الاشتراكيون الديمقراطيون في الولايات المتحدة.. أسئلة أولية

الاشتراكيون الديمقراطيون في الولايات المتحدة.. أسئلة أولية

 تعيش الولايات المتحدة اليوم واحدة من أكثر مراحلها السياسية اضطراباً منذ عقود، في ظل تراجع قدرة النظام السياسي التقليدي على احتواء التناقضات الداخلية، التي أخذت تتراكم على مدى سنوات طويلة. وإذا كانت هذه التناقضات موجودة قبل الحرب الأخيرة على إيران، فإن نتائج تلك الحرب من هزائم سياسية واستراتيجية، بدأت تُسرّع بصورة واضحة انفجارها، وبدفعِ الصراعات الكامنة داخل المؤسسة الأمريكية، إلى مرحلة جديدة أكثر حدة ووضوحاً.

 ما يجري اليوم ليس نتيجة مباشرة للحرب على إيران وحدها، ولا يمكن اختزال الأزمة الأمريكية بها. فالأزمة أعمق وأقدم، وترتبط بتراجع الهيمنة الأمريكية عالمياً، وتباطؤ الاقتصاد، واتساع الفجوة الاجتماعية، وفشل النخب التقليدية في إنتاج أي حلول، أو توافقات جديدة. إلا أن الحرب الأخيرة مثلت عاملاً مسرّعاً لكشف هشاشة التوازنات الداخلية، وأطلقت ديناميكيات سياسية كانت تتشكل أصلاً، بسرعة أكبر.
 انقسام الجمهوريين
 أبرز مظاهر هذه التحولات يتمثل في الانقسام غير المسبوق داخل الحزب الجمهوري نفسه، والذي كان حتى وقت قريب يبدو متماسكاً خلف الرئيس دونالد ترامب. فبعد سنوات من السيطرة شبه المطلقة لترامب على الحزب، بدأت الخلافات تتحول من همسات داخلية إلى مواجهات علنية، خصوصاً بعد إدارة الحرب مع إيران.
 لم تعد الاعتراضات تقتصر على شخصيات إعلامية أو مراكز أبحاث، بل وصلت إلى أعضاء بارزين داخل مجلس الشيوخ الجمهوري، الذين انتقدوا علناً قرارات ترامب المتعلقة بالحرب، كما ظهرت خلافات حادة بين البيت الأبيض وقيادة الجمهوريين في مجلس الشيوخ حول ملفات متعددة، من بينها: تعيينات إدارية، وقوانين الانتخابات، وصلاحيات الرئيس في إدارة السياسة الخارجية.
 هذا التوتر يعكس انقساماً أعمق من مجرد خلاف على بعض السياسات، فداخل الحزب الجمهوري اليوم يتصارع مشروعان مختلفان؛ الأول يتمسك بالشعار التقليدي الذي رفعه ترامب نفسه، أي «أمريكا أولاً»، بمعناه الانعزالي الرافض للتورط في الحروب الخارجية، بينما بات التيار الآخر أكثر استعداداً للاستمرار في سياسات التدخل الخارجي، والتحالف غير المشروط مع «إسرائيل»، حتى ولو تعارض ذلك مع المصالح المباشرة للولايات المتحدة.
 ومن هنا جاء الحدث الأبرز خلال الأسبوع الماضي، وهو إعلان الإعلامي المحافظ الأشهر تاكر كارلسون انسحابه من دعم الحزب الجمهوري، بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها مدافعاً عنه.
 «انشقاق» كارلسون
 كارلسون، الذي كان أحد أهم الوجوه الإعلامية الداعمة لترامب، وصاحب تأثير واسع داخل قاعدة «ماغا» أعلن بشكل واضح، أنه لم يعد قادراً على الدفاع عن الحزب الجمهوري، مؤكداً أنه لن يدعمه في الانتخابات المقبلة، مع تشديده في الوقت نفسه على أنه لن ينضم إلى الحزب الديمقراطي أيضاً.
وبرر كارلسون موقفه بأن الحزب الجمهوري لم يعد يمثل المصالح الأمريكية، بل بات يتخذ قراراته بناءً على مصالح «إسرائيل» والجهات الممولة، وليس على أساس مصلحة المواطنين الأمريكيين. ووصل إلى حد وصف هذا السلوك بأنه غير أخلاقي، بل و«خيانة» للولايات المتحدة.

لكن أهمية خطوة كارلسون لا تكمن فقط في انسحابه من الحزب الجمهوري، وإنما فيما تعكسه من طبيعة الصراع الجاري داخل النخبة الأمريكية نفسها. فالقراءة السطحية قد توحي بأن الرجل خرج من المنظومة السياسية الأمريكية، أو بات يمثل موقفاً مناهضاً للنخبة الحاكمة، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
فحتى الآن، لا يقف كارلسون خارج النخبة الأمريكية، ولا يعارض النظام الأمريكي من حيث المبدأ، وإنما يصطف إلى جانب جناح داخل هذه النخبة يخوض اليوم صراعاً متصاعداً مع جناح آخر، حول مستقبل السياسة الأمريكية واتجاهاتها.
ويبدو واضحاً، أن أحد أطراف هذا الصراع يرتبط بدرجات متفاوتة باللوبي الصهيوني وشبكة المصالح الداعمة لاستمرار الانخراط الأمريكي في الحروب الخارجية، بينما يتموضع كارلسون ضمن تيار يعتبر أن استمرار هذه السياسات بات يضر بالمصلحة الوطنية الأمريكية، ويستنزف قدرات الولايات المتحدة، ويقود إلى مزيد من التراجع الدولي.
ولذلك فإن الهجوم الذي يشنه كارلسون على «إسرائيل»، وانتقاده غير المسبوق للدعم الأمريكي لها، لا ينبغي فهمه باعتباره تحولاً فردياً معزولاً، ولا بوصفه «صحوة» على جرائم الصهيونية، وإنما باعتباره تعبيراً عن اصطفاف داخل أحد معسكرات النخبة الأمريكية المنقسمة والمتصارعة في مصالحها ورؤاها.

