بيان الحكومة المالي لعام 2006 بناء الوهم على الطريقة السورية (2)

نشرنا في العدد الماضي جزءاً أولياً في قراءة وتحليل البيان المالي للحكومة لعام 2006 وركزنا في تلك القراءة على بعض النقاط الأساسية التي وردت فيه، والتي حملت مغالاة في طرحها وابتعادا عن الواقع، ومنها كيف تم تضخيم أرقام الاستثمار على القانون رقم 10 وذكر كلفة المشاريع المشملة وإخفاء كلفة وعدد المشاريع المنفذة فعلا من أجل الاستفادة من الحالة النفسية التي تتركها الأرقام الكبيرة، وإبعاد المطلع عن الدلالات الحقيقية لواقع تلك المشاريع وناقشنا كيف قال البيان بوجود هيكلية جديدة للموازنة رغم أنها جاءت مغرقة بالتقليدية والتكرار والعمومية، ومشابهة لسابقاتها من حيث المضمون والشكل والنسب والأرقام.

نتابع في هذا العدد تحليل بعض من الجوانب الأخرى المهمة في البيان المالي للحكومة لعام 2006 ونبحث عن أشياء جديدة فيه، ونقارنها مع الواقع لنستدل من خلال هذه العملية البسيطة على أن هناك انحرافات مرتكبة دائما يتم كتمانها لأسباب لا يعرفها إلا كتبة البيان، المالي وأن هناك وعودا تنسج لنا بخيوط الأمل واقعا مخمليا، لكن الحقيقة الملموسة مازلت خشنة جدا، إليكم بعضا مما توصلنا إليه.

التعليم أول ضحايا الإنفاق

يتلقى التعليم الحكومي العام في سورية بشقيه ماقبل العالي والعالي لكمات موجعة من منافسيه الآخرين بطريقة مباشرة ومن سكرتير أعماله الأول ( أي الحكومة ) بطريقة غير مباشرة. انتهت الجولات الأولى والثانية والثالثة وبدأت الجولة الأخيرة منذ العام 2000 عندما بدأت الحكومة بالتدريج تسمح لأنواع التعليم الأخرى من خاص وموازي ومفتوح وافتراضي بالعمل ضمن جهاز التعليم العام، هذه الجولة دخلها التعليم الحكومي، وهو ينوء تحت ثقل الأعباء التاريخية المتراكمة على كتفيه من تدني كفاءة الجهاز الإداري والتعليمي وتخلف المناهج وتدهور البنى التحتية، وتراجع عام في سويته وتنافر شديد مع متطلبات سوق العمل واكتظاظ طلابي مرهق، وضمن هذه الظروف التي تطوق التعليم العام ارتفعت تصريحات البعض بأن الإنفاق على هذا القطاع سوف يتضاعف خلال السنوات القادمة، وبأن التعليم سيشهد قفزة نوعية باتجاه الأمام لإخراجه من ذلك الطوق الخانق، لكن الأرقام تنقض تلك التصريحات، وتؤكد بأن شدة العناق الشعاراتي قد خنقت قطاع التعليم، تقول الأرقام بأن قطاع التعليم العالي لن يحصل في موازنة عام 2006 على أكثر من 18.1 مليار ليرة، وهذا المبلغ يشكل ما نسبته 3.6% فقط من إجمالي الموازنة العامة للدولة، كما أن قطاع التربية سيحصل على 31.3 مليار ليرة أي ما نسبته 6% من إجمالي الموازنة العامة. النقطة الأولى التي نريد قولها هي أن هذه الأرقام المتواضعة جدا لن تكون قادرة على إحداث قفزة نوعية في التعليم العام في سورية، ولن تكون قادرة عل تغيير نوعية التعليم وتطويره وتجديد دمه، وخاصة إذا ما عرفنا أن جزءاً كبيرا من هذه الأرقام، وهو يصل إلى أكثر من نصفها مخصص للرواتب والأجور والمصاريف الإدارية البحتة مثل القرطاسية والمطبوعات والوقود ومصاريف النقل ومصاريف الإيفاد للخارج، وما شابه ذلك في حين أن ما تبقى منها سيكون مخصصا للاستثمار في هذا القطاع هذا مع العلم أن البيان المالي للحكومة يعترف بوجود مدارس طينية ومدارس آيلة للسقوط ومدارس مستأجرة، وبوجود ضغط شديد في قاعات التعليم الأساسي والثانوي، وبوجود نقص في أبنية فروع الكليات الجديدة في المحافظات، وبعدم كفاية السكن الجامعي للطلاب، وبعدم اكتمال العديد من أبنية الكليات، وبنقص في مستلزمات المخابر العلمية، الأمر الذي يستلزم إنفاقا استثماريا كبيرا لتجاوز هذا الوضع. مربط الفرس إذا أننا أمام مبالغ مالية متواضعة جدا غير قادرة على بناء بنية تعليمية متطورة وعصرية لا في المرحلة الجامعية ولا في المرحلة ما قبل الجامعية، وربما تكون غير قادرة على تلبية متطلبات البنية التحتية الأولية للعملية التعليمية على الأقل.

