افتتاحية قاسيون 1291: الفساد الكبير والتغيير الحقيقي!

افتتاحية قاسيون 1291: الفساد الكبير والتغيير الحقيقي!

استقطبت حملةٌ، بدأت مؤخراً، ضد أحد رموز فساد السلطة السابقة، قدراً مهماً من التعاطف والتضامن من أوساط واسعة من السوريين، ولفتت النظر ليس إلى الشخص المستهدف فحسب، بل إلى ظاهرة أوسع تتعلق بمنظومة الفساد الكبير ككل، القديم منه والجديد، ومدى تأثيرها على إمكانية خروج البلاد من أزمتها العميقة.

 

في هذا الإطار، فإن هنالك مجموعة من الاستنتاجات الضرورية التي ينبغي تثبيتها:
 
أولاً: إن أولئك الذين ينبغي أن تطالهم «العدالة الانتقالية» ليسوا محصورين بمن تلوثت أيديهم بشكل مباشر بدم السوريين، بل وأيضاً أولئك الذين نهبوا تعب السوريين طوال عقود، وساهموا بالدفع نحو الاقتتال الداخلي، ومولوه وحرضوا عليه، ولعبوا أدواراً كانت في كثير من الأحيان أكثر خطراً وتأثيراً من القتلة المباشرين، بل وكانت المسؤولة عن إراقة دماء عشرات الألوف، وإنْ بشكل غير مباشر... وهؤلاء لا ينتمون لطرف سياسي بعينه، بل يشملون أمراء الحرب وأثرياءها من مختلف الأطراف.
 
ثانياً: النشاط الشعبي الحقيقي ضد الفساد، والكبير منه بالدرجة الأولى، هو أمر إيجابي وضروري إلى أقصى الحدود، وينبغي تشجيعه ودعمه وتأمين الأطر اللازمة لتطوره، بما في ذلك الأطر النقابية والسياسية؛ لأن امتلاك عموم السوريين للأدوات الحقيقية اللازمة لملاحقة الفساد ومحاسبته، تقطع الطريق على «محاربة» شكلية للفساد، وتقطع الطريق أيضاً على استخدام «محاربة الفساد» كأداة لإعادة توزيع الثروة بين الفاسدين الكبار أنفسهم، وبالضد من مصلحة عموم السوريين في نهاية المطاف.
 
ثالثاً: رغم أن سلطة الأسد قد سقطت قبل أكثر من عام ونصف، إلا أن نظامه ما يزال قائماً من حيث الجوهر؛ أي طريقة توزيع الثروة، وطريقة إدارة اقتصاد البلاد المستندة إلى الوصفات الليبرالية الجديدة، وإلى النظر نحو الخارج ومتطلباته بالدرجة الأولى، وليس نحو الداخل. ما يعني أن أمام السوريين شوط إضافي ينبغي إنجازه في تحقيق التغيير الجذري الشامل، وبالضبط في منظومة توزيع الثروة، وإدارة الاقتصاد، بحيث يصب في مصلحة 90% من السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر؛ فتبديل وجوه الناهبين هو مجرد تغيير للطرابيش، والمطلوب هو تغيير حقيقي لمصلحة المعترين وضد الحرامية...
 
رابعاً: في ظل الأوضاع المتأزمة عالمياً وإقليمياً وداخلياً، فإن الاعتماد على الموارد المحلية والطاقات المحلية، هو مسألة حياة أو موت، بالنسبة للبلاد وأهلها. ولأن الموارد متواضعة أصلاً، فإن الفساد الكبير ينبغي التعامل معه كخيانة عظمى، لأنه يصيب البلاد في مقتل لا يسمح لها لا بإعادة توحيد السوريين، ولا بصد الأعداء الخارجيين، ناهيك عن النهوض بالاقتصاد وإعادة الإعمار.
 
إن محاربة الفساد بشكل حقيقي، وبناء نموذج اقتصادي جديد يصب في مصلحة 90% من السوريين، هو أحد الحدود الحقيقية الفاصلة بين التغيير الحقيقي والتغيير الشكلي، والشعب السوري يستحق تغييراً حقيقياً يؤمن له عيشاً كريماً عزيزاً في وطنه، ولن يهدأ حتى يصل إلى حقوقه كاملة.

(Englih Version)

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1291