التقارب العسكري المصري التركي... مرحلة جديدة في غرب آسيا
شهد التعاون الثنائي بين البلدين سلسلة من التطورات خلال السنوات القليلة الماضية، وكان قد سبق زيارة وزير الدفاع المصري أن استضافت القاهرة الاجتماع الخامس للجنة التعاون العسكري، المصرية-التركية وذلك قبل أسبوعين من توقيع خطاب النوايا الأخير، ورغم تفاصيل وحجم هذا التعاون يظل فيه نسبة كبيرة من المجاهيل نظراً لحساسية الموضوع، لكن هناك تقارير تتحدث عن إمكانية مشاركة مصر في برنامج تصنيع مقاتلة الجيل الخامس التركية KAAN كشريك صناعي، بالإضافة إلى تعاون محتمل في مجال الطائرات المسيَّرة. وكان قد تم الإعلان سابقاً في شهر شباط 2026 عن صفقة دفاعية مصرية-تركية بقيمة 350 مليون دولار، تشمل تصدير نظام «تولغا» الدفاعي إلى مصر، وإنشاء مصنع مشترك بإدارة مشتركة في مصر لإنتاج ذخائر المدفعية عيار 155 مم والذخائر الخفيفة.
من هنا لا يبدو التوقيع الأخير خارجاً عن السياق، بل هو استكمال لخطوات سابقة، وخصوصاً أن وزير الدفاع المصري قام بجولة في شركات الصناعات الدفاعية التركية، للاطلاع على قدراتها، والتقى أيضاً مع مسؤولي هيئة الصناعات الدفاعية التركية SSB.
فالخطوة الأخيرة جاءت تتويجاً لمسار متدرِّج بدأ مع استئناف العلاقات السياسية، ثم انتقل إلى التعاون العسكري عبر المناورات والتدريبات المشتركة، وصولاً إلى الحديث عن التصنيع الدفاعي ونقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، وهو ما يعكس انتقال العلاقات من مرحلة تطبيع العلاقات إلى مرحلة بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
وإلى جانب ما سبق كان التعاون العسكري بين البلدين قد شهد خلال العامين الماضيين تطوراً لافتاً، تمثل في تنفيذ تدريبات بحرية تحت اسم «بحر الصداقة»، وتدريبات جوية مشتركة، ومناورات «العُقاب الذهبي» التي شاركت فيها قوات المظلات والصاعقة المصرية والقوات الخاصة التركية.
ولا تبدو هذه الخطوات منفصلة عن السياق الإقليمي، إذ تشير إلى وجود إرادة سياسية لدى العاصمتين لتأسيس تعاون دفاعي يتجاوز البعد الثنائي، ليصبح أحد أعمدة منظومة أمن إقليمي آخذة في التشكل.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الخلافات السياسية، مهما بلغت حدتها، يمكن احتواؤها عندما تصبح البيئة الإقليمية أكثر تعقيداً. فقد أبدت القاهرة وأنقرة مرونة كبيرة في إدارة الملفات المتنازع عليها، وعلى رأسها ليبيا وشرق المتوسط، ما سمح بانتقال العلاقات تدريجياً من الحوار السياسي إلى التعاون العسكري، وهو المستوى الأكثر حساسية في العلاقات بين الدول.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات غير مسبوقة، بدءاً من الحرب في غزة، مروراً بالتصعيد في البحر الأحمر، والأزمات المستمرة في ليبيا والسودان والحرب الأمريكية -«الإسرائيلية» المستمرة على إيران وإغلاق مضيق هرمز. وهي ملفات تمس بصورة مباشرة الأمن القومي المصري والتركي، وتجعل التنسيق بين البلدين أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
اتفاقيات ثنائية - لتعزيز النواة الرباعية
لكن قراءة هذا التقارب من منظور العلاقات الثنائية وحدها تبدو غير كافية. فالتعاون المصري التركي يتطور بالتوازي مع مسار أوسع من إعادة ترتيب العلاقات بين القوى الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها مصر والسعودية وتركيا وباكستان.
