سيناريوهات الاقتصاد المقاوم أمام الحصار المعلن

تتصاعد وتائر احتمالات فرض حصار اقتصادي على سورية كما يعلن عنه في " المتر بول " ومن خلال اللقاءات الجارية بين الثالوث الرأسمالي " أمريكا، فرنسا، بريطانية " بعد إحكام الحصار السياسي التي قادته منذ احتلال العراق ومقتل الحريري.. وإذا كانت لسورية تجربة ناجحة في مواجهة الحصار الاقتصادي الذي فرض عليها في الثمانينات من خلال الاعتماد على الذات وتعبئة الموارد الاقتصادية بالاعتماد على دور قوي للدولة فأن السؤال المطروح اليوم:

هل يمكن للسوريين مرة ثانية مواجهة أي حصار اقتصادي بعد التغيرات الاقتصادية التي شهدتها سورية منذ التسعينات لجهة انسحاب الدولة من الشأن الاقتصادي واستحقاقات الاتفاقيات الدولية ؟ وبأي آليات؟ وما هو النموذج الأقتصادي الأفضل للمواجهة؟

«منير حمش وحيان سليمان وعبد القادر النيال و حميدي العبد لله هم من أولئك الذين كتبوا كثيراً في الشأن الاقتصادي السوري وهم يطرحون اليوم الشروط والمقومات التي يمكن أن تجعل من الاقتصاد السوري عنصراً من عناصر المواجهة والمقاومة أمام حالة الحصار المفروضة»

أ. حميدي العبد الله:

اقتصاد المواجهة ليس كلمة تقال

أعلنت سورية على لسان المسؤولين فيها، وخصوصاً في الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية في جامعة دمشق، أنها قررت خوض المقاومة في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية والفرنسية والبريطانية التي تستهدفها.

وبات واضحاً أن سورية التي تخوض مواجهة مع ضغوط الدول الكبرى منذ نهاية عقد السبعينات دفاعاً عن سياستها الرافضة قبول أملاءات الدول الكبرى، دخلت مرحلة جديدة ونوعية من المواجهة مع هذه الدول لم يعد من الممكن معها خوض المواجهة بالأساليب والوسائل نفسها التي كانت معتمدة في السابق. وعلى صعيد المواجهة الاقتصادية فإن سورية معنية الآن بإعداد اقتصادها ليكون قادراً على احتضان هذه المواجهة وتوفير مستلزمات الصمود ضد الضغوط حتى وإن أدت هذه المواجهة إلى فرض حصار اقتصادي أو شن الحرب على سورية.

ولكن اقتصاد المواجهة ليس كلمة تقال، بل هي إجراءات كثيرة لجأت إليها الدول التي تعرضت للحصار أو جرى الاعتداء عليها عسكرياً، وسورية معنية باستقراء تجارب هذه الدول، ومن ثمة وضع استراتيجية اقتصادية واضحة لتكون قادرة على توفير مستلزمات المواجهة لجهة تأمين الاحتياجات التي تخص المواطنين السوريين، وفي هذا السياق يمكن توضيح الملامح الأساسية لاقتصاد المواجهة على النحو الآتي:

أولاً، في كل دول العالم، وبمعزل عن هوية النظام الاقتصادي، الاجتماعية وما إذا كان نظاماً رأسمالياً أو موجهاً فإن الدول التي تواجه ضغوط خارجية أو تستعد لمواجهة احتمالات الاعتداء عسكرياً، عليها أن تتخذ سلسلة من الإجراءات الطارئة بحيث يصبح عمل قطاعات الاقتصاد جميعها، سواء كان القطاع الخاص أو العام، مستفزة للعمل بأقصى طاقاتها، إضافةً إلى تشكيل هيئات عليا من القطاع العام والخاص للعمل بشكل مشترك وضبط إيقاع عمل الاقتصاد في سياق من التعاون الكامل في إطار مواجهة وطنية موحدة. لا شك أن سورية على هذا الصعيد لم تبلغ هذا المستوى من التعاون بين القطاعين العام والخاص، ولم تتشكل الهيئات المعنية برسم استراتيجية اقتصادية لمواجهة تحديات مرحلة تصاعد المواجهة.

