كلُّ الطرق تؤدي إلى المزيد من التراجع الأمريكي-«الإسرائيلي»

كلُّ الطرق تؤدي إلى المزيد من التراجع الأمريكي-«الإسرائيلي»

تتعرض مذكرة التفاهم الأخيرة التي جرى توقيعها بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لاهتزازات واضحة، ترخي بظلالها على المفاوضات الجارية، لكن هذا التخبط لم يوقف التداعيات السياسية لمذكرة التفاهم، التي ثَبتت على الورق هزيمة أمريكية محققة، بشهادة كل الأطراف، وهذا ما يجعل الموقف الأمريكي و«الإسرائيلي» أعقد من أيّ وقتٍ مضى.

المفاوضات مستمرة


شهدت المنطقة خلال الأيام القليلة الماضية سلسلة من الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، شملت عدداً من ناقلات النفط والمواقع الأمريكية، ومواقع عسكرية داخل إيران، إلا أن العودة إلى التصعيد الشامل لن تكون مخرجاً بالنسبة لترامب، بل يبدو أنّه يسعى من خلالها جاهداً لتقليل النتائج السياسية عقب التنازلات الأمريكية الكبيرة. فمذكرة التفاهم هذه والمفاوضات الأمريكية-الإيرانية الجارية تكشف حجم الضغوط التي تواجهها واشنطن، تحديداً تلك المرتبطة بالتداعيات الاقتصادية للحرب، والاضطراب المستمر في سوق النفط العالمي، الذي أوصل الاحتياطيات الأمريكية إلى مستويات متدنية لا تكفي إلا لبضعة أسابيع، هذا بالإضافة إلى أن نقص النفط الخام الخليجي في السوق الأمريكية بات يهدد قطاعات حيوية، مثل: الطيران وغيرها التي تعتمد بشكل أساسي عليه، وقد يشهد قطاع النقل الجوي خلال أيامٍ قليلة أزمة حقيقية ناتجة عن نقصٍ في الوقود، وهو ما يبدو بنظر المحللين والخبراء سبباً يفرض على واشنطن تقليل الضغوط، وفسح المجال لمزيد من المعروض النفطي في السوق العالمي. لكن وفي الوقت نفسه، ترى طهران أنّها قادرة على استخدام أوراق كثيرة لدفع واشنطن للالتزام بالاتفاق، رغم كل محاولات التخريب والمماطلة الجارية، هذا إلى بالإضافة إلى أن إعادة الحركة الطبيعة في مضيق هرمز ستحتاج الكثير من الوقت، ولا يمكن فرضها دون الوصول إلى اتفاقٍ شامل.


«إسرائيل» المأزومة


بدا الاتفاق من الزاوية «الإسرائيلية» كارثة حقيقية، فهو في حده الأدنى يعترف بإيران قوّةً إقليمية صاعدة، بدلاً من إنهائها، ويترك «إسرائيل» أمام معضلة تهدد بقائها فعلاً، فإلى جانب صمود إيران وتثبيت أقدامها، يظهر أن المزاج الإقليمي العام يتقارب أكثر فأكثر بالضد من المصلحة «الإسرائيلية» فمن جهة هناك تقارب المجموعة الرباعية «باكستان - السعودية - مصر - تركيا» بالإضافة إلى قلق «إسرائيلي» خاص من أنقرة، التي تظهر بوصفها خصماً جديداً بإمكانيات وقدرات كبيرة، وكان من المفترض بحسب المخطط «الإسرائيلي» أن تضطر أنقرة لإعادة حساباتها بعد إنهاء الدور الإيراني، لكن نظراً لأن العكس هو الذي حصل فعلياً، فيبدو الموقف التركي أكثر تماسكاً وحزماً، خصوصاً أنّه مدعوم بالتفاهمات الإقليمية المذكورة.
ومن زاوية أخرى، تتعرض «إسرائيل» نفسها لضغوط كبيرة جداً، فمن جهة فشلت بفرض واقعٍ ملائم في لبنان، وتلقت ضربات موجعة في حربها المستمرة مع حزب الله، لكن ومن جهة أخرى كشفت تقارير جديدة أن الخسائر «الإسرائيلية» كانت كبيرة أثناء المواجهة المفتوحة مع إيران، ما يجعل أي تفكير بإعادة فتح الجبهة بالشدة نفسها يعني مشكلة أكبر، فقد قال العقيد الأمريكي المتعاقد دوغلاس ماكغريغر نقلاً عن أدميرال «إسرائيلي» معلومات تفيد بتعرّض البحرية «الإسرائيلية» إلى «تدميرٍ شامل» بفعل الصواريخ الإيرانية، وهو ما حرصت الرقابة العسكرية التعتيم عليه، وفي السياق ذاته كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت، أن المؤسسة الأمنية والسياسية «الإسرائيلية» ضخمت النتائج العسكرية لتسويق رواية «نصر تاريخي» لا تطابق الواقع، ففي الوقت الذي كان نتنياهو يدعي تدمير قدرات إيران الصاروخية والنووية، أكدت تقارير استخباراتية «إسرائيلية» داخلية، أن ثلث الصواريخ الإيرانية فقط هو ما أُصيب، بينما بقي نصف منظومة الإطلاق والمكونات الاستراتيجية سليماً. هذا دون ذكر حجم الأضرار الكبيرة في المدرعات والدبابات في أثناء المعارك في جنوب لبنان.


