ألبانيا ليست للبيع…

ألبانيا ليست للبيع…

تشهد ألبانيا مظاهراتٍ حاشدة للاحتجاج على مشروع «سياحي» ضخم لصالح جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب، إلى جانب شركائهم من عائلة الخياط السورية-القطرية، إذ خرج الآلاف لإعلان رفضهم لهذا التفريط لصالح شركات أجنبية ذات أجندات مشبوهة، ورغم أن المسألة قد تبدو واضحة للوهلة الأولى إلاّ أن خلف هذا المشروع الكثير من الجوانب المخفية التي لا يمكن فهم حساسيتها دون عرضها بشكلٍ موجز...

إن خروج آلاف الألبانيين في مظاهرات حاشدة باتت تُعرف في وسائل الإعلام باسم «ثورة طائر الفلامينكو» كان رد فعلٍ على سلسلة من المسائل المترابطة، إذْ كانت الحكومة الألبانية منحت ترخيصاً لشركة يديرها كوشنر، وتشارك في تمويلها عائلة الخياط، لبناء منتجع سياحي ضخم على جزيرة سازان ومنطقة زفيرنيك في منطقة شديدة الحساسية في مضيق أوترانتو، المدخل الوحيد للبحر الأدرياتيكي، الذي ينظم الملاحة بين البحر الأدرياتيكي والبحر الأيوني. المتظاهرون الذين بدأوا تحركاتهم هذه منذ أواخر شهر أيار الماضي، يرون في المشروع كارثة بيئية حقيقية كونه قائم في منطقة محميات طبيعية، وموطن لكثير من الكائنات المهددة بالانقراض، وآخر المحميات لبيئة البحر المتوسط الأصيلة، لكن التحرك وبالرغم من كونه يركز كثيراً على الجانب البيئي، وتشارك فيه العديد من المنظمات البيئية، يتطرق أيضاً إلى كثيرٍ من القضايا السياسية داخل ألبانيا، إذ تحوّل مشروع كوشنر-
الخياط إلى صاعق تفجير لعددٍ كبير من القضايا، كان على رأسها قضايا فساد كبرى تُتهم بها الحكومة ورئيس الوزراء إيدي راما.

كانت الحكومة قد عدّلت في شهر شباط 2024 «قانون المناطق المحمية» لتسهيل بناء المجمعات الفاخرة، في مناطق كانت تخضع لحماية بيئية صارمة، ليتبين لاحقاً، أن تعديل هذا القانون كان إجراءً أولياً للمرحلة اللاحقة، والدخول في صفقة مع صندوق أفينيتي بارتنرز المملوك لجاريد كوشنر، بالتعاون مع عائلة الخياط بقيمة تصل إلى 5.4 مليار دولار! وهذا ما دفع مكتب المدعي العام الخاص لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة في ألبانيا لفتح تحقيقٍ في عمليات نقل ملكية عقارات مشبوهة مرتبطة بالمشروع، منها أراضٍ اشتراها الأخوين خيّاط في منطقة زفيرنيك الساحلية على بعد أمتار قليلة من المحمية الطبيعة. وعلى الرغم من رفض رئيس الوزراء هذه الاتهامات وإصراره على أن الاحتجاجات يحركها «كارهوا ترامب» وتقف خلفها أطراف خارجية، مثل: إيران! إلا أن المحتجين استطاعوا تنظيم صفوفهم، وحشد الآلاف في عددٍ من المناطق، شملت العاصمة تيرانا ومدينة فلورا الساحلية.
الاحتجاجات تعرّضت لعنف واعتداء وقمع من قبل بعض عناصر الشرطة وعناصر أمن آخرين تابعين لشركات خاصة، تعمل على حماية المشروع، ما حرّك قضية أخرى أدت لوقف عناصر شرطة عن العمل، وإلغاء تراخيص هذه الشركات الأمنية الخاصة. مما يرجح أن المسألة يمكن أن تتوسع أكثر وتشتد الاحتجاجات، خاصةً مع عدم وجود نيّة لدى الحكومة للتراجع عن المشروع.


الزاوية الأوسع!


إن مسألة ثانية شديدة الخطورة لا تلقى التركيز الإعلامي نفسه:
هل يستحق مشروع سياحي أزمة كهذه؟ وما الذي يدفع الحكومة في ألبانيا لمغامرة بهذا الحجم قد تنتهي بإسقاطها وإحالة مسؤولين للمحاكمة؟ الإجابة عن أسئلة كهذه ليست مسألة سهلة، لكن إن النظر لموقع الجزيرة وتاريخها يفتح الباب أمام فرضيات مقلقة، تحدّث فيها بالفعل بعض الشخصيات من خلفيات عسكرية داخل ألبانيا.