النقطة الثانية التي نريد التحدث عنها تكمن في قلب السؤال البسيط التالي: لماذا لا تزيد الحكومة مخصصات إنفاقها على تطوير التعليم بكل أنواعه، وخاصة أن هذا القطاع قد تحول من قطاع خدمي بحت إلى قطاع اقتصادي منتج بطريقة مباشرة؟ فالتعليم العالي الذي شهد دخول أنواع جديدة تدر مئات الملايين على خزينة الدولة سنويا لم يشهد بالمقابل أي تطور ملحوظ في نوعيته وجودته في الوقت الذي ما زال البيان المالي للحكومة عاما بعد عام يردد العبارات نفسها عن ضرورة تطوير الخطة التعليمية وتطوير المناهج والتوسع في أبنية الجامعات والمدارس وما إلى هنالك من وعود، لو تحققت فعلا لكان التعليم بألف خير. لقد غيرت الحكومة نظرتها إلى التعليم وعدلت عن رؤيته ذلك الولد المسرف من جيب أبيه إلى رؤيته ذلك  الشاب المنتج الذي يعتمد على ذاته، ورغم المال الوفير، الذي بدأ يؤمنه لها إلا أنها لم تسخَ بالإنفاق عليه مرة، ثانية وذلك بدليل أن موازنة التعليم العالي في عام 2006لم تزد عما كانت عليه في عام 2005 سوى بـ0.2% فقط، فهل تنظر الحكومة لقطاع التعليم على أنه مجرد بقرة حلوب جديدة دخلت مزرعة الإيرادات مهمتها أن تدر النقود فقط؟ وهل ستكون الحكومة ممثلة بوزارة التربية والتعليم وبوزارة التعليم العالي قادرتين على تحقيق أبسط شروط تغيير واقع التعليم من خلال مئات الملايين المتحصلة لهما من أنواع التعليم الأخرى؟ وهل سنصل في يوم من الأيام إلى القول بأن من يملك النقود هو من سيحصل على نوعية تعليم جيدة وعالية، ومن لم يملك النقود لن يحصل سوى تعليم سيء ربما يكون هو التعليم الحكومي؟ وهل سيدفع كل أفراد المجتمع الضرائب والرسوم لتمويل التعليم العام بكل مراحله في حين لن تحصل إلا فئة قليلة منه على حقها في تعليم جيد؟ بالرغم من مئات الملايين التي صار يقدمها قطاع التعليم في سورية لخزينة الدولة إلا أنه مازال في الصفوف الأخيرة من حيث أهميته في رأي الحكومة، وبما أن التعليم لا ينفصل عن التطور والنمو الاقتصادي بما يؤمنه من ذخيرة معرفية لعملية النمو، فإننا نبشر الذين يخططون للاقتصاد بفشل تخطيطهم حتى يحظى التعليم بغير النظرة الحالية له.

مشاريع من ورق وعلى ورق

يحاول البيان المالي طمس وإخفاء معالم الحقيقة و"استغباء" الناس البسطاء الذين لا خبرة لهم بالاقتصاد، ويمرر ضمن قائمة المشاريع الاستثمارية التي تنوي الحكومة تنفيذها العام القادم عشرات المشاريع التي يحتاج تنفيذها إلى أضعاف حجم الموازنة السورية كلها، ولكن كالعادة وباستخدام لغة الخطابات وحرف السين وكلمة سوف تمر هذه المشاريع وتتحول إلى واقع محقق في خيال الناس، ولا تحتاج إلا إلى مدة عام واحد لتكون منجزة فعلا، هذا مع العلم أن الزيادة في الموازنة الاستثمارية لعام 2006 لا تتجاوز 15 مليار ليرة عن موازنة عام 2005، حيث بلغت مخصصات ما سينفق على الاستثمار في عام 2006 حوالي 190 مليار ليرة، وإليكم ما ستنوي الحكومة فعله في عام 2006 بهذا المبلغ المتواضع لنترك لكم متعة اكتشاف جنة عدن الاقتصادية القادمة على يدي حكومتنا الغراء.

