الوطني خلال فترة محددة من أجل حل المشاكل المنتصبة أمام الاقتصاد السوري من جهة أخرى، لافتاً النظر، إلى أنه لا يمكن الانتظار 14 عاماً آخر من أجل حل مشكلة البطالة ومستوى المعيشة ومسألة الدور الإقليمي لسورية.

وأوضح د. جميل أن معدي الخطة كان عليهم الانطلاق اولاً من تحديد الإطار الزمني الضروري لمضاعفة الدخل الوطني وصولاً إلى تحديد وتائر نموه السنوي، وليس العكس كما حدث، حيث أن الفترة المطلوبة والضرورية لمضاعفة الداخل الوطني يجب في كل الأحوال ألا تتجاوز بين (6-7) سنوات، وهذا يتطلب عملياً الوصول إلى معدل نمو لا يقل عن 10% كحد أدنى وليس 7% كما ورد في الخطة.

من جهة ثانية فإن أية نسبة نمو تتطلب أولاً تحديد معدلات التراكم في الدخل الوطني، أي تحديد حجم الاستثمار المقتطع من الدخل الوطني من أجل تأمين النمو اللاحق، وبالاستناد إلى التجربة التاريخية في هذا المجال، نجد أن نسب التراكم السابقة خلال العشر سنوات الماضية كانت أقل من 15%، وهذه النسبة حققت معدلات نمو تراوحت بين (0-3%)، وإذا استندنا إلى هذه الأرقام فهذا يعني أن معدل نمو 7% يتطلب على الأقل 30% تراكم مقتطع من الدخل الوطني من أجل الاستثمار، في حين أننا نجد بأن الخطة العاشرة قد قلصت الاستثمارات العامة بدعوى التركيز على أنها خطة مخرجات وليست مدخلات للقطاع العام، ولو تمكنت الحكومة وكانت جدية في السيطرة على مخرجات الفساد في القطاع العام، لكنا حصلنا على المدخلات الأساسية للاستثمار العام. وأعتقد أن هذه هي الحلقة المفرغة التي ستسمح لنا بحل هذه الإشكالية وليس الهروب من مدخلات القطاع العام، بل البحث في مخرجاته التي لا تتموضع بشكل صحيح،وإعادة هذه المخرجات إلى وضعها الصحيح هو الطريق الوحيد أمامنا من أجل النمو والتنمية، لأن الظرف السياسي الملموس لا يسمح بالمراهنة على الموارد الخارجية كما يعتقد البعض، في حين أن الرأسمال الخليجي يتجه لشراء الأراضي مما أدى إلى ارتفاع أسعار الأراضي ارتفاعاً كبيراً.

كما انتقد الدكتور جميل فكرة الدردري حول أن الاقتصاد السوري قوي ومتين ومستقر، لأنه لا يكفي المؤشرات المالية للدلالة حول الموضوع ،مشيراً إلى وجود خلل بنيوي في الاقتصاد السوري من خلال العلاقة المختلة بين الأجور والأرباح من جهة (25-75%)، وبين التراكم والاستهلاك من جهة ثانية (15-85%)، وبين الكتلة النقدية والكتلة السلعية من جهة ثالثة، وهذا ما لمسناه بوضوح عندما حدثت أول هزة في السوق.

وحول ارتفاع الدخل أوضح الدكتور جميل، بأن ذلك لم يترافق مع ارتفاع في مستوى المعيشة، لأن مستوى المعيشة هو علاقة الدخل بالأسعار، وبما أن وتيرة نمو الأسعار كانت أعلى من وتيرة نمو الدخل، فإن ما حدث في الشهر الأخير كان في الحقيقة انخفاضاً لمستوى المعيشة المطلق مع ارتفاع نسبي في الأجور، علماً أن حل مشكلة الأجور لا يجب أن تتم من خلال رفع الأسعار، لأن ذلك أدى تاريخياً إلى خفض ا لقيمة الفعلية للأجور عملياً، بل يجب البحث عن مصادر تمويل حقيقية لرفع الأجور، وهذا لا يتم عملياً إلا بإعادة النظر في العلاقة المختلة بين الأجور والأرباح.

