استقالة ستارمر، وصعود اليمين في بريطانيا
ملاذ سعد ملاذ سعد

استقالة ستارمر، وصعود اليمين في بريطانيا

قبل عامين فقط، عاد حزب العمال إلى السلطة بوعد «التغيير» بعد سنوات من حكم المحافظين، لكن المشهد البريطاني اليوم يبدو مختلفاً تماماً. فاستقالة كير ستارمر لا تبدو مجرد نهاية لمسيرة رئيس حكومة، بل علامة عن أزمة أعمق تضرب النظام السياسي البريطاني بأكمله. وبينما تنشغل وسائل الإعلام بالأسباب المباشرة للاستقالة، تبدو التحولات التي تعيشها بريطانيا أكبر بكثير من شخص ستارمر نفسه.

لم تكن استقالة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مفاجئة بالكامل، لكنها أيضاً لم تكن نتيجة السبب المباشر الذي يجري تداوله في وسائل الإعلام الغربية. الرواية الرسمية تتحدث عن تراجع شعبية حزب العمال، وخسائره في الانتخابات المحلية، والانقسام داخل الحزب، وصعوبة مواجهة الصعود المتسارع لحزب «ريفورم يو كيه/ إصلاح المملكة المتحدة» بزعامة نايجل فاراج... لكن هذه العوامل، رغم صحتها، تبدو أقرب إلى الأعراض منها إلى المرض نفسه.
فالأزمة البريطانية الحالية لم تبدأ مع نتائج الانتخابات الأخيرة، بل هي تراكم طويل لسنوات من الأزمات المشاكل المختلفة، بينما عجزت الحكومات المتعاقبة، سواء المحافظة أو «العمالية»، عن تقديم حلول حقيقية. والنتيجة كانت ستة رؤساء حكومات خلال عقد واحد، في مؤشر واضح على أزمة بنيوية تتجاوز الأشخاص.

كما ألقت ملفات خاصة بظلالها على المشهد السياسي، من قضية جيفري إبستين وما ارتبط بها سابقاً بالأمير أندرو، إلى الجدل الذي رافق تعيين شخصيات مثيرة للجدل في مواقع حساسة داخل حكومة ستارمر. وهذه الأمور ساهمت في تعميق أزمة الثقة بين الرأي العام والنخبة الحاكمة، ورسخت الانطباع بأن النخبة السياسية البريطانية تعاني أزمة شرعية متزايدة، ورفعت من تناقضات هذه النخبة الحاكمة نفسها فيما بينها.
ثم جاءت موجات الاحتجاجات وأعمال العنف التي شهدتها بريطانيا خلال العامين الماضيين، وصولاً إلى التوترات الأخيرة الكبرى في إيرلندا الشمالية، لتكشف أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل باتت تمس البنية الاجتماعية والسياسية للدولة نفسها. فالاستقطاب يتصاعد، والانقسامات القومية والعرقية والسياسية تتوسع.

في هذا السياق، تبدو استقالة ستارمر أقرب إلى محاولة من حزب العمال لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل الانتخابات المقبلة. وتشير معظم التقديرات إلى أن آندي بورنهام هو الأوفر حظاً لخلافته، في محاولة لاستعادة جزء من القاعدة الشعبية التي خسرها الحزب.
لكن حتى في حال وصول بورنهام، فإن التحديات الأساسية ستبقى كما هي، بل وستزداد طالما أن النظام السياسي ونخبته الحاكمة فعليا قائمة على حالها، ولذلك، فإن تغيير رئيس الوزراء لا يبدو كافياً لإحداث أي تحول فعلي.
وفي المقابل، يواصل نايجل فاراج وحزبه تحقيق مكاسب سياسية متسارعة، حتى بات الحديث يدور داخل الأوساط السياسية عن سيناريوهات دستورية غير مسبوقة، إذا وصل اليمين المتطرف إلى السلطة، أو حتى أصبح القوة الأكبر في البرلمان، حيث تتصاعد المخاوف من أن يدفع مشروع فاراج نحو تسريع الدعوات لاستفتاءات الانفصال، بما يهدد وحدة المملكة المتحدة نفسها.
ليبدو أن استقالة ستارمر تعكس مرحلة جديدة تدخلها بريطانيا، عنوانها تصاعد الشعبوية واليمين المتطرف، واستمرار أزمة اقتصادية وسياسية، تُنهي الاستقرار الذي عُرفت به المملكة المتحدة لعقود طويلة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285