هل يتحول القرن الأفريقي إلى ساحة مواجهة جديدة؟
لم يعد ما يجري في الصومال مجرد أزمة سياسية داخلية، أو خلاف دستوري حول الانتخابات، بل أصبح جزءاً من تحولات جيوسياسية متسارعة تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ففي الوقت الذي تواجه فيه مقديشو واحدة من أكثر أزماتها السياسية تعقيداً منذ سنوات، تتسارع خطوات التقارب بين «إسرائيل» وإقليم أرض الصومال الانفصالي، في تطور يتجاوز حدود العلاقات الثنائية، ليطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التوازنات الأمنية في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن منطقة القرن الأفريقي دخلت مرحلة جديدة من التنافس الدولي، لم تعد فيها القوى الإقليمية تتنافس فقط على النفوذ السياسي أو الاقتصادي، وإنما على السيطرة على العقد الجيوسياسية التي تتحكم بحركة التجارة والطاقة والأمن البحري، وفي مقدمتها باب المندب وخليج عدن.
ويأتي التقارب «الإسرائيلي» مع إقليم أرض الصومال في هذا السياق، إذ يصعب النظر إليه باعتباره مجرد اعتراف دبلوماسي، أو محاولة لدعم كيان يسعى إلى اكتساب الشرعية الدولية، بل يبدو أقرب إلى جزء من استراتيجية أمنية أوسع، فرضتها التطورات التي شهدها البحر الأحمر منذ اندلاع الحرب في غزة. فقد أدت هجمات جماعة أنصار الله في اليمن على جنوب الأراضي الفلسطينية المحتلة واستهداف السفن المرتبطة بـ «إسرائيل» إلى كشف هشاشة الجبهة الجنوبية «الإسرائيلية»، بعدما تراجع النشاط التجاري في ميناء إيلات، وتعرضت خطوط الملاحة لضغوط غير مسبوقة، والأهم: أثبت اليمن أن الخيار العسكري لن يسمح بالقضاء على القدرات العسكرية لانصار الله، بل كما هو الحال في الحرب الأمريكية-«الإسرائيلية» خرجت إيران كما أنصار الله أقوى، وأثبتت قدرتها على التحكم بالمضائق المائية المطلة عليها، هذا ما يبرر تسريع ”إسرائيل“ لوجودها في أرض الصومال.
ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية لإقليم أرض الصومال، وتحديداً ميناء بربرة المطل على خليج عدن، والذي يمنح أي قوة تتمركز فيه قدرة على مراقبة أحد أهم الممرات البحرية العالمية. فالوجود العسكري أو الاستخباراتي في هذه المنطقة لا يعني امتلاك قاعدة بحرية فحسب، وإنما إنشاء منظومة متقدمة للرصد والإنذار المبكر، ومراقبة حركة الملاحة والأنشطة العسكرية في الضفة المقابلة لليمن، بما يوفر لـ «إسرائيل» هامشاً أكبر للتعامل مع التهديدات القادمة من البحر الأحمر.
̐ورغم نفي تل أبيب وبعض مسؤولي الإقليم التقارير التي تحدثت عن نشر قوات «إسرائيلية» أو إقامة قاعدة عسكرية، فإن تسلسل الأحداث يعكس اتجاهاً واضحاً نحو تعميق التعاون الأمني. فقد انتقلت العلاقة خلال فترة قصيرة من الاعتراف السياسي إلى افتتاح بعثات دبلوماسية وتوقيع إعلان استراتيجي للتعاون، ثم ظهور تسريبات متكررة بشأن ترتيبات أمنية وعسكرية، فضلاً عن تصريحات مسؤولي الإقليم، التي لم تستبعد إقامة قاعدة إسرائيلية مستقبلاً، وكذلك حديث العديد من المسؤولين «الإسرائيليين» عن نشاط عسكري - أمني متصاعد منذ فترة طويلة تسبق الاعتراف بأرض الصومال.
ويثير هذا المسار مخاوف متزايدة لدى عدد من دول المنطقة، لأن أي تمركز عسكري «إسرائيلي» قرب باب المندب لن يقتصر أثره على الصومال، بل سيمتد إلى مجمل معادلات الأمن في البحر الأحمر. فهذه المنطقة تمثل نقطة الاختناق البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويعبر عبرها جزء كبير من التجارة العالمية، كما ترتبط مباشرة بأمن قناة السويس، وهو ما يفسر القلق المصري من أي تغير في موازين النفوذ جنوب البحر الأحمر، خاصة في ظل التداخل مع ملفات أخرى، مثل: سد النهضة والعلاقة بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال.