وأضاف الدكتور جميل: «إذا كانت الخطة العاشرة هي بداية الانتقال من اقتصاد إلى آخر مختلف كما يقولون، فإن المرحلة الانتقالية هي من أكثر المراحل حرجاً وهي إما أن تسمح بالتقدم نحو الأمام، أو تؤدي إلى انهيار شامل، وهذا يتوقف على عوامل عديدة أهمها مدى التخطيط الصحيح والإمكانات المتاحة وظروف سياسية وإقليمية وعالمية مساعدة، وهي إما أن تؤدي إلى النمو أو إلى الإنهيار كما حدث في عدة بلدان».

■ د. نجمة:

إعادة توزيع الدخل القومي

هو الشرط الأساسي  لنجاح الخطة

الدكتور الياس نجمة اختلف مع الدردري حول التوصيف الذي أورده بشأن الاقتصاد السوري، مشيراً بأنه كان لدينا تخفيض، ولم يكن لدينا اقتصاد مخفض مثلما لم يكن في يوم من الأيام اقتصاداً اشتراكياً أو رأسمالياً، بل كان لدينا اقتصاد متخلف جاءت رياح الإيديولوجية لتقذفه نحو اليسار تارة ونحو اليمين تارة أخرى، وفي كلا الحالتين حافظ على بنيته الحقيقية على أنه اقتصاد متخلف.

وحول اقتصاد السوق الاجتماعي أوضح د. نجمة بأنه الاقتصاد الذي يتيح على الصعيد التطبيقي المبادرة الفردية والمنافسة وقانون العرض والطلب، وأن يعطي كل الحقوق للأفراد في القيام بالنشاط الاقتصادي، ولكن دون إهمال حقوق المجتمع، ومن هنا كان ذلك يستدعي أن يتيح اقتصاد السوق الاجتماعي الآليات القائمة على المنافسة الحرة والعرض والطلب، وفي نفس الوقت يجب أن تكون هناك آليات تتيح صيانة حقوق المجتمع بما يتصل بالرعاية الصحية والتعليم التي لا يمكن أن تخضع لا في إنتاجها أو في وسائل إيصالها إلى منطق الربحية أو العرض والطلب.

وتسائل الدكتور نجمة حول إذا كانت كلفة الخطة المقدرة ب(1800) مليار دولار، ستأخذ بعين الاعتبار النقود الرخيصة أو الغالية؟ أي هل سيتم اعتماد أسلوب الفوائد المرتفعة أثناء فترة الخطة؟ وهو ما سيؤدي إلى زيادة كلفة النقود، أم سيتم اتباع سياسة النقود الرخيصة أي أسعار فوائد مخفضة، لأننا أمام التناقضات الكثيرة التي يلجأ إليها المصرف المركزي في تخفيض معدلات الفائدة ثم رفعها إلى مستويات خيالية، أصبحنا أمام فوضى نقدية كبيرة أدت فعلاً إلى غياب رؤية حقيقية حول التكاليف النقدية التي سيتم بواسطتها تنفيذ الخطة.

ومن جهة أخرى هل سيتم تنفيذ الخطة بأسعار طاقة رخيصة كما في الجزائر ومصر، أما بأسعار الطاقة المرتفعة؟ وأشارالدكتور نجمة أن مقارنة أسعار المشتقات النفطية (الماوزت، البنزين) بأسعار الدول المجاورة هي تزييف وتمويه للحقائق، لأن الأردن وتركيا لا تنتجان النفط، في حين أن لدينا إنتاج نفطي، وبالتالي فالسياسة التي تتبع في تسعير مشتقات البترول بالنسبة للدول التي تنتج النفط تختلف عن سياسة تسعير المشتقات في البلدان الغير المنتجة للنفط، وإذا كنا في سورية نقوم باستيراد المازوت، فإننا نقوم أيضاً بتصدير النفط الخام، والفرق بين سعر النفط الخام وسعر المازوت المستورد هو ليس بأكثر من (200) مليون دولار سنورياً، وليس مئات المليارات كما يقولون.