إن مضيق أوترانتو هو شريان أساسي يصل موانئ دول، مثل: إيطاليا، وسلوفينيا، وكرواتيا، والجبل الأسود، وألبانيا، مع البحر الأبيض المتوسط، ولهذا السبب كان لجزيرة سازان- الواقعة في المضيق الذي يبلغ عرضه 72 كيلومتراً- أهمية استراتيجية كبيرة، فبسبب طبيعتها المميزة كانت الجزيرة بمثابة حصن عسكري منيع، إذ استخدمتها إيطاليا منذ عام 1914 حتى 1947 كقاعدة غواصات عسكرية، ثم استعادت ألبانيا السيطرة على الجزيرة بموجب اتفاقية باريس للسلام، قبل أن تتحول إلى قاعدة عسكرية مشتركة للقوات الألبانية والسوفييتية منذ عام 1947 حتى 1961 لتستخدمها القوات الألبانية بشكل مستقل بعد ذلك التاريخ، وحتى تسعينيات القرن الماضي.
كانت الجزيرة محط اهتمام وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، التي كشفت إحدى وثائقها في 1951 أن الاتحاد السوفييتي طوّر البنية التحتية للجزيرة بشكلٍ كبير جداً، وأعاد بناء المنشآت الإيطالية السابقة، وبنى تحصينات مخصصة لتجنب ضربات نووية، كما تم بناء نظام معقد من الأنفاق والملاجئ المحفورة في الصخور لاستيعاب الغواصات والوقود والذخيرة! وتحدّثت وثيقة للاستخبارات الأمريكية، أن البنية التحتية الموجودة في الجزيرة كانت تسمح باستيعاب 15 غواصة متوسطة الحجم، هذا بالإضافة إلى أن فترة تواجد القوات السوفييتية أظهرت قدرة الموقع الاستراتيجية بعد تطويره، وتزويده ب 70 جهاز مدفعية ومضادات جوية متطورة وقاذفات صواريخ. مما حوّل الجزيرة إلى مدينة عسكرية متكاملة، تحتوي على 50 مبنى للاستخدامات العسكرية واللوجستية.
إن ما سبق، يمكن أن يساعد في فهم سبب تصريحات الخبير البحري الألباني آرتور ميتشولاري، الذي انتقد تفريط الحكومة بهذه الأصول لصالح شركة أجنبية، معتبراً أن المنطقة تمثّل وحدة جغرافية ودفاعية واحدة لا يمكن فصلها، وهي أهم مساحة استراتيجية في ألبانيا للسيطرة على مضيق أوترانتو. ولذلك يعتقد ميتشولاري، أن عرض الجزيرة للاستثمار ليس مبنياً على دراسات جدوى اقتصادية، بل هو «قربان سياسي» تقدمه القيادة السياسية لكسب نفوذ دولي، متجاهلة الوثائق الاستراتيجية للدفاع الوطني. كما ينبّه إلى أن السيطرة على هذا الموقع من قبل شركة أجنبية مدنية، يمكن أن يتحوّل إلى عامل ضاغط على الناتو، ويعيق قدرته على الحركة في هذه المنطقة، ما يثير شبهات أكثر عن الأهداف الخفية خلف المشروع، وتحديداً كونها مرتبطة بشخصيات أمريكية، وعلى علاقات طيبة بالحركة الصهيونية.

المحتجون في ألبانيا يمثلون استجابة أولية لخطورة هذا المشروع، ويمكن أن تتطور هذه الحركة سريعاً، وإن هؤلاء الشباب الذين رفعوا شعارات، مثل: «ألبانيا ليست للبيع» و«إيفانكا، ارحلي إلى منزلك» و«ارفعوا أيديكم عن فيجوسا-نارتا» و«راما إلى السجن، بيريشا إلى السجن» إنما يلقون الضوء على الدور المشبوه لشركات كوشنر وشركائه، تحديداً كونّها باتت تغطي مساحة جغرافية كبيرة من العالم، وفي مناطق حساسة واستراتيجية، ما ينبغي أن يقرع الأجراس أمام الأخطار المحتملة لتلك المشاريع المرتبطة بهذه الشخصيات في منطقة غرب آسيا وضمناً في سورية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1281