محاولات التخريب «الإسرائيلية»


لا شك أن «إسرائيل» ترى نفسها متضررة بشكلٍ كبير من أي مفاوضات أمريكية-إيرانية، وهي وإن كانت تعمل بشكلٍ مستمر على تخريبها، إلّا أنّ تل أبيب تدرك أيضاً أنّها قد تفشل في ذلك، خصوصاً أن المزاج اتجاه السلوك «الإسرائيلي» بات محل استياء أكبر داخل واشنطن، وهو ما عبّر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مكالمته الأخيرة مع نتنياهو، حين قال له ترامب غاضباً: «الجميع سئم منك يا بيبي.. حتى اليهوديان اللذان معي في هذه المكالمة (كوشنر وويت) سئما منك».
انطلاقاً من هذه الفكرة تجد «إسرائيل» نفسها مضطرةً لفتح جبهات جديدة تضمن من خلالها بث الروح في مشروع «إسرائيل الكبرى» فهذا المشروع رغم أنّه تلقى ضربة جدية مؤخراً، إلا أنّه المخرج الوحيد من أزمتها الوجودية، وهو ما يفسر سلسلة من التحركات الأخيرة، كان أبرزها ما جرى في لبنان تحت عنوان «اتفاقية الإطار اللبنانية» الذي ُقّع عليها في العاصمة الأمريكية واشنطن يوم الجمعة 26 حزيران الجاري، ماركو روبيو وسفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض وسفير «إسرائيل» يحيئيل ليتر.
هذه الاتفاقية التي أعلن حزب الله رفضها بشكل كامل، تسعى لرفع درجة التوتر في لبنان وتغذية احتمالات الحرب الأهلية، عبر محاولات حثيثة لدفع أطراف أخرى للتدخل في محاولة نزع سلاح حزب الله، هذه المهمة التي فشلت «إسرائيل» في تنفيذها، وستفشل أي أطراف أخرى، لكن الدفع الحثيث بهذا الاتجاه يمكن أن يقود لبنان إلى حرب أهلية تكون «إسرائيل» أكبر المستفيدين منها.

إن منطقتنا اليوم ورغم التعثر الأمريكي-«الإسرائيلي» لا تزال تواجه مخاطر كثيرة، وهي تحتاج أكثر من أيّ وقتٍ مضى إلى تعميق التفاهمات البينية، والتصدي المشترك لمحاولات التخريب المستمرة، ورغم ما يبدو في الظاهر من إمكانية الفصل بين الجبهات، إلا أن الواقع يثبت مجدداً أن ساحات الصراع المتعددة هي في الواقع ساحة واحدة، وهذا بالضبط ما يقود الدول الإقليمية الأساسية لتوحيد جهودها للتعامل مع الخطر الأكبر الأساسي، وينبغي أن يظل حاضراً أن كل عرقلة جديدة للمحاولات الأمريكية-«الإسرائيلية» لن تمر دون محاولات مضادة، ومع كل تقدم جديد في تقليم الأظافر تزداد الصهيونية وحشية، وذلك لأن كل ضربة جديدة لمشروع «إسرائيل الكبرى» مهما بدت صغيرة، ستكون لها تأثيرات متسارعة، لن يكون من السهل إيقافها لاحقاً، ومن جانب الولايات المتحدة التي خسرت الحرب، ستسعى أيضاً إلى بث الحياة في جسدها المتهالك، وهو ما يؤكد أن الظرف في غرب آسيا شديد الحساسية، ولا يحتمل أي خطأ في الحسابات، مهما كان صغيراً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1284