ثانياً، بدأت سورية في السنوات القليلة الماضية سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية، الإصلاحات سلكت منحى ليبرالياً واضحاً، وقد جاء عدد من الخطوات تحت تأثير هيمنة إيديولوجية اقتصاد السوق المتطرفة التي جرت بلدان كثيرة إلى أتون كارثة اقتصادية استدعت قيام انتفاضات وثورات شعبية في بلدان عديدة، وبديهي القول إن هذه الإصلاحات تعرض الاستقرار في دول لا تواجه ضغوطاً مثل الضغوط التي تواجه سورية للخطر، وبديهي أن استمرار الإصلاحات الاقتصادية في سورية في المنحى الذي كانت عليه السنوات الماضية، وخصوصاً لجهة المزيد من الانفتاح والليبرالية، من شأنه أن يترك آثاراً وتداعيات تقوض الاستقرار، وبالتالي تفسح في المجال أمام الضغوط الخارجية لاستغلال ذلك من أجل خلق مرتكزات عمل لها داخل سورية بما يساعدها على تفعيل ضغوطها، وهذا يحتم ضرورة إبطاء أو مراجعة سياسة الانفتاح الليبرالية.

ثالثاً، اقتصاد المواجهة يتطلب مكافحة الفساد، وتوزيع عائدات الناتج الوطني بشكل عادل بين الأجور ورأسمال المال، وهذا يتطلب وضع مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي موضع التطبيق، والتصدي لمحاولات تفسير اقتصاد السوق الاجتماعي على أنه كلمة السر أمام توسع اقتصاد السوق الحر، فلو كانت الدولة تعني باقتصاد السوق الحر، هذا المفهوم لكانت أعلنت ذلك صراحة و لما ألزمت نفسها باقتصاد السوق الاجتماعي.

 أما الذين يحاولون تفسير اقتصاد السوق الاجتماعي على أنه هو اقتصاد السوق الحر، فإما أنهم لا يعرفون اقتصاد السوق الاجتماعي ويجهلون مبادئه الأساسية، أو انهم يتعمدون تبني هذا التفسير لغرض الوصول إلى غايات معروفة وهي إنجاز انقلاب اقتصادي اجتماعي لا بد أن يتناغم مع الضغوط الخارجية ليتحول إلى انقلاب سياسي أيضاً، بما يخدم توجهات فئات معينة.

رابعاً، اقتصاد المواجهة يستوجب أول ما يستوجب ضرب الفئات الريعية النهابة، وتعزيز ودعم القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، سواء الصناعة أو الزراعة، وسواء كانت قطاعاً عاماً أو قطاعاً خاصاً، فهذه القطاعات وحدها التي تنتج ثروة حقيقية، والبلاد أحوج ما تكون لهذه الثروة عندما تكون في ذروة مواجهة مثل المواجهة التي تخوضها سورية الآن.

د. منير الحمش

السياسة المستقلة والاقتصاد المستقل عنصران متلازمان

من الطبيعي أن يكون الرد على الضغوط التي تتعرض لها سورية اليوم، هو تمتين الوضع الداخلي، وتهيئة الشروط المناسبة للمواجهة، ولعل من أهم هذه الشروط: اقتصاد قوي يستطيع أن يقف صامداً في مواجهة أية اختراقات من شأنها إضعاف موقف الدولة.

لكن لنتساءل عن أسباب هذه الضغوط: ماذا تستهدف؟ وماذا فعلت حتى الآن؟ وماهي أغراضها البعيدة؟فإذا ماوقعنا على إجابة موضوعية على ذلك، نجد أن الاقتصاد يلعب دوراً محورياً، فهدف الضغوط هو إضعاف سورية، وإنهاكها، وبالتالي إجبارها على الرضوخ للمطالب الأمريكية. ولعل من أهم عناصر الإضعاف والإنهاك، التأثير على الأوضاع الاقتصادية بحيث يصبح بالإمكان إحكام قبضة الضغوط، وجعل الإدارة الاقتصادية عاجزة بحيث يؤثر ذلك تأثيراً مباشرا ًعلى الإرادة السياسية، مما يضعها ويجعلها مؤهلة للاستسلام أكثر مما هي مؤهلة للمواجهة.

