قمة أنقرة: محاولة إعادة ترتيب العلاقات داخل الناتو
اختتم قادة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) قمتهم، التي انعقدت في 7-8 تموز 2026 في أنقرة، بإعلان شدَّد على التزام الحلف بمبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، في مسعى لترميم صورة الحلف المهلهلة بعد تراكم الخلافات، بدءاً من موقف الولايات المتحدة من دعم أوكرانيا وسحب آلاف الجنود الأمريكيين من أوروبا، مروراً بالتوتر الذي أثارته قضية غرينلاند، ووصولاً إلى ما اعتبره ترامب خذلاناً من الاتحاد الأوروبي له في حربه على إيران. ورغم ذلك، ساد جو من احتواء ترامب والتودد إليه، تجنباً لإفساد صورة الاجتماع، وشدد البيان الختامي على وحدة الصف، واستمرار دعم أوكرانيا، وتعزيز الإنفاق الدفاعي والإنتاج العسكري المشترك.
غير أن البيان الختامي، على أهميته، لا يفسر وحده ما جرى في أنقرة. فالقمة لم تكن مجرد اجتماع دوري لتجديد الالتزامات العسكرية، بل شكلت أيضاً محطة لإعادة رسم التوازنات داخل الحلف في ظل ثلاثَةِ تحولات متزامنة: اتساع الفجوة في الأولويات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، والصعود المتسارع للمشاريع العسكرية الأوروبية، وإعادة ترتيب العلاقة الأمريكية مع تركيا بعد سنوات من التوتر بسبب صفقة منظومة S400. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مخرجات القمة من خلال محورين رئيسيين: الأول يتعلق بمستقبل العلاقة الأوروبية–الأمريكية داخل الحلف، والثاني يتناول أفق العلاقة الأمريكية–التركية.
العلاقات الأوروبية-الأمريكية ونسخة الناتو 3.0
تكشف مخرجات قمة أنقرة أن الحكومات الأوروبية لم تعد تجادل في رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5%، باستثناء إسبانيا التي وصفها ترامب بـ«الشريك السيِّئ». ويبدو أن الاقتصاد الأوروبي المتعثر يتجه بصورة متزايدة إلى جعل إعادة التسلح «قاطرةً للنمو» ومبرراً للاقتراض العام، الذي يوجَّه إلى الصناعات الدفاعية ويخدم رأس المال العسكري الأوروبي، بينما تتحمل الشعوب كلفته في نهاية المطاف. وقدم الأمين العام للحلف، مارك روته، رؤيته للنسخة الجديدة من «الناتو 3.0» بوصفها حلفاً «تتحمل فيه أوروبا وكندا مسؤوليات أكبر»، فيما يبدو إعادةً لتوزيع الأدوار بين ضفتي الأطلسي. فالولايات المتحدة تركز اهتمامها على شرق آسيا وغربها، إضافة إلى عمقها الاستراتيجي في أمريكا اللاتينية، بينما تدفع الحلفاء الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية الدفاع عن الجبهة الأوروبية ومواجهة الأخطار المحتملة القادمة من إفريقيا.
وقد سلمت الحكومات الأوروبية بهذا التوجه، ولا سيما أنها باتت ترى أن الاعتماد الكامل على واشنطن لم يعد خياراً آمناً في ظل ما تعتبره استعداداً أمريكياً متكرراً للإضرار بمصالح حلفائها. ولم يعد الحديث اليوم يدور حول إنشاء بديل أوروبي للناتو، وإنما حول بناء ركيزة أوروبية أكثر قوة داخله، وهو ما عكسه شعار القمة: «أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى». فالحلفاء الأوروبيون لا يزالون بحاجة ماسة إلى المظلة النووية والقدرات الاستخباراتية والسيبرانية الأمريكية، إلا أنهم، ضمن هذه الرؤية، يتجهون إلى توسيع غير مسبوق في التصنيع العسكري الأوروبي، وإزالة القيود أمام الإنتاج الدفاعي المشترك، بل والإعلان عن إنتاج بعض المنظومات الأمريكية بترخيص داخل أوروبا.