كما أن حجم الحملة التي يقودها، وما يرافقها من تحولات لدى شخصيات محافظة أخرى، يشير إلى أن النفوذ الصهيوني داخل الحياة السياسية الأمريكية دخل بالفعل مرحلة تراجع متسارع، حتى وإن بقي لاعباً قوياً الآن، لكن المؤشرات تدل بأنه لن يطول.
التحوّلات في «الديمقراطي» وصعود الاشتراكيين الديمقراطيين
في المقابل، لا تقتصر التحولات على «اليمين» الأمريكي فقط، بل تمتد أيضا ًإلى الحزب الديمقراطي، الذي يشهد بدوره تصاعدا ًملحوظاً لتيار الاشتراكيين الديمقراطيين.
فخلال الانتخابات التمهيدية الأخيرة حقق مرشحون مدعومون من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا سلسلة من الانتصارات، سواء في نيويورك، أو في ولايات أخرى، كما تمكن أكثر من ثلاثين مرشحاً اشتراكياً من الفوز في الانتخابات التمهيدية هذا العام، في مؤشر واضح على تنامي حضور هذا التيار داخل الحزب الديمقراطي.
ولا يقتصر الأمر على النتائج الانتخابية فقط، بل يترافق أيضاً مع تغيرات في المزاج الشعبي، خصوصاً بين الشباب، الذين باتوا أكثر تقبلاً للطروحات الاشتراكية، وأكثر انتقاداً للرأسمالية التقليدية، في ظل تفاقم أزمة السكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، واتساع الفجوة الطبقية، وتراجع فرص العمل، وفشل النظام التقليدي عن معالجة أي من المشكلات.

هذا الصعود لا يعني أن الاشتراكيين الديمقراطيين أصبحوا قوة داخل الحزب الديمقراطي، ولا يعني أيضاً أنهم حسموا الصراع مع الجناح التقليدي، فالقيادة الديمقراطية ما تزال تملك نفوذاً واسعاً، كما أن المؤسسة الحزبية ستبقى قادرة على دعم مرشحيها في العديد من الولايات والدوائر الانتخابية. بهذا المعنى، فإن وجود تيار اشتراكي ديمقراطي «داخل الحزب الديمقراطي» التقليدي، سيبقى محدوداً ومتحكم به.
 هل تيار الاشتراكيين الديمقراطيين الحالي جاد وجذري؟
بناء على ما سبق، يأتي السؤال الأهم المتعلق بطبيعة هذا التيار: هل يستطيع الاشتراكيون الديمقراطيون الذهاب إلى النهاية في المواجهة مع مراكز القوة الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة؟
وهل يمتلكون «مشروعاً جذرياً» قادراً على تجاوز حدود الإصلاحات الاجتماعية التقليدية؟
أم أنهم سيتحولون مع الوقت إلى جزء وشكل جديد من المنظومة القائمة، يشبه إلى حد ما، من حيث الشكل على الأقل، النموذج الأوروبي؟
هذه الأسئلة ما تزال مفتوحة، ولذلك فإن صعودهم الحالي ينبغي النظر إليه بوصفه مرحلة مؤقتة مرتبطة بتراجع نظام الحزبين التقليدي، وبتوازنات داخلية قابلة للتغير، وليس باعتباره حسماً، أو حتى مؤشراً يمكن البناء عليه لمستقبل هذا التيار بشكله الحالي.

في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة اليوم أمام مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن السنوات السابقة، فالاستقطاب السياسي لم يعد مجرد تنافس انتخابي بين الحزبين التقليديين، بل تحول إلى صراع متعدد المستويات داخل الحزب الجمهوري نفسه، وداخل الحزب الديمقراطي أيضاً، وبين أجنحة النخبة الاقتصادية والسياسية والإعلامية.
وكل المؤشرات تدل على أن نظام الحزبين الذي حكم الولايات المتحدة لعقود طويلة بدأ يفقد تدريجياً قدرته على ضبط الحياة السياسية كما كان يفعل سابقاً، بينما تتقدم قوى واتجاهات جديدة تملأ الفراغ الذي يخلفه هذا التراجع، وإن مؤقتاً.
وبالعموم، يعني أنها دخلت بالفعل مرحلة لا رجعة عنها من إعادة التشكل الداخلي، حيث تتغير موازين القوى، وتتبدل التحالفات، وتنهار مسلمات سياسية استمرت لعقود.
ويبقى السؤال الأساسي الذي ستجيب عنه السنوات القليلة المقبلة:
هل ستنجح القوى الاجتماعية الأمريكية في إدارة هذه التحولات بصورة تدريجية وهادئة، أم أن التناقضات المتراكمة ستدفع البلاد نحو مزيد من الاستقطاب والانقسام، وربما نحو أزمات سياسية واجتماعية أكثر عمقاً مما شهدته الولايات المتحدة في تاريخها الحديث؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1284