غرب آسيا… الخطر الكبير واليقظة الإقليمية!

غرب آسيا… الخطر الكبير واليقظة الإقليمية!

إن ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية، في منطقة غرب آسيا يشير إلى أنّنا بعيدون عن احتمال تهدئة شاملة قريبة، بل إن عدداً كبيراً من المحللين ينظرون إلى التصعيد الأخير بوصفه إنذاراً لاحتمالات تصعيد أكبر وأخطر قادمة، وتحديداً، أن كل ذلك يجري الآن بعد غياب أي حديث عن مفاوضات، وبعد أن انتُهكت كل بنود مذكرة التفاهم الموقعة في 17 حزيران، التي كانت مصدر التفاؤل بالتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الدائرة.

بعد حوالي 3 أسابيع ظهر أن مذكرة التفاهم تنهار بسرعة، وتصر طهران على أن الولايات المتحدة التي بدأت بالاعتداء على إيران، وخالفت بذلك البند الأول من مذكرة التفاهم، الذي يؤكد على ضرورة وقف أي ضربات عسكرية، بل إن نظرة أدق تُظهر أن المشكلة بدأت عندما خالفت الولايات المتحدة كل ما جاء في مذكرة التفاهم، وتحديداً، النص الصريح المرتبط بمضيق هرمز، ودور إيران المحوري في الإشراف عليه. أدى كلّ ذلك مجتمعاً إلى موجة تصعيد جديدة، فيها مستوىً خطراً، نظراً للاستهدافات الواسعة للبنية التحتية من جسور ومراكز تحلية مياه وغيرها.


استراتيجية أمريكية قلقة!


الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد أن كان قد وقّع بنفسه على مذكرة التفاهم، قرر الانسحاب منها، بل وبدأ يطلق تصريحاتٍ متناقضة وغير مفهومة، مثل: أنّه أعلن نفسه «حارساً لمضيق هرمز» وبدأ يتحدث عن أن الولايات المتحدة هي من سيُحصل الرسوم من مرور الناقلات التجارية وغيرها، وأعلن في 8 تموز، أن التهدئة انتهت، ما أثّر فوراً على الحركة في المضيق، التي انخفضت بسرعة لتصل إلى حوالي 8 ناقلات في اليوم، لنكون بذلك عدنا مجدداً إلى نقطة البداية.
الولايات المتحدة بدأت هذه المرة بنمط جديد من الضربات الخطرة، إذا يتركّز القصف الأمريكي على محافظات الساحل الجنوبي في إيران، ويجري استهداف واسع للبنية التحتية، منها مثلاً: 6 جسور في محافظة هرمزغان، ونفق الشهيد ميرزائي، وتدمير أبراج مراقبة، بالإضافة إلى مطار في شيراز، ما طرح عدداً من التساؤلات، وفتح الباب لتكهنات حول الهدف من هذه الضربات، وتحديداً، أن ما يجري يؤثر بشكلٍ كبير على الربط بين الداخل الإيراني والساحل الجنوبي الذي هو فعلياً جبهة المواجهة الأساسية، فمن جهة يظهر أن استهدافات كهذه يمكن أن تؤثر على الإمدادات إلى الجبهة، فضلاً عن تعقيد الحركة والمواصلات، ما دفع البعض للذهاب إلى استنتاجات تفيد بأن الضربات الأخيرة تشبه إلى حد كبير تلك التي تسبق الإنزالات البرية، وتحاول واشنطن، بحسب هذا الرأي، أن تعيق حركة القوات المسلحة الإيرانية في المنطقة، وتعقد عملية الدفاع عن هذه المساحة الاستراتيجية.
إن هذا التحليل يواجه مشكلةً، تحديداً في أن عدد القوات الأمريكية الموجودة حالياً في المنطقة لا تكفي لأداء المهمة، ويرى بعض الخبراء، أن إنزالاً برياً في هذا الظرف سيضع القوات الأمريكية في موقع صعبٍ جداً، وأمام تحديات في بيئة معقدة. ويرى المحلل السابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية لاري جونسون، أنّه من المستحيل القيام بأي عمل بري، إذ احتاجت واشنطن عام 2003 لجيش قوامه 750 ألف جندي لغزو العراق، ويضيف أن قوام الجيش الأمريكي اليوم يبلغ 452 ألف جندي فقط، وهو عدد غير كافٍ لتأمين موطئ قدم في تضاريس إيرانية معقدة، ومناخ يتجاوز 50 درجة مئوية.
إن السجال الدائر ووجهات النظر التي عرضناها، لا تكفي لتثبيت أو إلغاء هذا الاحتمال، الشيء الوحيد الذي يمكن تثبيته هو أننا نتجه إلى مزيدٍ من التصعيد، وأن الهدف الأمريكي الحالي يتمثل في إبقاء الاشتعال بغض النظر عن حجمه، بل إن النظر إلى استهداف البنية التحتية في إيران، يمكن أن ينظر إليه أيضاً بوصفه محاولة جديدة لكسر الوحدة الداخلية، عبر تعقيد الحياة أكثر، واستنزاف المجتمع بشكلٍ أساسيٍ، وخاصةً بعد مشاركة أكثر من 40 مليون إيراني في تشييع المرشد الإيراني السابق.