من هنا نقول إن النموذج الاقتصادي الذي يمكن الاستناد عليه، تدعيماً للموقف السياسي المنحاز إلى المواجهة، هو الاقتصاد القوي، الذي يعزز بقوته قوة القرار السياسي. وهذا النموذج يفترض دوراً أقوى للدولة في إدارة شؤون الاقتصاد وسيطرة أكبر للدولة على احتياطات المواد، وقدرة أكبر للدولة في توجيه شبكة التوزيع الداخلي، لمنع أية محاولة للاحتكار، ولقمع أية ظاهرة للاستغلال والتلاعب بقوت الشعب وبأسعار المواد والسلع الحياتية والأساسية.

إن خيار المواجهة هو خيار وطني، وهذا الخيار يحتاج إلى حشد جميع الجهود لتمكين الدولة من المواجهة، ويستوي هنا إعداد القوات المسلحة مع إعداد الشعب مع إعداد الاقتصاد، بحيث تكون هذه العناصر الثلاثة مع الإرادة السياسية رمزاً لصمود الدولة وقوتها في مواجهة الضغوط. ولسنا هنا نبتدع نموذجاً جديداً للمواجهة، فالدول التي سبقتنا في مواجهة الضغوط، والحروب والتهديد بالحروب لم تتوان إطلاقاً في تحرير إرادتها واقتصادها من تأثير الضغوط والتهديدات.

فالإرادة المستقلة، والاقتصاد المستقل، عنصران متلازمان، وشريكان أساسيان لمن يريد الصمود في مواجهة الضغوط والتأثير متبادل بين هذين العنصرين، فالاقتصاد الضعيف أو التابع، لايسمح ببروز إرادة مستقلة، وإن وجدت الإرادة المستقلة فإن الاقتصاد الضعيف أو التابع سيكون الثغرة التي سيتسرب منها الوهن إلى الارادة السياسية، فإما أن يضغطها إلى درجة الاستسلام وإما أن يستبب بإسقاطها.

أن احتمال فرض حصار اقتصادي على سورية يتصاعد، كلما تصاعدت الضغوط، وكلما أبدت سورية استعداداً أكبر للصمود.

والواقع فإن الحصار الاقتصادي الأمريكي، بدأ منذ حتى قبل صدور قرار محاسبة سورية من الكونغرس الأمريكي ،ومقومات مواجهة الحصار هي نفسها مقومات مواجهة الضغوط ومقومات قيام اقتصاد قوي ومتين ومستقل، هي نفسها مقومات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستقلة المعتمدة على الذات.

والاقتصاد القوي هو اقتصاد لايترك أية ثغرة يمكن أن ينفذ منها الأعداء لإنهاكه وإسقاطه، وهو يحتاج لدولة قوية في الميادين كافة والدولة القوية أيضاً سيكون الاقتصاد القوي أحد عناصرها الأساسية.

ويكون الاقتصاد قوياً إذا ماكان قادرا ًعلى الصمود أمام الحصار الذي سيتناول فيما يمكن أن يتناوله:

- الإمداد بالمواد والسلع الحياتية لتأمين تموين الشعب والقوات المسلحة.

- الإمداد بمستلزمات الإنتاج (المواد الأولية وقطع التبديل) اللازمة لاستمرار عجلة الإنتاج.

- حركة ونشاط الاستثمار.

- حركة رأس المال دخولاًُ وخروجاً.

وهنا تبدو أهمية دور الدولة في الشأن الاقتصادي، ولعل من أهم أدوات ووسائل هذا الدور هو القطاع العام: التجاري ـ الصناعي ـ الاستثماري.

فالنظام العام التجاري يضمن عدم السماح بالاحتكار والاستغلال، كما يضمن توفير المواد والسلع في الأسواق بالأوقات والكميات والأسعار المناسبة.