وأضاف الدكتور نجمة أنه في حال استمرار اشتعال الأسعار كما يجري حالياً بعد قانون تشجيع المضاربات العقارية الذي صدر مؤخراً وإذا ما اشتعلت الأسعار على مستوى الاقتصاد ككل فإن زيادات التضخم لن تكون الفرق بين الرقم الواحد بل برقمين، وعلى هذا الأساس وبناءاً على أنه معدل التضخم يتجاوز (10%) فستصبح تكاليف الخطة معقدة، وبالتالي هل سيعاد النظر بها جملة وتفصيلاً ليصبح (1855) مليار مثلاً (36500) مليار؟ ومن أين ستأتي الموارد لذلك؟

وقال د. نجمة أن مسألة إعادة توزيع الدخل القومي هي الحجر الأساسي في نجاح هذه الخطة أو أي خطة أخرى، لأن سوء توزيع الدخل القومي بالشكل الذي يحدث حالياً أدى إلى انخفاض القوة الشرائية لدى فئات عريضة، وهذا ما سيؤدي إلى الركود الاقتصادي، كما أن زيادة الدخول المرتفعة لدى بعض الفئات سيؤدي إلى ركود تضخمي من خلال السياسات المتبعة منذ عدة سنوات، ونخشى أن نستمر فيها لسنوات مقبلة.

■ غسان القلاع :

يجب أن تكون الخطة

جزءاً من برنامج للإصلاح الاقتصادي

الأستاذ غسان القلاع نائب رئيس غرفة التجارة أشار إلى أن الوسط الاقتصادي لم يتوصل إلى تعريف متفق عليه حول اقتصاد السوق الاجتماعي، موضحاً أن الفشل في الخطط الخمسية السابقة وعدم إقرار أغلبها منعنا من معرفة مواقع التعثر أو النجاح، مضيفاً أن العرض الذي تقدم به نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية لم يوضح أسباب تدني مستوى دخل الفرد في سورية وانحسار الطبقة الوسطى التي تشكل الحامل الرئيسي في المجتمع السوري ،مع ما رافق ذلك من ظهور فئات جديدة في الوسط التجاري والصناعي لم تكن معروفة سابقاً، واستحوذت على جزء كبير من النشاط الاقتصادي خلافاً لقواعد العملية الاقتصادية في أي نظام اقتصادي.

وأضاف القلاع أن الخطة العاشرة يجب أن تكون مقنعة للمواطن لجهة رفع دخله من متدنٍ إلى عالٍ، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بتوزيع عادل للثروة لأن المشكلة الكبرى التي تعاني منها في سورية هي سوء توزيع الدخل، فالفقراء يزدادون فقراً، والأغنياء يزدادون غنى، مشيراً إلى أن الخطة الخمسية العاشرة ينبغي أن تكون جزءاً لا يتجزأ من برنامج الإصلاح الاقتصادي معلن يحدد الخطوات التي سينتقل من خلالها الاقتصاد السوري في ظل عنوان اقتصاد السوق الاجتماعي.

وقال القلاع: إذا كان القطاع الخاص هو جزء مستهدف بالخطة العاشرة، فأتمنى أن تكون البيئة التحتية اللازمة متكاملة، أي أنها ليست إنشاءات فقط، بل يجب أن تشمل القوانين والأنظمة ومتطلبات عمل القطاع الخاص مثل ضرورة الإسراع في إصدار قانون التجارة، وقانون آخر للشركات، إذ لا يمكن أن نطور اقتصادنا بدون قانون شركات متطور،لزج كافة المدخرات الوطنية فيها .

وأشار القلاع أن قرار السماح باستيراد الألبسة يعاني من ثغرات كثيرة، ونطالب بعدم السماح باستيراد الألبسة إلا بعد أن تكون كافة الرسوم على مستوردات المواد الأولية مساوياً للصفر، وإزالة كافة الأعباء الناجمة عن القرارات الحكومية التي تواجه الإنتاج، فالسماح بالاستيراد لا يشكل دعماً للصناعة السورية أمام منافسة الشركات العربية القائمة.

■ د.امطانيوس حبيب:

لا اقتصاد سوق فعال

بدون اقتصاد سوق اجتماعي

الدكتور امطانيوس حبيب وزير النفط الأسبق، أشار إلى ضرورة مراعاة الحكومة للجانب الاجتماعي، بحيث يكون في خدمة الاقتصادي، وأن يكون الاقتصادي بخدمة الاجتماعي، لكن المشكلة أننا كنا في اقتصاد اجتماعوي مثل قوموي أو اقتصادوي، مضيفاً أنه لا يوجد اقتصاد سوق فعال بدون اقتصاد سوق اجتماعي، لأن التنمية لا يمكن أن تتطور على قاعدة ذاتية إلا إذا روعي فيها توزيع الناتج بما يتوافق مع مراعاة الضعفاء، لأن التنمية في أحد بنودها هي التوزيع العادل لمن يساهم في خلق النمو، وغير ذلك سيعكس نمو ظاهري سيقف عند حد كما حصل في سورية سابقاً.

