من إيران والإقليم… كيف يمكن إيقاف مشروع «إسرائيل الكبرى»
شهدت الأيام الأخيرة موجات تصعيد جديدة إذ نفذت الولايات المتحدة عدداً من الضربات ضد مواقع إيرانية وناقلات في مضيق هرمز، إلا أن هذه الخروقات كانت سبباً كافياً بالنسبة لطهران لتوجيه ضربات مقابلة استهدفت مصالح أمريكية، ومواقع في دول الخليج، التي تفتح المجال أمام القوات الأمريكية لاستخدام أراضيها لتنفيذ هذه الضربات.
تصر إيران في ضرباتها الأخيرة على تثبيت معادلة قاسية بتكلفة باهظة، إذا كانت الردود غير متناسبة، وسعت طهران من خلالها إلى التأكيد، بأن أي تجدد واسع للقتال سيتجاوز حدود المرحلة السابقة، وإن إيران ستحرص على أن تكون ضرباتها أعلى بمرة ونصف من أي هجوم عليها، وهذا من شأنه تعقيد الحسابات الأمريكية المعقدة أصلاً في إدارة الملف وتداعياته.
إن التطورات الميدانية الأخيرة ورغم خطورتها تظل أقل شأناً من تلك التي تجري خلف الكواليس وتحديداً تلك المرتبطة بالقدرات النووية الإيرانية، فوفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) تحتفظ إيران بقدراتها النووية، ولم تتضرر بالشكل الذي كانت الإدارة الأمريكية تسوقه، وهذا ما يتوافق مع ما توصلت له تقارير استخباراتية أمريكية، والتي نفت بشكلٍ قطعي تعرّض المنشآت النووية لـ «الإبادة» وأكدت أنّها قائمة، ولا تزال تعمل، وهي محصّنة تحت الأرض على أعماق تصل إلى 800 متر أحياناً، وهو ما يفوق قدرة القنابل التقليدية على الاختراق.
إيران والسلاح النووي
لكن التطور اللافت يتمحور حول تقارير وتسريبات تقول بأن إيران امتلكت بالفعل أسلحة نووية أو أنّها تعمل على ذلك، وتستند هذه التقديرات إلى جملة من المعطيات الحساسة التي يجري تداولها وكشفها، كان أبرزها ما تحدّث عنها لاري جونسون المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، والذي يتمتع بعلاقات واسعة داخل المؤسسات الأمريكية ومع أجهزة أخرى خارج الولايات المتحدة الأمريكية، إذ كشف جونسون أن الاستخبارات الأمريكية اعترضت مكالمة بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في أواخر شهر أيار الماضي، والمثير للانتباه، أن المكالمة ورغم خطورة محتواها تمت عبر خطوط غير مشفرة، مما مكّن الاستخبارات من اعتراضها، وهو ما يراه جونسون وغيره من المحللين خطوةً مقصودة لإيصال الرسالة إلى الجانب الأمريكي و«الإسرائيلي».
وركّزت المكالمة على ثلاث نقاط أساسية.
الأولى: أن إيران لن تتحدث عن برنامجها النووي طالما تستمر الحرب في غزّة ولبنان، وأن أي حديث حول هذا البرنامج سيكون مجمّداً حتى تحقيق الشروط الإيرانية.
الثانية: هي أن إيران غير مهتمة بأي نسخة جديدة أو مخففة من الاتفاق النووي السابق المعروف باسم JCPOA «خطة العمل الشاملة المشتركة» الذي جرى التوصل إليه في ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وانسحب منه الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى، فبالنسبة لطهران لم تعد إيران كما كانت في عام 2015 بل هي اليوم في موقع أقوى وأكثر ثباتاً ولذلك لم يعد من الممكن الرجوع إلى الوراء.
الثالثة: وهي الأخطر، أن بزشكيان نقل إلى شريف في المكالمة التي جرى اعتراضها تهديداً إيرانياً شديد اللهجة قال فيه: إن بلاده تتجه إلى تفجير جهاز نووي على الأراضي الإيرانية في حال استمرار الاستفزازات الأمريكية أو «الإسرائيلية» وعبّرت طهران أن هذا التفجير
لن يكون فعل حرب، بل تأكيداً على حق سيادي لا رجعة فيه للقدرة على التحكم في التصعيد.