والقطاع العام الصناعي يضمن استمرار عجلة الإنتاج في أهم مواقعه خاصة في قطاع النفط والطاقة وإنتاج رغيف الشعب ومواده الأساسية.

والقطاع العام الاستثماري يضمن استمرار عملية الاستثمار لتوليد الطاقات الجديدة ولاستيعاب الوافدين إلى سوق العمل مجدداً، فضلاً عن تشغيل العمال العاطلين عن العمل.

هذا الأمر يحتاج إلى إعادة الاعتبار لوظيفة التخطيط، وإعادة الاعتبار لدور الدولة في السوق. (بما في ذلك إعادة الاعتبار لدور وزارة التموين والتجارة الداخلية) فضلاً عن تمتين العلاقات الاقتصادية مع الدول الصديقة والشقيقة (وخاصة بمن تربطنا بها اتفاقات اقتصادية وتجارية لاتجد سبيلاً للتنفيذ بسبب بطء الإجراءات وضعف الأجهزة والمؤسسات)

أ. عبد القادر النيال:

اقتصاد المجابهة يستدعي حكومة قوية

في ظل هيمنة القطب الواحد على العالم، لم تعد عملية إعادة رسم خارطة البلاد تتم في غرف مغلقة وفي أجواء محاطة بالسرية والتكتم كما كان الحال في الماضي. فأثناء الحرب العالمية الأولى جرت مفاوضات سرية في غرف مغلقة بين بريطانيا وفرنسا لاقتسام شركة الرجل المريض (الدولة العثمانية)، واليوم تجاهر الإدارة الأمريكية بعزمها على تقسيم المنطقة العربية بذريعة الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولم تعد الإدارة الأمريكية اليوم بحاجة إلى السرية والتكتم، فليس هناك من ينافسها أو تخشاه. ولتحقيق أغراضها تستخدم الإدارة الأمريكية مختلف السبل بدءاً من الضغوط السياسية والحصار الاقتصادي، وانتهاءاً بالغزو العسكري والحرب الأهلية.

تأتي الضغوط الأمريكية السياسية على سورية والتهديد بالحصار الاقتصادي في هذا السياق،ولن تكف الإدارة الأمريكية عن ضغوطها حتى تحقق أغراضها في إعادة تقسيم المنطقة أو أن تجبر على التراجع عنها.والذين يعتقدون أنه يمكن التوصل مع الإدارة الأمريكية إلى تفاهم لتفادي الضغوط وما قد يتلوها هم واهمون. فليس أمام سورية خيار سوى المجابهة.

لكي لا تكون المجابهة انتحاراً، يتعين على سورية الإعداد لها بمنتهى الدقة والاتقان والتعامل معها بحكمة وحنكة، ينبؤنا التاريخ أن الشعوب عندما تواجه مخاطر مصيرية تعمد إلى رص صفوفها واستنهاض طاقاتها البشرية والاقتصادية لمجابهة المخاطر. بريطانيا العظمى على سبيل المثال لجأت خلال الحرب العالمية الثانية إلى اتباع نهج اقتصاد الحرب للصمود في وجه ألمانيا النازية.

اقتصاد المجابهة له متطلبات يأتي في مقدمتها تمتين الجبهة الداخلية. وهذا يستدعي مصارحة الشعب بالمخاطر التي تستهدفه، وبالتضحيات التي عليه أن يتحملها. كما يتطلب مشاركته في الإعداد والتحضير للمجابهة وفي إقرار الخطوات والإجراءات التي يتعين اتخاذها. ولأن المستهدف هو الوطن، ولأن المجابهة هي مسؤولية عامة تستدعي مشاركة جميع المواطنين، فمن الأهمية بمكان إفساح المجال أمامهم لتنظيم صفوفهم ضمن لجان ومنظمات وأحزاب، وإطلاق سراح المعتقلين، وتفعيل الحياة السياسية، وتوسيع المشاركة في عملية صنع القرار.

ومن أجل تعزيز قدرة الشعب على الصمود والمواجهة، يقتضي معالجة همومه الحياة وتحسين مستوياته المعيشية، وتوفير فرص العمل له.