تنوي الحكومة الحد من الفقر من خلال زيادة وتحسين الإنتاجية والدخل، والمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي، كما ستساهم في تحقيق التنمية الإقليمية المتوازنة، وستقوم بالتركيز على تأمين الطلب على الطاقة الكهربائية وتخفيض الفاقد، وسوف تستكمل كهربة الريف، يضاف إلى ذلك أنها ستؤهل معامل الإطارات والأسمدة والكونسروة والزيوت ومصفاة حمص، وتستكمل مشروع إنتاج السيارات مع إيران وترفع مهارات الموارد البشرية في قطاع السياحة وتوسع المرافئ والمطارات القائمة، وسوف تحل أزمة السكن، وستنظم سوق العمل وتفعل الحوار الاجتماعي وتحقق العدالة في توزيع الخدمات الصحية، وترفع المستوى الثقافي للمجتمع، وتخلق جهاز إعلامي متطور، أما السوبر إنجاز مستقبلي للحكومة في عام 2006 فسيكون خلق مجتمع معرفي وبناء القدرات البشرية ونقل التقانات وتوطينها. ألا تشعرون وأنتم تقرؤون ما "سوف" يحصل أننا أمام ثورة اقتصادية، تولد من رحم البيان المالي لحكومتنا وخلال عام واحد فقط؟ ولكن ألا تشعرون أيضا بأنهم قد تمادوا في نفخ أحلامنا بوعودهم حتى كادت تنفجر؟ رغم حاجتنا الشديدة لكل هذه الأشياء إلا أن ما نطلبه من الحكومة أبسط من ذلك بكثير، نطلب منها مشاريع صغيرة يمكن تحقيقها ولا نطلب منها يافطات لا تتحقق، نطلب منها أن تحل أزمة السير، وتطور كتابا جامعيا واحدا، وتشتري أجهزة مخبرية للكليات العلمية، ولا تحفر الشوارع والأرصفة كل شهر، وتنهي العمل بالأنفاق التي حولت العاصمة إلى ما يشبه منزل الخلد، وتنهي مشروع محطة الحجاز، وبناء مجمع يلبغا، وتكمل المتحلق الجنوبي، والقصر البلدي بحلب، وتربط كل وزارة مع مؤسساتها بالانترنت، وإنهاء انقطاع التيار الكهربائي في فصل الشتاء، وتحسين نوعية رغيف الخبز، وإلى ما لا نهاية من هذه المطالب التي نأسف حقيقة لذكرها في هذا الزمن، إن تنفيذ هذه المشاريع الصغيرة هو شهادة حسن السلوك الوحيدة التي سيمنحها المواطن لحكومته لسبب واحد فقط هو أنه سوف يلمسها بشكل مباشر، أما ذلك التفخيم والتعظيم لأسماء وأنواع المشروعات فلن يكترث لها المواطن مهما تحدثتم عنها لأنها مجرد عموميات ملّها الناس من شدة تكرارها دون تحقيقيها، بل إنها أوثقت عرى الفصام بين الشارع والحكومة، وخففت من مصداقية الحكومة إلى دون الصفر أمام المواطنين.

نلتقي عام 2007

لو أردنا أن نفند مضمون البيان المالي أكثر وما جاء به من أرقام ومشاريع لاحتجنا لعشرات الأعداد الأخرى كي ننهي النقاش حوله، لكن المشكلة الأساسية هي أن هيكلية وشكل ولغة هذا البيان لم تتغير منذ سنوات طويلة، وكأنه لا يتأثر بمن يأتي وبمن يذهب من وزراء، أو كأن فكر جميع من صاغوه مبرمج بطريقة واحدة، كأن البيان المالي الذي يمثل الناطق الرسمي باسم موازنة الدولة هو حالة محايدة تماما، ويكتب في غرف مغلقة وبعيدة عن ظروف الاقتصاد وظروف الناس، فالأرقام معزولة عن المنطق، والمشاريع معزولة عن الواقع، والشعب معزول عن الحقيقية، وإلى اللقاء في البيان المالي لحكومتنا في عام 2007. 

■ أيهم أسد

 

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.