إن هذه المعطيات طرحت تساؤلات حول قدرة إيران على تطوير سلاح نووي، وحول حيازة طهران للتكنولوجيا اللازمة لهذا السلاح، وهنا يؤكد جونسون بحسب مصادر باكستانية مطلعة، أن إيران تملك بالفعل هذه الأسلحة، ولم تعتمد فقط على قدراتها الداخلية، بل تلقت مساعدة من دولة ثانية. فإيران تملك مخزوناً ضخماً من اليورانيوم عالي التخصيب، كما تمتلك منظومات بالستية متطورة تغطي كامل المنطقة، قادرة على نقل الرؤوس النووية إلى الأهداف، ونجحت بعد تلقيها مساعدة في تطوير موائمة كافية بين الرؤوس النووية المنقولة في الصواريخ والأقمار الاصطناعية، ما يجعل أركان صناعة هذا السلاح كاملة وجاهزة للاستخدام.
من جهة ثانية، ترى طهران نفسها غير ملتزمة اليوم بتحريم الخامنئي السابق لتصنيع هذه الأسلحة على الأراضي الإيرانية، وتحديداً أن المرشد الجديد يملك صلاحية لإعادة النظر في هذه الفتوى على ضوء المعطيات الجديدة والتهديدات التي تواجهها إيران.
«إسرائيل الكبرى» والمحاولات الأخيرة
إن هذه التقارير تفرض على الإدارة الأمريكية و«إسرائيل» إعادة شاملة للحسابات وخطة جديدة لإدارة الملف، كون امتلاك إيران لسلاح ردع نووي سيغير التوازنات الإقليمية، ويزيد من صعوبة الواقع الجديد، فمن جهة تنشأ تحالفات وتفاهمات إقليمية تتناقض مع المصلحة الصهيونية، تعتمد بشكل أساسي على إرادة مشتركة لدول، مثل: تركيا وباكستان والسعودية ومصر، كما يمكن لصمود إيران وتثبيت نفسها أن يعطي من جهة ثانية بعداً أعمق لهذه التفاهمات الإقليمية، تقوم على التوافق حول إخراج القوات الأمريكية من المنطقة، وبناء نظام أمني إقليمي مستقل قائم على التفاهم والتعاون بين الدول الأساسية، لكن كل ذلك لا يلغي بالضرورة خطر المشروع «الإسرائيلي» فهناك في تل أبيب يراقبون هذه التطورات بقلق شديد، لكّنهم في الوقت نفسه يحاولون الخروج من هذه المرحلة بمكاسب استراتيجية تبدو واضحة من خلال المادة 224 من مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني في الولايات المتحدة، ورغم أن الطريق لايزال طويلاً لإقراره إلا أن مضمون المادة أشعل صراعاً داخل الولايات المتحدة، إذ تقول هذه المادة تحت عنوان «دمج المشتريات العسكرية» بضرورة تغيير العلاقة القائمة مع «إسرائيل» فبدلاً من أن يتلقى الكيان مساعدات مالية سنوية ثابتة، يجب الانتقال إلى نموذج جديد قائم على الاندماج العسكري الصناعي الكامل.
ويفرض البند 224 على وزير الدفاع الأمريكي تعيين مسؤول رفيع المستوى مهمته الأساسية هي مزامنة وتنسيق جميع جهود التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة و«إسرائيل»، مما يوسّع مجالات التعاون بشكلٍ غير مسبوق، ويعطي صلاحية للجانب «الإسرائيلي» للوصول إلى أعلى التقنيات الأمريكية دون قيود، وتحديداً في مجالات الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية، بالإضافة إلى الأنظمة ذاتية التشغيل، مثل: المسيرات والروبوتات القتالية، وغيرها من المجالات، هذا إلى جانب اقتراح موجود في البند يقضي بضرورة دمج الشبكات العسكرية بين البلدين، ما يعني إتاحة كل البيانات العسكرية والأمنية الأمريكية للجانب «الإسرائيلي» دون قيود.
إن مشروع «إسرائيل الكبرى» هو التهديد الأكبر والأساسي الذي تواجهه المنطقة اليوم، ويجري العمل المتواصل على بناء ركائز له، وتحديداً في مجال نقل وتوطين التكنولوجيا الأمريكية في المجالات الدفاعية والتقنية، لتكون قاعدة مادية يستند إليها المشروع، مما يؤكد أن «إسرائيل» حتى اللحظة، ورغم الضربات التي تلقتها مؤخراً، تأمل في المضي قدماً بمشروعها هذا، الذي يحتاج لرص الصفوف بين كامل الأطراف الإقليمية الأخرى، والعمل المشترك لتقويض هذه الجهود المشؤومة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1281