اقتصاد المجابهة هو اقتصاد التقشف، وتوجيه الموارد المتاحة لتلبية أغراض الصمود، وترشيد استخدامها.. اقتصاد الكف عن الهدر والبذخ وتبذير الموارد... اقتصاد تجفيف منابع الفساد، ومكافحة آلياته واجتثاث رموزه.

اقتصاد المجابهة يتطلب ترشيد استخدام الموارد المتاحة و توجيهها نحو القطاعات الإنتاجية الأكثر ضرورة التي تلبي احتياجات المواطنين وتمكن من زيادة الصادرات، ونحو المناطق الأقل نمواً والأكثر احتياجاً.

اقتصاد المجابهة هو اقتصاد ترشيد الاستهلاك عن طريق رفع أسعار السلع الاستهلاكية الكمالية والاستفزازية، وإيقاف الدعاية للسلع الاستهلاكية، وزيادة الضرائب على الحفلات الخاصة التي تقام في الأماكن العامة، والحد من الحفلات الرسمية والمهرجانات والمؤتمرات، وترشيد استهلاك الطاقة بإيقاف التعدي على الشبكة والحد من الضياع وتخفيف استهلاك السيارات الحكومية، وتحفيز المواطنين على تجنب الإسراف.

اقتصاد المجابهة هو اقتصاد ترشيد الاستيراد، والكف عن استيراد السلع الكمالية وتلك التي ينتج مثيلها محلياً، ومنع استيراد السلع الأمريكية المصنعة في الولايات المتحدة والمنتجة بترخيص في البلدان الأخرى، وترشيد استخدام القطع الأجنبي.

اقتصاد المجابهة هو اقتصاد الدولة القوية التي تتحكم في قرارها الاقتصادي، وتتدخل حين الضرورة وتضع حداً للتهريب، وتكافح الاحتكار، وتكفل استقرار الأسعار، وتعاقب كل من تسول له نفسه استغلال الظروف الحرجة لتحقيق مآرب شخصية ومصالح خاصة.

اقتصاد المجابهة يستدعي حكومة قوية، تتعامل بشفافية ومسؤولية، وتضع حداً للتسبب وغياب الانضباط المسلكي، وتعمل على تحسين أداء المؤسسات الحكومية لتقديم خدمات للمواطنين بكفاءة وسرعة، وتعاقب المسيئين وتكافىء المجدين، وتقدم مثلاً صالحاً للمواطنين.

د. حيان سليمان:

زيادة معدل النمو والاستثمار

تمرّ سورية بمرحلة صعبة نتعرض فيها لكل أشكال المؤامرات بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، ، وهذا يتطلب منا الاستعداد للمواجهة، وأي قوة للمواجهة مهما كان نوعها يجب أن تعتمد على الاقتصاد الذي هو الأساس المادي لكل أنواع القوى. ونحن اعتمدنا اقتصاد السوق الاجتماعي مع الخطة الخمسية العاشرة 2006-2010، الذي يؤكد على ضرورة أن تنعكس التنمية الاقتصادية على النواحي الاجتماعية أي «أكبر فعالية اقتصادية مع أكبر عدالة اجتماعية».

وبالتالي يجب أن نفعّل مواردنا الاقتصادية لكي تكبر «الكعكة الاقتصادية» أيّ الناتج الإجمالي، لنجد عندنا ما نوزّعه وحتى يتحول اقتصادنا إلى اقتصاد مقاوم واجتماعي، لابدّ من زيادة معدل النمو الاقتصادي ليعادل على الأقل ثلاثة أمثال معدّل النمو السكاني. أي يجب ألا يقل عن 8% لنستطيع امتصاص البطالة التي تقدر بحدود 13% من القوة العاملة بشكل رسمي.ويقدرها البعض بحدود 20% وما فوق، ومعروف أن البطالة هي آفة اجتماعية تنعكس على المجتمع بشكل سلبي، وتعزز سلبياته، وتمنع تحول مجتمعنا إلى مجتمع مقاوم.