هل ستتطور العلاقات التركية–الأمريكية بعد قمة أنقرة؟
أتاحت قمة أنقرة لأردوغان فرصة لاستثمار الانقسامات المتزايدة بين إدارة ترامب والحلفاء الأوروبيين. وقد منح موقع تركيا الجغرافي، ودورها في الشؤون المتعلقة بالبحر الأسود وغرب آسيا، إلى جانب علاقتها المتوازنة مع روسيا، الرئيس التركي قدرة إضافية على التفاوض. كما شكّل تصريح ترامب بأنه ربما لم يكن ليشارك في القمة لو عُقدت في دولة أخرى مؤشراً إلى لحظة مناسبة لاقتناص بعض الفرص. وعلى ما يبدو، كان الوفد التركي يسعى، كحد أدنى، إلى الحصول من ترامب على تعهد برفع العقوبات التي فرضت على أنقرة بعد صفقة شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية S400، وكحد أقصى إلى إنهاء مسألة حرمان تركيا من الحصول على مقاتلات F35 الشبحية. وتمكنت أنقرة بالفعل من الحصول على تعهد سياسي من ترامب بالعمل على رفع العقوبات، إلا أن تحويل هذا التعهد إلى قرار فعلي سيظل مرتبطاً بالمعارضة المحتملة داخل الكونغرس والمؤسسة الأمنية الأمريكية.
أما فيما يتعلق بطائرات F35، فالأمور أكثر تعقيداً، حتى لو دعم ترامب حصول تركيا عليها في تصريحاته. وهنا من المفيد التذكير بتطور العلاقات التركية–الأمريكية خلال العقد الأخير. فعندما بدأ مشروع F35، لم تكن تركيا مجرد مشترٍ محتمل للطائرة، بل كانت شريكاً في برنامج تطويرها وإنتاجها، وكانت شركات تركية تصنع عدداً من مكوناتها قبل استبعاد أنقرة من المشروع. وبدأ التحول الحاسم في العلاقات التركية–الأمريكية بعد محاولة الانقلاب في تموز 2016، إذ لمحت كثير من وسائل الإعلام المقربة من الحكومة التركية إلى وجود دور أمريكي في تسهيل الانقلاب، كما عمّق رفض واشنطن تسليم فتح الله غولن أزمة الثقة بين البلدين. وفي السنوات التالية، اتجهت أنقرة إلى تقليل اعتمادها الأمني والعسكري على واشنطن وتنويع علاقاتها، وكان أبرز تعبير عن ذلك توقيع صفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية S400 عام 2017.
وحذرت الولايات المتحدة أنقرة من أن تشغيل منظومة S400 بالتزامن مع وجود مقاتلات F35 يمثل خطاً أمنياً أحمر، إذ يمكن تدريب رادارات المنظومة الروسية بصورة متكررة على حركة الطائرة، وجمع بيانات عن بصمتها الرادارية، بما يحسن قدرة S400 على كشفها وتتبعها، ويضعف إحدى أهم مزاياها. ومع ذلك أصرت أنقرة على الصفقة، واستلمت مكوناتها الأولى في تموز 2019. وردت واشنطن بإخراج تركيا من برنامج F35، ثم فرضت عليها عام 2020 عقوبات بموجب قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، وسعت تركيا علاقاتها مع روسيا عبر مشاريع استراتيجية مثل خط الغاز «ترك ستريم» ومحطة «أكويو» النووية، في خطوات أكدت أن توجهها لم يكن مجرد صفقة عسكرية عابرة.
وكان من الواضح أن استراتيجية تركيا بعد محاولة الانقلاب قامت على ثلاثة أسس: أولها تنويع العلاقات الدولية انطلاقاً من إدراكها تراجع نظام القطب الواحد، وقناعتها بأن الولايات المتحدة باتت أكثر استعداداً للتضحية بحلفائها؛ وثانيها الاعتماد على الذات في الصناعات الدفاعية، إذ استثمرت تركيا خلال العقد الأخير بكثافة في إنشاء قاعدة صناعية دفاعية وطنية، وطورت منظومة «القبة الفولاذية» للدفاع الجوي متعدد الطبقات، إضافة إلى تطوير المقاتلة المحلية «قآن»؛ وثالثها ضمان موقع إقليمي متقدم عبر فرض نفوذها في سورية.
وعلى الرغم من الحديث الدائر حالياً حول بيع أنقرة لمنظومة S400 لطرف ثالث بموافقة روسية، فمن غير المرجح أن تتمكن من الحصول على طائرات F35 في ظل اعتراض الكيان الصهيوني، إلى جانب معارضة جهات عسكرية أمريكية، سواء على حصول تركيا على الطائرة أو على محركات لمقاتلتها المحلية. لذلك، لا يبدو مرجحاً أن تُحدث أنقرة تغييرات جوهرية في توجهها الاستراتيجي العام استناداً إلى وعود ترامب غير الموثوقة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286
د. ديما النجار