ورغم عدم وجود تحالف عسكري رسمي يجمع هذه الدول جميعها، فإن السنوات الأخيرة شهدت نمواً واضحاً في شبكة العلاقات الثنائية والمتعددة بينها، سواء عبر التعاون الدفاعي، أو الصناعات العسكرية، أو التنسيق السياسي، أو الشراكات الاقتصادية. ويبدو أن هذه العلاقات تتقدم بصورة تدريجية عبر اتفاقات ثنائية متوازية. تسمح بالانتهاء من مرحلة الاستقطاب الحاد بين دول المنطقة والتي رافقت المنطقة منذ خروج الاستعمار منها.
ويبدو أن الدافع الأساسي لهذا المسار لا يتمثل في تطابق الرؤى السياسية بين هذه الدول، إذ لا تزال بينها اختلافات في عدد من الملفات، وإنما في إدراكها المتزايد أن حجم التهديدات المشتركة أصبح أكبر من أن تتمكن أي دولة من مواجهته منفردة، فالتهديدات دفعت دول المنطقة لوضع الأمن القومي على رأس اولوياتها. وأصبح الحفاظ على الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً للتطور الاقتصادي والتنمية، والأهم الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
يضاف إلى ذلك الخطر «الإسرائيلي» وهو المحرك الرئيسي لعدد كبير من بؤر التوتر في المنطقة ومشروعه العلني والذي يصرح به قادة الكيان بتفتيت وإضعاف الدول ومنع إقامة تحالفات وضرورة الحفاظ على التفوق الصهيوني. هذه السياسات «الإسرائيلية»، وما رافقها من تصاعد العمليات العسكرية، واتساع نطاق المواجهات، وتزايد المخاوف لدى العديد من دول المنطقة من انتقال عدم الاستقرار إلى محيطها الإقليمي، أسهمت في تعزيز القناعة بأن بناء شبكات تعاون أمني وعسكري بين القوى الإقليمية أصبح ضرورة استراتيجية أكثر منه خياراً سياسياً.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التقارب العسكري المصري التركي باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي، تقوم على توسيع دوائر التعاون بين الدول المحورية، وتعزيز قدراتها الدفاعية والصناعية، وتقليل الاعتماد على الضمانات الخارجية.
لذلك، فإن توقيع خطاب النوايا بين القاهرة وأنقرة لا يمثل نهاية مسار المصالحة، بل بداية مرحلة جديدة قد تشهد توسعاً في الإنتاج العسكري المشترك، وتبادل التكنولوجيا، والتدريبات المتقدمة، وربما تنسيقاً أكبر في إدارة ملفات الأزمات الإقليمية.
وفي حال استمر هذا المسار بالوتيرة الحالية، فإن أثره لن يقتصر على العلاقات المصرية التركية، بل قد يسهم في إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عبر نشوء شبكة تعاون بين القوى الإقليمية الرئيسة، قوامها المصالح الأمنية المشتركة، وحماية الاستقرار، وتوفير البيئة اللازمة للتنمية الاقتصادية، في مرحلة تبدو فيها الحاجة إلى الشراكة الإقليمية أكبر من أي وقت مضى.
إنّ المغامرة الخطيرة التي تورّطت فيها تل أبيب وواشنطن من خلال حربهما على إيران، كانت جرس إنذار في الإقليم كله، وبدلاً من أن يتحوّل ما جرى إلى تهديد مبطَّن وضمني لدول الإقليم ودعوة لقبول «إسرائيل» بوصفها الطرف الإقليمي الأقوى، جرى العكس فعلياً، فمن جهة لم تسقط إيران، ومن جهة ثانية وجدت دول الإقليم نفسها أمام ضرورة لا تقبل التأخير، فإنّ تقارب هذه الدول وفي
هذه اللحظة بالذات هو فعلياً الضامن الوحيد للبقاء وتجاوز المخاطر الكبرى.
الفلاشة: مصر وتركيا توقعان تعاوناً دفاعياً ضمن شبكة إقليمية مع السعودية وباكستان رداً على التهديدات الإسرائيلية وإعادة تشكيل موازين القوة
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1287
معتز منصور