كما ينبغي ضرورة تحسين منتجاتنا وزيادة قدراتنا التنافسية، لكي ننافس داخلياً وخارجياً، ويتحّسن وضع ميزاننا التجاري. ومعروف أنه خاسرٌ في عام 2004 بمقدار 78 مليار ل.س، بعد أن كان رابحاً في السنوات السابقة. وهذا يتطلب الاعتماد على زيادة الصادرات، وخاصة المصنعة، وتقليل المستوردات وخاصة المصنّعة من خلال الاعتماد على الذات وترشيد الاستيراد.

إن تفعيل اقتصادنا يتطلب تفعيل القطاع العام والخاص والمشترك، ولكن للأسف نجد أن الميزان التجاري للقطاع الخاص خاسراً في السنوات الخمس الأخيرة، وإذا ما تم استثناء صادرات المواد الأولية «نفط، قطن، خام» والتي تشكل 80% من صادرات القطاع العام، فإنه يصبح خاسراً. لذلك لابدّ من التوجه نحو تصنيع مواردنا الذاتية وعدم تصديرها بشكل مواد خام. لأنه ـ وكما ذكر نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية ـ فإن القيمة الوسطية لطن مستوردات 32 ألف ل.س، ولطن صادرات 8 آلاف ليرة سورية، لأننا نصدر قمحاً ونستورد كمبيوتراً.

والتوجه نحو مكافحة التهرب الضريبي، الذي يقدّره بعضهم بحدود 20% من الناتج الإجمالي، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، وتأسيس الكادر اللازم لذلك. وزيادة كفاءة العاملين ورفع ثقافتهم، ولا سيما أن 66% من إجمالي العاملين هم من الابتدائية وما دون.بالأضافة الىإعطاء الأهمية الكبرى للاستثمارات، ورفع معدّل الاستثمار إلى الناتج الإجمالي إلى نسبة لا تقل عن 30% باعتبار أن الاستثمارات هي الحاصل الأساسي للتنمية، والاعتماد على زيادة خبرتنا الفنية لتضمن «السيطرة التكنولوجية»، ونؤكد بأن زيادة الاستثمارات من مجالات تناسبنا تعني «تعظيم القيمة المضافة، امتصاص البطالة، زيادة الربحية الوطنية، تأمين الاكتفاء الذاتي».وضرورة ربط اقتصادنا الوطني بسلة من العملات «دولار، يورو، ين..إلخ». ومحاولة توحيد سعر الصرف ودعم قدرة الليرة السورية. لأن الإساءة لها هي إساءة للوطن.

كما ينبغي تفعيل سفاراتنا في الخارج، وتقييم عملها بمقدار نشاطها الاقتصادي والسياسي، ففي مصر شكلت السفارات لجاناً عندها للتسويق اسمها (لجان دق الأبواب)، مهمتها التسويق.والتوجه نحو المستقبل بفعالية، مع التأكيد بأن أهداف السياسة الاقتصادية على المستوى الكلي، هو السعي نحو تأمين مستوى معقول من النمو والاستقرار في الأسعار، ومستوى منخفض من البطالة. عندها نضمن النهوض الاقتصادي والاجتماعي.

هذه بعض الاقتراحات التي تحول اقتصادنا إلى اقتصاد مقاوم. لندعم الموقف السياسي المقاوم، لسورية في وجه الهجمة الغربية الغاشمة، وكما قال روبيرتس آلبير:

«إن إحدى وسائل جعل القطار يصل في موعده هي تقوية القضبان، أو استخدام محركات أقوى. أما الثالثة فهي أقل كلفة، وأسهل وسيلة وهي تطويل الوقت المحدد للرحلة؛

برأينا يجب أن نركز على الأولى والثانية، فإذا كانت الثالثة أقل كلفة، فهي بالمفهوم المطلق وليس النسبي، وحان أن يتحرك قطار الإصلاح الاقتصادي في ظل التحديث والتطوير. لتُحقق أهدافنا بأقل كلفة، وأقصر زمن، وأن يكون الاقتصاد السوري قوياً لنقاوم الصدمات الخارجية والداخلية، ونقدر على مقاومة الأعداء فيما يفكرون فيه. هكذا نفهم اقتصاد المقاومة.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.