كما أن هذا الحضور المحتمل يضع المنطقة أمام مخاطر أمنية إضافية، بعدما أعلنت جماعة أنصار الله صراحة أن أي وجود عسكري «إسرائيلي» في أرض الصومال سيكون هدفاً مشروعاً، الأمر الذي ينذر بتحويل القرن الأفريقي إلى امتداد مباشر لساحات الصراع المشتعلة في الشرق الأوسط، بدلاً من بقائه منطقة تنافس سياسي محدود.
المشهد الداخلي - أزمة دستورية وسياسية
لكن هذه التحولات الخارجية لا يمكن فصلها عن المشهد الداخلي الصومالي، إذ إن ضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي يوفران بيئة مناسبة لتوسع نفوذ القوى الإقليمية والدولية. فكلما ضعفت المؤسسات المركزية وتعثر التوافق الوطني، ازدادت قدرة الأطراف الخارجية على بناء تحالفات جديدة وتوسيع حضورها داخل واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
وتعيش الصومال اليوم أزمة دستورية وسياسية غير مسبوقة بعد انتهاء الولاية الدستورية للرئيس حسن شيخ محمود، وسط خلافات حادة بشأن مستقبل العملية الانتخابية. فقد اعتبرت الحكومة أن التعديلات الدستورية الأخيرة، التي تضمنت الانتقال إلى نظام الاقتراع الشعبي المباشر، وتمديد مدة الولاية الرئاسية إلى خمس سنوات، تمنح الرئيس الحالي شرعية الاستمرار حتى عام 2027، بينما ترى قوى المعارضة، أن تلك التعديلات افتقرت إلى التوافق الوطني، وتهدف إلى تأجيل الانتخابات وترسيخ بقاء السلطة الحالية.
وأدى هذا الخلاف إلى تصاعد التوترات الأمنية في مقديشو، حيث شهدت العاصمة اشتباكات بين قوات حكومية ومجموعات مسلحة مرتبطة بالمعارضة، في مؤشر على هشاشة الوضع السياسي وإمكانية انزلاقه إلى مواجهات أوسع إذا تعثرت جهود التوافق. كما لوحت قوى المعارضة بخيارات تصعيدية، من بينها تشكيل مؤسسات سياسية موازية، الأمر الذي يعكس عمق الانقسام داخل النظام السياسي الصومالي، بالإضافة لتصاعد خطر القوى المصنفة إرهابية، كحركة الشباب والتي تنامى نشاطها مؤخراً مستفيدة من مجمل الأوضاع في البلاد.
في المقابل، تحاول بعض أطراف المعارضة تقديم مقاربة وسطية تقوم على القبول بمبدأ الانتخابات المباشرة، مع الحفاظ على خصوصية النظام القبلي المعروف بـ «نظام 4.5»، الذي ظل طوال العقود الماضية يمثل الإطار الأساسي لتقاسم السلطة بين المكونات العشائرية. ويعكس هذا الطرح إدراكاً بأن الانتقال إلى نموذج ديمقراطي جديد لا يمكن أن يتم بمعزل عن التوازنات الاجتماعية التي تشكل أساس الاستقرار السياسي في البلاد.
وتكمن خطورة هذه الأزمة في أنها تتزامن مع استمرار التحديات الأمنية التي تمثلها حركة الشباب، ما يهدد بتشتيت جهود الدولة بين مواجهة الإرهاب وإدارة الصراع السياسي الداخلي، في وقت تتزايد فيه التدخلات الخارجية وتتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية داخل الساحة الصومالية.
في المحصلة، يبدو أن الصومال يقف أمام مرحلة مفصلية تتجاوز حدود أزمته الداخلية. فالتقارب «الإسرائيلي» مع إقليم أرض الصومال، وما يرافقه من حديث عن ترتيبات أمنية وعسكرية، يعكس اتجاهاً أوسع لإعادة رسم موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بينما تكشف الأزمة الدستورية في مقديشو عن استمرار هشاشة الدولة، وعجز النخب السياسية عن بناء توافق وطني مستدام.
إن أخطر ما تواجهه الصومال اليوم ليس مجرد الخلاف حول الانتخابات أو مستقبل الرئاسة، ولا فقط احتمالات التمركز «الإسرائيلي» على الضفة الأفريقية المقابلة لباب المندب، بل تزامن الأزمتين معاً. فكلما تعمقت الانقسامات الداخلية، ازدادت قابلية البلاد للتحول إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي، تتقاطع فيها مصالح «إسرائيل» وإثيوبيا وتركيا والإمارات والولايات المتحدة وقوى أخرى، حول واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، وفي المقابل، هل ستسمح دول المنطقة والتي يمثل البحر الأحمر عمقها الاستراتيجي، مثل: السعودية ومصر، بفقدان السيطرة على بوابته الجنوبية. ومن هنا، فإن مستقبل الصومال لم يعد شأناً محلياً فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع، تتعلق بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة بأسرها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1284
معتز منصور