إيران وطبيعة الرد المركز


إيران من جانبها، ترد بشكلٍ مستمرٍ على الضربات الأمريكية، لكنها على عكس سياسة واشنطن تركز على حوالي 10 نقاط حيوية استراتيجية تستهدفها بشكلٍ مستمر، وهي النقاط التي تمثل الأساس الفعلي للوجود الأمريكي في المنطقة، ومع كل ضربةٍ جديدةٍ تتحول هذه النقاط والقواعد إلى كومة من الأنقاض غير قابلةٍ للاستخدام، وكانت أكثر المواقع استهدافاً قاعدة موفق السلطي في الأردن التي تُعد المنطلق الرئيسي للعمليات الجوية الأمريكية الحالية، وقاعدة علي السالم الجوية ومعسكرا عريفجان والعديري في الكويت، بالإضافة إلى قاعدة الشيخ عيسى الجوية، ومقر الأسطول الخامس في البحرين.
الاستهدافات الإيرانية تركز أيضاً على المعدات النوعية، مثل: منظومات الرادار والإنذار المبكر والدفاعات الجوية، بالإضافة إلى مراكز القيادة والسيطرة والاتصالات والأقمار الصناعية، وأيضاً حظائر الطائرات والمعدات، التي أدت إلى استهداف طائرات على المدرجات، ودفعت واشنطن إلى سحب جزء من الطائرات المسيرة الموجودة في الأردن إلى قبرص، لأن تأمينها داخل الأردن بات مستحيلاً.
الضربات الإيرانية خلال الأيام القليلة الماضية حققت إصاباتٍ مباشرة للقوات الأمريكية، وأدت إلى مقتل عددٍ من الجنود وإصابات كبيرة، ما يزيد الضغط والتكلفة على واشنطن. ويبدو أن المشكلة الأكبر التي بدأ الإعلام يتحدث عنها بشكلٍ أكبر، هي أن الاعتماد الإيراني المتنامي على التكنولوجيا الصينية يزيد بشكلٍ كبير من دقة الصواريخ، ويمنع واشنطن و«إسرائيل» من التشويش أو تضليل الصواريخ الإيرانية.


محاولات توريط السعودية…


إن الحدث الأخطر خلال موجة التصعيد الأخيرة، كان ببدء ارتفاع التوتر بين جماعة أنصار الله في اليمن والسعودية، وذلك على إثر حادثة استهداف مطار صنعاء قبل هبوط طائرة الوفد اليمني القادم من إيران، السعودية نفت مسؤوليتها عن هذه الضربة، إلا أن ردود الفعل بدأت بالظهور، وتوعّدت الجماعة استهدافاً مماثلاً داخل الأراضي السعودية، بل هددوا بشكلٍ مباشر باستهداف ميناء ينبع السعودي الذي يعد صمام الأمان الوحيد بالنسبة للرياض، الذي يسمح لها بتصدير النفط دون أن تتأثر بما يجري في مضيق هرمز.
المثير للانتباه، أن محاولات توريط السعودية لمواجهة جديدة في اليمن كانت محاولاتٍ مستمرة طوال فترات ماضية، ويمكن القول: إن الرياض نجحت إلى حدٍ كبير بتجنب الفخ، ويبدو الآن أن مواجهة من هذا النوع يجري قمعها بشدة، وتحديداً من قبل الأطراف الإقليمية الأخرى، إذ كان الموقف الباكستاني شديد الوضوح في رفض أي تصعيد في هذا الملف، وذكّرت باكستان باتفاقية الدفاع المشترك بينها
وبين السعودية، واعتبرت أن أي اعتداء سيكون اعتداءً عليها، ولكن تحذيرات إسلام أباد لم توجّه فقط إلى إيران
والحوثيين، بل إلى السعودية أيضاً إذ نقلت تقارير إعلامية، أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، اتصل بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ونقل رسالة حادة، وحذرّت السعودية من التصعيد، ونقل عن منير أنه قال لابن سلمان محذراً: «ماذا تفعل؟.. توقف».
واعتبرت باكستان أن استئناف الحرب في اليمن هو عمل انتحاري، ويبدو أن السعودية استجابت لهذه النصائح والتحذيرات وبدأت بضبط الوضع بشكلٍ أكبر.

إن التدخل الباكستاني هذا يشير إلى أنه وبالرغم من الخطورة الكبيرة القائمة والاحتمالات المفتوحة المقلقة، يظل هناك حضور كبير لقوى قادرة على أداء دور محدد لضبط التصعيد، ومنع الانزلاق إلى الطرق الخطرة، فالمعركة طويلة وتحتاج إلى كثير من الدقة في إدارتها، وهو ما يجعل المشهد الحالي نقطة تحوّل حقيقية في مستقبل المنطقة، إن نجحت الدول الإقليمية في رفع مستويات التنسيق والتعاون سيخرجون جميعهم رابحين.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1287