عودة العلاقات الجزائرية – المالية خطوة في الاتجاه الصحيح
شكّل قرار الجزائر ومالي إعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مسارها الطبيعي، عبر إعادة السفيرين وفتح المجالين الجويين أمام الرحلات المدنية والعسكرية، تطوراً سياسياً بالغ الأهمية لا يقتصر أثره على البلدين فحسب، بل يمتد ليشمل مستقبل الأمن والاستقرار في منطقة الساحل بأكملها.
فالخطوة التي أنهت أزمة دامت نحو أربعة عشر شهراً، تؤكد أن الخلافات مهما بلغت حدتها تبقى قابلة للحل عندما تتغلب المصالح المشتركة على لغة التصعيد، وهو درس بالغ الأهمية في منطقة تواجه تحديات غير مسبوقة تتداخل فيها التهديدات الأمنية مع الضغوط الجيوسياسية والتدخلات الخارجية.
من الخلاف إلى التقارب
جاءت الأزمة بين الجزائر ومالي بعد سلسلة من التطورات السياسية التي شهدتها باماكو منذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة، شملت الخلافات حول الوضع الأمني في شمال مالي، إضافة إلى الخلافات المرتبطة باتفاق الجزائر للسلام لعام 2015، الذي كانت الجزائر أحد أبرز رعاته.
لكن الأزمة بلغت ذروتها في نيسان 2025 عند إسقاط الجزائر طائرة مسيرة مالية قالت إنها اخترقت مجالها الجوي، بينما نفت باماكو ذلك، لتدخل العلاقات الثنائية مرحلة غير مسبوقة من التوتر، تمثلت في استدعاء السفراء وإغلاق المجالين الجويين وتبادل الاتهامات السياسية والإعلامية، قبل أن يصل التصعيد إلى أروقة الأمم المتحدة خلال اجتماعات الجمعية العامة في سبتمبر من العام نفسه.
ويحمل هذا التقارب دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، لأن الجزائر ومالي ليستا دولتين عاديتين في معادلة الساحل؛ فهما تتقاسمان حدوداً تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر، وتشتركان في تحديات أمنية معقدة تشمل نشاط الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، إضافة إلى الحركات الانفصالية التي تستغل هشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة. فأي توتر بين البلدين لا ينعكس فقط على العلاقات الدبلوماسية، بل يخلق فراغاً أمنياً تستفيد منه التنظيمات المتطرفة، ويضعف الجهود الإقليمية الرامية إلى مكافحة الإرهاب وإعادة الاستقرار إلى منطقة تعد من أكثر مناطق العالم هشاشة.
لكن نجاح أي مشروع إقليمي في منطقة الساحل لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الأزمات الثنائية أو تصاعد الخلافات بين دول الجوار. ومن هذا المنطلق، تكتسب عودة العلاقات بين الجزائر ومالي أهمية تتجاوز بعدها الدبلوماسي المباشر، لأنها تعيد ترميم الثقة بين دولتين تشكلان ركناً أساسياً في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي، وتفتح المجال أمام استئناف آليات التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي التي تفرضها طبيعة التحديات المشتركة.
كما أن هذه الخطوة تمثل عاملاً مهماً في توفير البيئة الإقليمية اللازمة لنجاح تجربة كونفدرالية دول الساحل، التي تسعى إلى بناء نموذج جديد من التكامل والتعاون بين دول المنطقة، في مواجهة إرث طويل من التجزئة والارتهان للتدخلات الخارجية. فمهما بلغت طموحات هذا المشروع، فإن قدرته على تحقيق أهدافه ستظل مرتبطة بمدى استقرار محيطه الإقليمي، وبوجود علاقات متوازنة مع القوى الفاعلة في الجوار، وفي مقدمتها الجزائر، بما تمتلكه من ثقل سياسي وجغرافي وأمني في منطقة الساحل.
وفي المقابل، فإن التهديد الذي تمثله الجماعات الإرهابية والتنظيمات المتطرفة والحركات المسلحة العابرة للحدود لا يستهدف دولة بعينها، بل يهدد أمن المنطقة بأكملها ويقوض فرص التنمية والاستقرار فيها. لذلك فإن إضعاف هذه التنظيمات وتجفيف مصادر دعمها وتحركاتها يظل مسؤولية جماعية تتطلب قدراً أكبر من التنسيق والثقة وتبادل المعلومات، بعيداً عن الخلافات السياسية العابرة.
وفي المحصلة، تؤكد عودة العلاقات الجزائرية–المالية أن الدبلوماسية تظل الأداة الأكثر نجاعة في معالجة الأزمات بين الدول، وأن بناء شراكات إقليمية مستقرة لا يتحقق عبر القطيعة أو التصعيد، بل عبر تغليب المصالح الاستراتيجية المشتركة. وإذا نجحت دول المنطقة في تحويل هذا التقارب إلى تعاون مستدام، فإنها لن تكون قد طوت صفحة خلاف ثنائي فحسب، بل ستكون قد وضعت لبنة جديدة في مسار بناء منظومة إقليمية أكثر قدرة على مواجهة الإرهاب، وتعزيز الاستقرار، وترسيخ أسس التنمية والتكامل في منطقة الساحل.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286
معتز منصور