فوضى البناء المخالف... استفاقة البلديات المتأخرة وغياب الحلول الجذرية
في مشهد يعيد إنتاج أسلوب «الاستفاقات المتأخرة والمزاجية»، حيث شرعت مديريات الإدارة المحلية بحملات لإزالة مخالفات البناء في حلب وريفها ودرعا ومنطقة برزة بدمشق، حملات جاءت متأخرة «كعادتها» بعد أن تحولت المخالفات إلى كتل إسمنتية شاخصة، وكأن البلديات كانت نائمة على عينها طيلة سنوات التوسع العمراني الفوضوي.
استفاقة متأخرة وحملات انتقائية
في حلب خلال حزيران الفائت، نفذ مجلس بلدية حلب عدة حملات لإزالة المخالفات في خان العسل والمنصورة والأشرفية والليرمون وعدة أحياء في المدينة وريفها، أما في درعا، أزال مجلس المدينة بناءً مخالفاً في حي السبيل استجابة لشكاوى المواطنين، وفي دمشق يتكرر المشهد، حيث أزالت مديرية الخدمات منذ أيام قليلة مخالفات في برزة والقنوات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، أين كانت هذه البلديات قبل أن تشيد هذه الأبنية؟، ولماذا لم توقِف البناء منذ البداية؟
الإجابة ببساطة تكمن في نمط الفوضى الممنهج الذي رافق التوسع العمراني منذ عقود، حيث كانت السلطة الساقطة تغض الطرف عن المخالفات، بل وتشجعها أحياناً، لتُبقي المواطن في حالة من التبعية والابتزاز والاستغلال!
واليوم، وبعد سقوط تلك السلطة، تفاقمت الظاهرة بشكل غير مسبوق.
ليست مجرد كتل إسمنتية...
ما يغفل عنه الكثيرون أن الأمر لا يتعلق ببناء مخالف فقط، بل بفقدان قيمة الأرض التي نشيد عليها هذه الأبنية، وخاصة الأرض الزراعية لأنها ليست سلعة تتجدد، إنها تربة وموارد تفقد قيمتها إلى الأبد.
ومع كل بناء مخالف على أرض زراعية، نخسر جزءاً من مقدراتنا الغذائية، وهذا لا يمكن تداركه بأي تسوية أو مساومة.
بين الحاجة الإنسانية والجشع الاستغلالي
لا يمكن إنكار وجود أزمة سكن حقيقية في سورية، فبحسب تصريح سابق في العام الفائت لوزير الأشغال العامة والإسكان، هناك نحو مليون منزل مدمر، وربع السكان يعيشون في مساكن عشوائية. ولا يمكن إنكار أن الكثير من المواطنين بنوا على أراضيهم بدافع الحاجة، هرباً من أسعار العقارات المرتفعة، لكن هذا لا يبرر تحول الملف إلى سوق سوداء يستغله تجار وسماسرة العقارات لتحقيق أرباح مضاعفة على حساب المخططات التنظيمية وسلطة القانون.
فالكثير من المخالفين بنوا طوابق إضافية ليس للحاجة، بل للاستثمار والتربح، مستغلين غياب الرقابة.
المطلوب، خطة متكاملة لا مساومات فردية
الأمر أكبر من مجرد إجراءات للبلديات والمحافظات، إنه نمط فوضوي لم يعالج من الأساس بشكل صحيح. فالمطلوب، خطة متكاملة تضع المخططات التنظيمية على الطاولة الحكومية، وتشمل جميع الوزارات المعنية، من الإدارة المحلية إلى الأشغال العامة، الزراعة، والموارد المائية.
خطة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الفنية والهندسية والاجتماعية وتضع حلولاً جذرية لأزمة السكن، لا مجرد حملات هدم انتقامية يدفع المواطن المفقر وحده ثمنها.
إن معالجة ملف البناء المخالف لا تعد مهمة سهلة، فهو متروك منذ زمن السلطة الساقطة، لكن الاستمرار في النهج الفردي والتسويات المؤقتة لن يزيد الأمر إلا تعقيداً. وآن الأوان لتتحمل الجهات المعنية مسؤولياتها، وتضع مخططات تنظيمية لكل محافظة ومنطقة وبلدة، وتدرس الملف دراسة فنية دقيقة، وتشرك المواطن في الحل، لا أن تفرض عليه هدماً يزيده فقراً ويُعمق أزمته السكنية.
ففوضى البناء التي نراها اليوم هي نتاج عقود من غياب الدولة وسياسات الإسكان الفاشلة والظالمة، وحلّها لا يكون بالترقيع والمساومات، بل بتغيير جذري يعيد للدولة دورها وللمواطن حقه في سكن كريم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291
رشا عيد