وأشار الدكتور حبيب إلى ضرورة عدم التفريق بين قطاع خاص وقطاع عام، واعتماد مبدأ «اقتصاد وطني» وأن يكون ما يبنى على أرض سورية ملكاً لكل السوريين، موضحاً أن حصة العمل في الناتج للدول المتقدمة يفوق 70%، بينما في سورية وحسب إحصائيات هيئة تخطيط الدولة فإنها (41%). وفي دراسات أجريتها تبين أن حصة العامل من الناتج بشكل دقيق يتراوح بين 40-60% آخذين بعين الاعتبار أجرة رب العمل ثم حصة رب العمل كمنظم غير حصة صاحب المشروع، وبهذه المعطيات فنحن نخالف محددات النمو بما يعرقل النمو الاقتصادي عندنا.

وعقب حبيب حول فكرة المرصد الاقتصادي التي طرحها الدردري مشيراً بأنه لا يثق بالتقارير الصادرة عن المسؤولين، موضحاً ضرورة وضع الخطة العاشرة على الإنترنت حتى يتسنى للاقتصاديين الإطلاع عليها ومناقشتها.

تعليمات وقرارات مخالفة للأهداف؟!

السيدة هناء اوضحت أنه إذا كانت الخطة قد اعتمدت فنياً على النموذج الرياضي، واحتوت من أجل ذلك على (800) متغير، دون معرفة حقيقية وصحة هذه الأرقام، فالخوف أن يؤدي رقم خاطىء إلى إعطاء نتيجة معاكسة للخطة كلها، وأن يكون المخمل الأزرق الذي وعدنا به أن لا يأتي بمواسم الزيتون، فكثيراً ما نسمع عن تخفيض ثمن العقارات، لكن إجراءات الحكومة تأتي لترفع أسعار العقارات، وذات الشيء بالنسبة للمدارس الأهلية التي رفعت كلفتها، في حين يتم الحديث عن تخفيض التكاليف، فكيف يمكن أن تكون التعليمات والقرارات مخالفة للأهداف؟!

عدنان درويش: حكومة تعمل ضد منتجي بلدها لا يمكن أن تساهم في التنمية والتطوير

الأستاذ عدنان درويش عضو اتحاد الحرفيين قال إن (75%) من الحرفيين مديونين بسبب السياسات الحكومية الغير عقلانية والتي كانت آخرها القرار (2303) الذي سمح بموجبه استيراد الألبسة والجلديات من الخارج بدل أن تبحث الحكومة عن أسواق لتصريف فائض الإنتاج الحرفي، مشيراً إلى أن القرار المذكور سيلغي 120 ألف منشأة صناعية وحرفية تعمل بالأنسجة والصباغ والجلديات والأحذية.

وأضاف الأستاذ درويش بأن حكومة تعمل ضد منتجي بلدها لا يمكن لها أن تساهم في التنمية والتطوير، حيث تشير الإحصاءات أن النمو تراجع بمعدل 4% نتيجة الممارسات الحكومية الحالية، مطالباً في الوقت ذاته بإلغاء القرار (2303) أو إلغاء جميع القرارات المجحفة بحق الشعب مثل قرار رفع الأسمنت 50%، فكيف تتحدث الحكومة عن تخفيض سعر السكن، وفي الوقت نفسه تقوم بإصدار قرار برفع أسعار العقارات 50%.؟

وأشار الأستاذ درويش إلى أن مجالس الإدارة حاصرت القطاع العام حتى تعطي للحكومة مبررات ببيعه، وإذا كانت الحكومة تتذرع بنقص في الموارد لتوسيع القطاع العام، فلتبحث عنها في جيوب من نهب أموال البلد وهربها إلى الخارج حتى وصلت إلى (85) مليار دولار.

■ متابعة وتصوير:

 

بعثة قاسيون الصحفية